أكد الدكتور عمر غرايبة، أستاذ المالية بجامعة آل البيت، أن الاقتصاد العالمي يواجه صدمات متداخلة تتمثل في الحروب وارتفاع تكاليف الطاقة والاقتراض، إلى جانب تداعيات تغير المناخ وظاهرة النينيو، مشيرًا إلى أن هذه العوامل تضغط على معدلات النمو وتزيد أعباء الديون وتفاقم المخاطر المرتبطة بالفقر، خاصة في الدول النامية.
وأوضح أستاذ المالية بجامعة آل البيت، خلال مداخلة هاتفية بقناة القاهرة الإخبارية، أن تأثير الحروب لا يقتصر على أسعار الطاقة، بل يمتد إلى تكاليف الشحن والتأمين والنقل، فضلًا عن اضطراب إمدادات الوقود والغذاء، وهو ما ينعكس على الموازنات العامة وقدرة الدول على تمويل الخدمات الأساسية.
الحروب وراء صدمات الطاقة والديون
قال غرايبة إن الحرب الروسية الأوكرانية أسهمت في ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، خاصة الغاز في أوروبا، ثم جاءت الحرب في غزة، تلتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والحصار البحري، لتضيف مزيدًا من الضغوط على أسواق الطاقة والاقتصادات العالمية.
وأضاف أن العالم يعيش حالة من الاضطراب المرتبط بالحروب منذ عدة سنوات، في أعقاب جائحة كورونا، مؤكدًا أن المشكلة لا تتعلق بأسعار الطاقة وحدها، وإنما تشمل أيضًا ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين على السفن والبضائع والنفط المنقول.
وأوضح أن تكلفة التأمين على السفن، وفقًا للأرقام التي أشار إليها، ارتفعت من نحو نصف في المئة إلى مستويات تصل إلى 10% من قيمة السفينة، وقد تصل التكلفة الإجمالية إلى 15% عند احتساب التأمين على السلع والنفط المحمل.
وأشار إلى أن مخاطر التوترات الجيوسياسية واضطراب إمدادات الوقود، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالمصافي في روسيا وإيران ومناطق أخرى، أسهمت في زيادة الضغوط على أسعار الطاقة، وهو ما انعكس بدوره على أعباء الديون في الدول المختلفة.
تباطؤ النمو يزيد الضغوط على الاقتصادات العالمية
واستشهد غرايبة بمؤشرات النمو في عدد من الاقتصادات الكبرى، موضحًا أن النمو في منطقة اليورو لا يتجاوز، وفق تقديره، نحو 1%، بينما يبلغ في فرنسا نصفًا في المئة، في حين تسجل ألمانيا نموًا سلبيًا.
وأضاف أن الاقتصاد الأمريكي يحقق نموًا بنحو 2%، بينما تراجع النمو في الصين من مستويات تراوحت بين 5% و5.5% إلى نحو 4.5% في النصف الأول من عام 2026.
وأكد أن تباطؤ النمو، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الطاقة وتراكم العجوزات، يؤدي إلى زيادة احتياجات الدول التمويلية وارتفاع أعباء الديون، بما يضاعف الضغوط على الموازنات العامة.
تغير المناخ يهدد المحاصيل ويرفع أسعار الغذاء
وأوضح غرايبة أن الصدمة الثانية تتمثل في تغير المناخ، وما يرتبط به من فيضانات وأمطار غزيرة وموجات جفاف تؤثر على الإنتاج الزراعي وتقلل المعروض من الغذاء في الأسواق.
وأشار إلى أن ظاهرة النينيو تسهم في اضطراب الأنماط المناخية، لافتًا إلى احتمالات تأثر إندونيسيا وأستراليا بالجفاف، وما قد يترتب على ذلك من تراجع إنتاج زيت النخيل، إلى جانب تأثر محاصيل الأرز في الهند.
وأضاف أن الأمطار الغزيرة والفيضانات في مناطق من أمريكا الجنوبية قد تؤدي إلى تلف المحاصيل الزراعية، موضحًا أن انخفاض الكميات المعروضة من السلع الغذائية يضغط على الأسعار في الأسواق العالمية.
وأكد أن آثار تغير المناخ تتفاقم عندما تتزامن مع الحروب، التي تؤثر على الإنتاج الزراعي وتوافر الأسمدة، مشيرًا إلى أن الأسمدة عنصر أساسي في دعم المحاصيل، وأن ارتفاع تكلفتها أو نقصها يؤدي إلى تراجع الإنتاج.
ارتفاع تكلفة الاقتراض يوسع عجز الموازنات
قال غرايبة إن ارتفاع تكلفة الاقتراض أصبح تحديًا يواجه العديد من الدول، موضحًا أن تراجع التصنيف الائتماني لأي دولة يدفعها إلى تقديم عوائد وفوائد أعلى على سنداتها لجذب المستثمرين.
واستشهد بالتصنيف الائتماني للولايات المتحدة، مشيرًا إلى تراجعه من التصنيف الأعلى، بحسب وصفه، إلى مستويات أقل، معتبرًا أن ذلك يعكس تأثير التصنيفات الائتمانية في تكلفة التمويل حتى بالنسبة إلى الاقتصادات الكبرى.
وأضاف أن زيادة تكلفة الاقتراض ترفع نفقات خدمة الدين، وتؤدي إلى استحواذ هذه النفقات على حصة أكبر من الإيرادات العامة، إلى جانب ارتفاع الإنفاق العسكري في ظل الحروب والتوترات الدولية.
وأوضح أن الموازنات الحكومية تشمل نفقات البنية التحتية والتعليم والصحة وخدمة الدين والتسليح، محذرًا من أن زيادة الإنفاق على الديون والتسلح قد تأتي على حساب الخدمات الأساسية، وتؤدي إلى اتساع العجز في الموازنات وزيادة مخاطر إعادة التمويل مستقبلًا.
خفض الإنفاق على التعليم يهدد النمو والإنتاجية
وأشار غرايبة إلى أن الضغوط المالية تدفع دولًا إلى تقليص الإنفاق على التعليم والخدمات الاجتماعية والصحة، موضحًا أن تراجع الإنفاق التعليمي يؤثر على التدريب والمهارات والإنتاجية وسوق العمل.
وأضاف أن الاقتصاد يحتاج إلى تحقيق قيمة مضافة من خلال تطوير الزراعة والصناعة والخدمات، والاستثمار في التكنولوجيا والأساليب الحديثة للإنتاج، وهو ما يتطلب موارد بشرية مؤهلة ورأس مال بشريًا قادرًا على مواكبة التطورات.
ولفت إلى أن خفض موازنات التعليم بنحو 8% في المتوسط منذ عام 2019، وفق الأرقام التي تناولها التقرير، قد ينعكس سلبًا على الإنتاجية والنمو الاقتصادي وقدرة الدول على تطوير اقتصاداتها.
الذكاء الاصطناعي يتطلب استثمارات في الطاقة والمهارات
وأكد غرايبة أن العالم يتجه إلى زيادة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، مع ضخ استثمارات رأسمالية كبيرة في الشركات التكنولوجية ومراكز البيانات.
وأشار إلى شركات إنفيديا ومايكروسوفت وجوجل وأبل وتسلا، وغيرها من الشركات التي تقود هذا المجال، موضحًا أن التوسع في مراكز البيانات يتطلب طاقة وأراضي وبنية تحتية للتبريد، إلى جانب كوادر بشرية ماهرة وتدريب متقدم.
وشدد على أن ضعف الاستثمار في التعليم والتدريب والتكنولوجيا ذات القيمة العالية ينعكس بصورة مباشرة على سوق العمل ومعدلات النمو وقدرة الدول على الاستفادة من التحولات التكنولوجية.
اضطراب المناخ والحروب يرفعان فاتورة استيراد الغذاء
وأوضح غرايبة أن ظاهرة النينيو وما يصاحبها من جفاف وارتفاع درجات الحرارة وفيضانات وأمطار غزيرة تؤثر على حجم المعروض من المحاصيل الزراعية، بما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار عندما تتراجع الكميات المتاحة في الأسواق.
وأضاف أن الحروب تؤثر بدورها على المحاصيل الزراعية وتوافر الأسمدة، التي وصفها بأنها عنصر أساسي في الإنتاج الزراعي، مشيرًا إلى أن تراجع إمداداتها وارتفاع أسعار الطاقة يزيدان من تكلفة الإنتاج والنقل.
وأكد أن هذه التطورات ترفع فاتورة الاستيراد، خاصة في الدول العربية التي تعتمد بدرجات متفاوتة على استيراد الحبوب واللحوم، ما يضغط على احتياطيات النقد الأجنبي ويؤثر سلبًا على أوضاعها الاقتصادية.