زادت معاناة سيدة الغناء العربى أم كلثوم مع مرض تضخم الغدة الدرقية فى الأربعينيات، فسافرت للعلاج فى رحلة أوروبية استغرقت شهورا سنة 1949، وشملت فرنسا وسويسرا، وفى بريطانيا نجح الأطباء فى السيطرة على المرض، ورفضت إجراء جراحة لاستئصال الغدة، خوفا من إصابة العصب المغذى للأحبال الصوتية، وتكللت رحلتها بالنجاح، فعادت بمعنويات مرتفعة.
كانت عودتها إلى القاهرة فى بدايات سبتمبر 1949، ويذكر المؤرخ الموسيقى محمود كامل فى كتابه «محمد القصبجى - حياته وأعماله»: «عندما عادت أم كلثوم إلى أرض الوطن من رحلتها عام 1949 على الباخرة «أسبيريا» فكر بعض أعضاء نقابة الموسيقيين - ومن بينهم القصبجى - فى مفاجأة يحيون بها نقيبتهم وهى استقبالها فى عرض البحر بالأغانى والزغاريد، وساعد على تنفيذ الفكرة وجود عديد من الفنانين فى ذلك الوقت بالإسكندرية يعملون فى ملاهيها، ومن بينهم المطرب عبدالعزيز محمود، وسافر القصبجى مع الدكتور محمود أحمد الحفنى، والسيد محمد الحملاوى ومحمد بخيت وسعيد الموجى إلى الإسكندرية، وركب مع زملائه اللانشات البخارية، وراح عبدالعزيز محمود يغنى أنشودة «سالمة يا سلامة» وقام القصبجى وزملاؤه بمهمة «الكورس» فى الرد على المطرب، واستقبلوا أم كلثوم بهذه المظاهرة الفنية الرائعة التى كان لها أجمل الأثر».
وفى القاهرة استمرت أم كلثوم فى تلقى التهانى بمناسبة شفائها، واستقبال زائريها، وكان يتم التجهيز لعمل احتفال يليق بها، دعت إليه نقابة الموسيقيين كل الهيئات يوم 12 أكتوبر، مثل هذا اليوم، 1949، بمعهد فؤاد الأول للموسيقى، وكان تاريخيا حضره حشد كبير، وخطب فيه توفيق دياب، وألقى عباس محمود العقاد قصيدة شعر قال فيها: «أم كلثوم يا بشيرا/ من الله بالرجاء / انت من وحيه ولل/ ه فى الفن أنبياء/ ذلك الصوت صوتك ال/ عذب من عرشه نداء / فيه سر من جنة ال/ خلد لكنه ضياء/ فيه ما يرفع الحجاب/ وما يكشف الغطاء/ فيه أنس لمن يشا/ ء وسلوى لمن يشاء»، كما ألقى عزيز أباظة، والدكتور إبراهيم ناجى، وكامل الشناوى قصائدهم، وأزجال من بديع خيرى وبيرم التونسى والدكتور سعيد عبده، ولحن محمد القصبجى نشيدا لتحيتها نيابة عن أسرة الفن، نظمه الصاوى شعلان، وأدته المجموعة، مطلعه: «أرسلى يا كوكب الشرق الأغانى/ من هدى الإيمان أو نجوى الأمانى/ ترجمى للمجد من سر المعانى/ آية يصغى لها سمع الزمان».
وبثت الإذاعة الحفل، ونشرت مجلة «المصور» تغطية للحفل فى عددها رقم 1306، الصادر يوم 21 أكتوبر 1949، ويتضح من وقائعه أن أم كلثوم فنانة فوق أى تقسيمات سياسية، وعابرة للتصنيفات الحزبية الضيقة، وجامعة ينضوى تحت رايتها الجميع، ويرتقى وجدانهم بغنائها، وتذكر «المصور» على لسان محررها الذى شارك بالحضور: «غربت الشمس يوم الأربعاء الماضى، وأقبل الليل، فنسى الناس همومهم جميعا، وأخذوا يستعدون لاستقبال أم كلثوم، ذهب قوم إلى دار معهد فؤاد الأول للموسيقى ليستقبلوها هناك، ومضت أقوام إلى المنتديات والمقاهى فى المدائن والقرى ليستقبلوها هناك، ولبثت عشرات الألوف من الأسر فى بيوتها تترقب حضور أم كلثوم، وفى هذه الليلة السعيدة سهر الرجال والنساء والصغار، فى كل مدينة عربية يصل إليها صوت الإذاعة المصرية، السيدة التى كانت تنام فى الساعة الثامنة مساء لم تنم إلا فى الساعة الثانية صباحا، والصبى الذى كان أهله يأمرونه بأن ينام فى الساعة السابعة مساء أبى أن يطيع، ورجال السياسة تركوا تعديل الدوائر وتوزيعها، والمختلفون من رجال الأحزاب امتزجوا فى حزب واحد: حزب أم كلثوم».
تضيف «المصور» فى هذه الليلة السعيدة غنى الشعراء والزجالون والأدباء والخطباء والموسيقيون لأم كلثوم، وغنى الساسة ورجال الاقتصاد والمشهورون بالصمت مع أم كلثوم، وكان محمد حسين هيكل باشا بين المحتفلين بتكريمها، وكانت أم كلثوم فى أسعد لياليها، كانت السعادة تسطع فى وجهها وفى كلامها وفى دعابتها، وفى تلك الأنشودة البهيجة التى ترقص الطير، كانت تصافح الحاضرين وهى واقفة، وحينما قال الأستاذ بديع خيرى «مين هو كلثوم ده؟ يا بخته / الل انت اسما تبقى أمه/ واللى انت فعلا ولا أخته/ ولا بنت خاله ولا عمه»، وضعت أم كلثوم يدها على كتف جلال باشا، وقالت: أهو ده كلثوم».
تضيف «المصور»: «نجحت حفلة التكريم، ولم تخل قصيدة من دعابة، ولا زجل من نكتة، ولا خطبة من فكاهة، فكانت أم كلثوم تضحك بمعدل 20 مرة فى الساعة، وكان السامعون يطيبون لصوتها وهى تضحك، وفى نهاية الحفلة وزع الكتاب الذى حوى كل ما قيل فى تكريم أم كلثوم ، وقد ازدان صدره بصورة الميدالية الذهبية التى قدمتها لها الهيئات الموسيقية فى مصر، وازدان ظهره بالآية الكريمة: «إنا فتحنا لك فتحا مبينا، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما، وينصرك الله نصرا عزيزا».