تدخل إسبانيا مرحلة سياسية واقتصادية جديدة بعد إعلان رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إجراء انتخابات عامة مبكرة في 29 نوفمبر المقبل، في خطوة جاءت بعد هزيمة حكومته في تمرير إجراءات عاجلة مرتبطة بأزمة السكن. وبينما تحاول مدريد احتواء الضغوط الاجتماعية الناتجة عن ارتفاع تكاليف المعيشة والإيجارات، تأتي الانتخابات في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للاقتصاد الأوروبي، الذي يواجه في الوقت نفسه ارتفاعًا حادًا في التضخم وتكاليف الطاقة وتباطؤًا في النمو.
ولا تعني الانتخابات الإسبانية وحدها دخول الاقتصاد الأوروبي في أزمة، لكن توقيتها يضيف عنصرًا جديدًا من عدم اليقين إلى أسواق تعاني أصلًا من اضطرابات سياسية ومالية في عدد من الاقتصادات الكبرى، وفي مقدمتها فرنسا. فقد تراجع اليورو إلى أدنى مستوى له في 17 شهرًا أمام الدولار في بداية أكتوبر، وسط مخاوف بشأن الوضع المالي الفرنسي وارتفاع عوائد السندات الأوروبية.
انتخابات مبكرة في قلب أزمة السكن
أعلن سانشيز إجراء الانتخابات في 29 نوفمبر، أي قبل موعدها المقرر بثمانية أشهر، بعد فشل حكومته في تمرير مرسومين طارئين يتعلقان بـ أزمة السكن، وكانت الإجراءات تستهدف الحد من المضاربات العقارية وحماية المستأجرين ومواجهة عمليات الإخلاء، في وقت تحولت فيه أزمة السكن إلى أحد أبرز مصادر الغضب الاجتماعي في البلاد.
وتزامن القرار مع احتجاجات في مدن إسبانية، من بينها برشلونة، ما جعل أزمة السكن محورًا أساسيًا في المشهد السياسي والاقتصادي.
وتكمن أهمية الأزمة بالنسبة للاقتصاد في أن ارتفاع أسعار المنازل والإيجارات يضغط على القدرة الشرائية للأسر، خصوصًا الشباب، كما يزيد من صعوبة انتقال العمال إلى المناطق التي تتوافر فيها فرص العمل.
ورغم ذلك، فإن الصورة الاقتصادية الإسبانية ليست قاتمة. فالمفوضية الأوروبية تتوقع نمو الناتج المحلي الإسباني بنسبة 2.4% خلال 2026، قبل أن يتباطأ إلى 1.9% في 2027، مع استمرار دعم الطلب المحلي والاستثمار وسوق العمل للنشاط الاقتصادي.
وهذه النقطة تجعل الانتخابات الإسبانية أكثر أهمية بالنسبة لأوروبا: فالاقتصاد الإسباني لا يدخل الاستحقاق الانتخابي من موقع الركود، لكنه يواجه خطر زيادة عدم اليقين السياسي في وقت يحتاج فيه المستثمرون والشركات إلى وضوح أكبر بشأن السياسات الاقتصادية المقبلة.
التضخم والطاقة يضغطان على أوروبا
في منطقة اليورو، ارتفع التضخم السنوي إلى 3.8% في سبتمبر، مقابل 3.2% في أغسطس، وفق تقديرات يوروستات الأولية. وكان قطاع الطاقة العامل الأبرز وراء هذه القفزة، إذ ارتفعت أسعار الطاقة على أساس سنوي بنحو 18.8% في سبتمبر، مقارنة بـ14.3% في أغسطس.
ويمثل ارتفاع الطاقة تحديًا مزدوجًا للحكومات الأوروبية، لأنه يرفع تكاليف الإنتاج والنقل، وفي الوقت نفسه يقلص القدرة الشرائية للمستهلكين. كما يجعل مهمة البنك المركزي الأوروبي أكثر تعقيدًا، لأن ارتفاع التضخم يقلل المساحة المتاحة أمامه لتخفيف السياسة النقدية لدعم النمو.
وكان التضخم في منطقة اليورو قد بلغ 3.2% في أغسطس، بعد 2.9% في يوليو، ما يؤكد أن الضغوط السعرية عادت لتصبح عاملًا رئيسيًا في المشهد الاقتصادي الأوروبى.
النمو الأوروبي يتحرك ببطء
ويأتي ذلك في وقت لا يزال فيه النمو الأوروبي محدودًا. فقد ارتفع الناتج المحلي لمنطقة اليورو بنسبة 0.4% فقط في الربع الثاني من 2026 مقارنة بالربع السابق، بينما سجل الاتحاد الأوروبي نموًا قدره 0.5%. وعلى أساس سنوي، بلغ نمو منطقة اليورو 1%، مقابل 1.2% للاتحاد الأوروبي.
وبالتالي، تواجه أوروبا معادلة اقتصادية صعبة: النمو لم يتوقف، لكنه لا يزال ضعيفًا نسبيًا، في حين ارتفعت الأسعار مجددًا بفعل الطاقة. وفي هذه البيئة، يمكن لأي اضطراب سياسي أن يزيد حذر المستثمرين، خصوصًا إذا ارتبط بمخاوف بشأن الإنفاق العام أو استقرار الحكومات أو مستقبل السياسات الاقتصادية.
وتأتي إسبانيا في هذا السياق كاقتصاد أكثر قوة نسبيًا من عدد من الاقتصادات الأوروبية الكبرى، لكن استمرار النمو يعتمد على عوامل عدة، بينها الاستثمار، الاستهلاك، سوق العمل، أموال التعافي الأوروبية، واستقرار البيئة السياسية.
المستثمرون يراقبون مدريد وباريس
ولا يمكن فصل التطورات الإسبانية عن الضغوط الأوسع على الأسواق الأوروبية. فقد تزامن الإعلان عن الانتخابات الإسبانية مع حالة توتر في سوق السندات الفرنسية، حيث أثارت الأوضاع المالية والسياسية في باريس مخاوف متزايدة لدى المستثمرين.
وترى تحليلات اقتصادية حديثة أن تعدد بؤر عدم اليقين السياسي في أوروبا يمكن أن يزيد تقلبات الأسواق، خاصة عندما يأتي ذلك في ظل ارتفاع تكاليف الاقتراض واستمرار التضخم. كما أن المستثمرين يراقبون الانتخابات المقبلة في عدد من الدول الأوروبية باعتبارها عاملًا يمكن أن يؤثر في السياسات المالية والإصلاحات الاقتصادية على مستوى الاتحاد
وتزداد أهمية الاستقرار السياسي بالنسبة لإسبانيا بسبب الحاجة إلى تنفيذ استثمارات كبيرة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتحول الرقمي، إلى جانب التعامل مع أزمة السكن.
اقتصاد إسبانيا بين النمو والضغوط
وتشير توقعات المفوضية الأوروبية إلى أن التضخم في إسبانيا قد يصل إلى 3% خلال 2026، مدفوعًا بارتفاع أسعار الطاقة وانتقال جزء من هذه الزيادة إلى أسعار الغذاء والسلع الصناعية والخدمات. كما تتوقع المفوضية تراجع التضخم إلى 2.5% في 2027 إذا تراجعت الضغوط المرتبطة بالطاقة.
كما تتوقع المفوضية انخفاض نسبة الدين العام إلى الناتج تدريجيًا من نحو 100.7% في 2025 إلى 99.6% في 2026 ثم 98.9% في 2027، بينما يُتوقع استقرار عجز الموازنة عند 2.4% من الناتج في 2026 قبل انخفاضه إلى 2% في 2027.
هذه الأرقام توضح أن الاقتصاد الإسباني لا يواجه السيناريو نفسه الموجود في بعض الدول الأوروبية الأكثر تعرضًا للضغوط المالية، لكن الانتخابات قد تفتح نقاشًا جديدًا حول الإنفاق العام والضرائب والسكن والطاقة والسياسات الاجتماعية.
اختبار جديد لمنطقة اليورو
وبالنسبة لأوروبا، فإن الانتخابات الإسبانية تضيف إلى قائمة طويلة من التحديات التي تواجه الاتحاد في نهاية عام 2026. فبجانب التضخم والطاقة، تواجه القارة تباطؤًا نسبيًا في النمو، وضغوطًا على الموازنات العامة، وتحديات تتعلق بالتنافسية والاستثمار والتحول الصناعي والرقمي.
وفي الوقت نفسه، تتطلب المرحلة المقبلة قرارات أوروبية كبيرة بشأن سوق الطاقة، والإنفاق الدفاعي، والاستثمارات التكنولوجية، وتعزيز القدرة الصناعية في مواجهة المنافسة الأمريكية والصينية.
ولهذا فإن أهمية الانتخابات الإسبانية لا تتعلق فقط بمن سيشكل الحكومة المقبلة، بل أيضًا بقدرة مدريد على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتنفيذ الإصلاحات والاستثمارات في ظل بيئة أوروبية أكثر تقلبًا.
وقد حذرت تحليلات حديثة من أن بطء تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الأوروبية، إلى جانب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في عدد من الدول، يمكن أن يعرقل جهود تعزيز القدرة التنافسية الأوروبية إذا لم تتمكن الحكومات من تحقيق تقدم في ملفات مثل سوق الطاقة ورأس المال والاستثمار.
وهكذا تدخل إسبانيا الانتخابات المبكرة وهي أمام مفارقة واضحة، اقتصاد يظل من بين الأكثر نموًا في أوروبا، لكنه يواجه تضخمًا وضغوطًا على السكن والطاقة، وحكومة تدخل سباقًا انتخابيًا في وقت تتزايد فيه حساسية الأسواق تجاه الاستقرار السياسي.
وبالنسبة للمستثمرين، سيكون السؤال الأساسي خلال الأسابيع المقبلة ليس فقط من سيفوز في الانتخابات، وإنما أيضًا ما إذا كانت الحكومة المقبلة ستتمكن من الحفاظ على مسار النمو، واحتواء أزمة السكن، وضبط المالية العامة، والتعامل مع تكاليف الطاقة، في وقت تحتاج فيه منطقة اليورو بأكملها إلى مزيد من الاستقرار الاقتصادي والسياسي.