يواصل متحف آثار الغردقة جذب أنظار زواره بما يضمه من كنوز أثرية نادرة تمثل مختلف الحضارات التي تعاقبت على أرض مصر، حيث يحتفظ بآلاف القطع الأثرية التي توثق مراحل تاريخية متنوعة، بداية من العصر الفرعوني المتأخر، مرورا بعصور الأسرات المصرية، ثم العصرين الإغريقي والروماني، وصولا إلى العصرين الإسلامي والحديث، حيث تقدم هذه القطع صورة متكاملة عن التطور الحضاري والفني الذي شهدته مصر عبر آلاف السنين، لتتحول قاعات المتحف إلى رحلة تاريخية تسرد تفاصيل الحياة والفنون والعقائد في كل عصر.
تماثيل التراكوتا بمتحف الغردقة
ومن بين المقتنيات التي تستوقف الزائر داخل المتحف، تأتي تماثيل التراكوتا التي تعد واحدة من أبرز نماذج الفن القديم، لما تتميز به من دقة في الصناعة وجمال في التشكيل، فضلا عن قيمتها التاريخية والفنية الكبيرة، حيث خصص المتحف لها مكانا ضمن قاعات العرض التي تضم القطع الإغريقية والرومانية، مع توفير بطاقات تعريفية توضح تاريخها وطريقة صناعتها وأهميتها الحضارية، بما يمنح الزائر فرصة للتعرف على أحد أهم أشكال الفنون التي انتشرت في مصر خلال تلك الفترات.
صناعة إغريقية انتقلت إلى مصر عبر مدينة نقراطيس
البطاقات التعريفية على القطع توضح إن مصطلح “التراكوتا” يطلق على التماثيل المصنوعة من الطين المحروق، وهي من الفنون التي ظهرت في مصر متأثرة بالحضارة الإغريقية، حيث بدأت صناعتها في القرن السادس قبل الميلاد على يد الإغريق الذين استقروا بمدينة نقراطيس، والتي تقع في منطقة أبي قير الحالية بمحافظة الإسكندرية، وكانت تعد آنذاك من أهم المراكز التجارية والثقافية التي شهدت تداخلا بين الحضارتين المصرية والإغريقية.
كما اوضحت بطاقات التعريف للقطع الاثرية أن هذه الصناعة شهدت تطورا ملحوظا مع مرور الوقت، حتى أصبحت من أبرز الفنون التي عرفت بها مصر خلال العصرين الإغريقي والروماني، لما تمتعت به من سهولة في الإنتاج وتنوع في الموضوعات التي تناولتها.
العصر الهلينستي شهد ازدهارها
وان تماثيل التراكوتا بلغت ذروة انتشارها وشهرتها خلال العصر الهلينستي في القرن الرابع قبل الميلاد، عندما أصبحت مدينة الإسكندرية المركز الرئيسي لإنتاجها، إلى جانب مدينة الفيوم التي اشتهرت كذلك بصناعة هذا النوع من التماثيل.
كذلك أن تلك الأعمال الفنية تميزت بالرشاقة والجمال، مع الاهتمام البالغ بتفاصيل الوجه وتسريحات الشعر والملابس، بالإضافة إلى استخدام ألوان زاهية منحتها طابعا جماليا مميزا، كما ساعد صغر حجمها وانخفاض تكلفة إنتاجها مقارنة بالتماثيل الحجرية أو البرونزية على انتشارها بين مختلف فئات المجتمع.
تماثيل تجسد الإنسان والحيوان والمعتقدات الدينية
وتماثيل التراكوتا صنعت من الطينة المحلية، وجسدت العديد من الموضوعات التي تعكس طبيعة الحياة في ذلك العصر، حيث صورت الرجال والنساء والأطفال والحيوانات، إلا أن النسبة الأكبر منها كانت لتماثيل السيدات والفتيات وهن يرتدين عباءات ذات ثنيات وطيات دقيقة، وهو ما يعكس مهارة الفنان في إبراز تفاصيل الملابس والحركة.
وانها لم تكن مجرد أعمال للزينة، بل ارتبط الكثير منها بالمعتقدات الدينية السائدة آنذاك، واستخدمت في الطقوس والشعائر، كما عكست جانبا من الحياة الاجتماعية والثقافية للمجتمع خلال العصرين اليوناني والروماني.
صناعة متقنة تعتمد على القوالب والعمل اليدوي
وأكد أن صناعة التراكوتا كانت تمثل حرفة متكاملة، خاصة في مدينة الفيوم التي اشتهرت بإنتاج هذا النوع من التماثيل خلال العصر اليوناني الروماني، موضحا أن بعضها كان يصنع يدويا بالكامل، بينما اعتمد البعض الآخر على قوالب خاصة لتشكيل الأجزاء الرئيسية، ثم يتم تصنيع الأطراف بشكل منفصل قبل تثبيتها في الجسم الرئيسي، وهي طريقة تعكس الدقة والمهارة التي امتلكها الصناع في ذلك الوقت.
وأن هذا الأسلوب ساعد على إنتاج أعداد كبيرة من التماثيل مع الحفاظ على جودة التفاصيل والزخارف، وهو ما جعلها تنتشر على نطاق واسع داخل المدن المصرية القديمة.
تنوع كبير في الأشكال والاستخدامات
وكشف احد العاملين فى الشئون الأثرية بمتحف الغردقة أن علماء الآثار عثروا على أنواع متعددة من تماثيل التراكوتا، من بينها تماثيل لأشخاص عاديين، وأخرى تعرف بالتماثيل القبيحة التي تبرز تشوهات جسدية أو ملامح مبالغ فيها لأغراض فنية أو رمزية، إلى جانب تماثيل تمثل الحيوانات والطيور، فضلا عن تماثيل لعدد من الأرباب مثل حربوقراطيس وإيزيس وسيرابيس، وكذلك وجوه ملوك وملكات العصر البطلمي.
وأضاف أن فن التراكوتا لم يقتصر على صناعة التماثيل فقط، بل امتد ليشمل نماذج مصغرة للمنازل والمعابد، بالإضافة إلى العديد من الأدوات المستخدمة في الحياة اليومية، مثل المصابيح الفخارية، وهو ما يعكس تنوع استخدامات هذا الفن في مختلف جوانب الحياة.
متحف آثار الغردقة نافذة على الحضارة المصرية
ويعد متحف آثار الغردقة واحدا من أبرز الصروح الثقافية والسياحية في محافظة البحر الأحمر، حيث افتتح في يناير عام 2020 بحضور رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء، ليصبح أول متحف تنشئه وزارة السياحة والآثار بالشراكة مع القطاع الخاص.
ويضم المتحف آلاف القطع الأثرية التي تمثل مختلف العصور التاريخية، إلى جانب سوق سياحي يضم العديد من المنتجات التراثية، ومسرح مخصص لتقديم العروض الفنية والفلكلورية، بما يجعله مقصدا مهما للسائحين والزائرين الراغبين في التعرف على تاريخ مصر وحضارتها العريقة، ويؤكد دوره في دعم الحركة السياحية والثقافية بمحافظة البحر الأحمر.

بدأت صناعتها منذ العصر الإغريقى

تماثيل التراكوتا بمتحف آثار الغردقة

تماثيل الطين المحروق

جانب من قطع التراكوتا بمتحف الغردقة