تعيش المنظومة الأمنية مرحلة جديدة تُعيد تعريف العلاقة بين المواطن وأجهزة إنفاذ القانون، حيث لم يعد الأداء الشرطي مقصوراً على حفظ الأمن وتتبع الجريمة، بل امتد ليشمل ترسيخ مفهوم الأمن بمفهومه الشامل الذي يضع كرامة المواطن وحقوقه الأساسية في صدارة الأولويات.
وتأتي هذه التطورات متسقة مع الرؤية الوطنية لبناء الدولة الحديثة والتطبيق العملي لبنود الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، والتي انعكست بوضوح على سلوكيات العمل اليومي داخل أقسام الشرطة والمواقع الخدمية في كافة محافظات الجمهورية.
عقيدة أمنية جديدة داخل أقسام الشرطة
شهدت أقسام الشرطة والمراكز الأمنية تحولاً نوعياً في أسلوب التعامل مع المواطنين، استناداً إلى عقيدة شرطية تجعل من حسن المعاملة واحترام حقوق الإنسان شرطاً أساسياً لنجاح العمل الأمني. واهتمت وزارة الداخلية بوجود قطاعاً متخصصاً لحقوق الإنسان يتابع بشكل مباشر سلوكيات القوات ومدى التزامها بالضوابط القانونية والإنسانية أثناء التعامل مع المترددين على المواقع الشرطية أو المحتجزين.
ولم تتوقف التحديثات عند حدود التوجيهات الإدارية، بل امتدت لتشمل التطوير الإنشائي والتكنولوجي لأقسام الشرطة، وتم تجهيز مقار حديثة بآليات معاينة ورقابة متطورة، مع توفير أماكن احتجاز تتوافق مع معايير الجودة الدولية وتضمن التهوية المناسبة والرعاية الصحية المستمرة، فضلاً عن تفعيل منظومة تلقي الشكاوى والفحص الفوري لأي تجاوزات فردية، بما يؤكد سيادة القانون وحماية حقوق الجميع دون استثناء.
المنظومة العقابية ورعاية النزلاء
وفي إطار التطوير الشامل، أحدثت وزارة الداخلية ثورة حقيقية في ملف إدارة السجون من خلال التحول نحو مراكز الإصلاح والتأهيل الحديثة التي بدأت بديلة للسجون العمومية القديمة.
وتعتمد هذه المراكز على المفهوم العقابي الحديث الذي يهدف إلى إعادة تأهيل النزيل وتعديل سلوكه ليكون عنصراً نافعاً للمجتمع عقب انقضاء عقوبته.
وتضم مراكز الإصلاح والتأهيل مستشفيات مجهزة بأحدث المعدات الطبية، ومراكز تدريب مهني، ومزارع، ومصانع، إلى جانب المدارس المخصصة لمواصلة النزلاء لتعليمهم.
كما تُتاح للنزلاء فرصة ممارسة الأنشطة الرياضية والثقافية، والتواصل المنتظم مع أسرهم في بيئة آمنة وكريمة، وهو ما أشاد به العديد من الوفود الحقوقية والدبلوماسية والدولية التي زارت هذه المراكز واطلعت على واقعها.
مبادرة كلنا واحد وتخفيف الأعباء
وعلى صعيد الدور المجتمعي، أطلقت وزارة الداخلية سلسلة من المبادرات الإنسانية والمجتمعية التي استطاعت تخفيف الأعباء الاقتصادية عن كاهل المواطنين، وفي مقدمتها مبادرة كلنا واحد التي تُعد أنموذجاً للتكافل الاجتماعي.
وتعمل المبادرة على توفير كافة السلع الغذائية والاستهلاكية بأسعار مخفضة في جميع أنحاء الجمهورية بالتنسيق مع السلاسل التجارية الكبرى والشركات المتخصصة.
ولم تقتصر المبادرة على منافذ البيع الثابتة، بل دفعت الوزارة بسيارات وقوافل متحركة تُجوب القرى والمناطق النائية والأكثر احتياجاً، لتوفير المستلزمات المدرسية والسلع الأساسية بأسعار تنافسية.
وتتضاعف هذه الجهود خلال الأعياد والمناسبات القومية والدينية، مما عزز من شعور المواطن بوجود المؤسسة الأمنية كداعم ومساند له في مختلف جوانب حياته اليومية.
تمكين المرأة وحماية الأطفال
أولى ملف حقوق الإنسان بالوزارة اهتماماً خاصاً بالمرأة والطفل، باعتبارهما الفئات الأوليين بالرعاية، واستحدثت وزارة الداخلية قطاعاً لمكافحة العنف ضد المرأة، والذي يتكون من كوادر نسائية مدربة على أعلى مستوى للتعامل مع الشكاوى والبلاغات الخاصة بالنساء وسرعة اتخاذ الإجراءات القانونية والحماية اللازمة بخصوصية تامة.
كما ينشط الدور الإنساني من خلال تسيير زيارات دورية لدور الرعاية الاجتماعية، والأيتام، ومستشفيات الأطفال، لتوزيع الهدايا والمساعدات وتوفير الدعم النفسي والمعنوي.
وتُسهم هذه الخطوات في غرس مفاهيم الثقة والتعاون بين الأجيال الناشئة وأجهزة الأمن، وتبديد الصور الذهنية القديمة لصالح علاقة إيجابية قائمة على الاحترام والتفاهم.
ثورة رقمية وتسهيلات في المواقع الخدمية
وتجلت مظاهر التيسير الإنساني بوضوح في القطاعات الخدمية بالوزارة، مثل الأحوال المدنية، والمرور، والجوازات والهجرة. وشهدت هذه القطاعات ميكنة كاملة للخدمات وتوفير مجمعات خدمية نموذجية تعمل بأحدث التقنيات لتقديم الخدمات في أسرع وقت وبأقل جهد ممكن.
ولمراعاة كبار السن وذوي الهمم، خصصت الوزارة منافذ خاصة لهم بكافة المواقع الشرطية، إلى جانب تقديم خدمات منزلية فورية لغير القادرين على الحركة لإصدار بطاقات الرقم القومي والمستندات الرسمية.
كما أطلقت الوزارة تطبيقات إلكترونية ومواقع رسمية تتيح استخراج معظم الوثائق عن بُعد، مما قضى على التكدس والازدحام وسهل على المواطنين قضاء احتياجاتهم اليومية بكفاءة عالية.
ترسيخ قيم التواصل الإنساني
إن استراتيجية وزارة الداخلية في التعامل مع ملف حقوق الإنسان لم تعد مجرد شعارات أو إجراءات استثنائية، بل أصبحت منهج عمل يومي وثقافة ملموسة لدى رجال الشرطة بمختلف مستوياتهم.
ويتضح ذلك جلياً من خلال القوافل الطبية التي تجوب المحافظات لتوفير الكشف والعلاج المجاني للمواطنين، والمشاركات الإنسانية المستمرة في الحالات الطارئة.
وتؤكد هذه الجهود المتكاملة أن الأمن الإنساني يمثل ركيزة رئيسية لاستقرار المجتمع، وأن صون حقوق المواطنين وحفظ كرائمهم هو الضمان الأكيد لبناء جسور من الثقة المتينة بين الشارع والمؤسسة الأمنية، بما يضمن استدامة الأمن وتلاحم جبهة الوطن الداخلية.