في أحد شوارع السيدة زينب، وتحديدًا في سوق السمك، يقف رجل تجاوز الخامسة والسبعين من عمره، قضى نحو 60 عامًا من حياته بين ماكينات الخياطة، يفكك أجزاءها ويصلح أعطالها، حتى أصبحت الماكينة بالنسبة له أكثر من مجرد آلة، بل حكاية عمر وصنعة ورثها عن والده وجده، وقرر أن يواصل طريقهما بحب وشغف.
«أنا دكتور مكن».. الماكينة بتقول لي العيب فين
بثقة ممزوجة بخبرة السنين، يتحدث الرجل عن علاقته بماكينات الخياطة، مؤكدًا أنه يستطيع التعرف على العطل بمجرد النظر إلى الماكينة وفحص أجزائها، دون الحاجة إلى الاعتماد على كلام الزبون وحده.
ويقول إن الماكينة بالنسبة له لها لغتها الخاصة، وإن الخبرة الطويلة جعلته قادرًا على تحديد المشكلة من خلال حركة الأجزاء والمحاور وطريقة عمل الموتور، موضحًا أن إصلاح ماكينات الخياطة يحتاج إلى دقة شديدة ومعرفة بتفاصيلها الميكانيكية، حتى تعود إلى العمل بصورة سليمة.
الصنعة حكاية عائلية بدأت مع الأب والجد
لم تبدأ علاقة الرجل بماكينات الخياطة من فراغ، فقد نشأ وسط عائلة ارتبطت بهذه المهنة، وكان والده وجده يعملان في تجارة وإصلاح الماكينات، ليقرر هو الآخر استكمال المسيرة بعد والده.
ويحكي أنه أحب الصنعة منذ صغره، وظل مرتبطًا بها على مدار عقود، حتى أصبحت جزءًا أساسيًا من حياته اليومية. ومع مرور السنوات، اكتسب خبرة واسعة دفعته إلى إنشاء محلين إضافيين بجوار عمله، ليواصل ممارسة المهنة التي يصفها بأنها أقرب الأشياء إلى قلبه.
خواجة يوناني علمه أسرار المهنة
ومن بين المحطات المهمة في رحلته، عمله لدى تاجر ماكينات خياطة يوناني يُدعى، بحسب روايته، «ين فيكريس»، حيث قضى نحو خمس أو ست سنوات تعلم خلالها الكثير من أسرار المهنة، إلى جانب ما اكتسبه من خبرة على يد والده.
ويؤكد أن التجربة ساعدته على فهم تفاصيل الماكينات والتعامل مع أعطالها المختلفة، حتى أصبح قادرًا على تشخيص المشكلة والتعامل معها اعتمادًا على معرفته بأجزائها وطريقة عملها.
ماكينات عمرها 150 و200 سنة.. قطع نادرة يرفض بيعها
داخل محله، لا تقتصر الحكاية على إصلاح الماكينات، بل تمتد إلى الاحتفاظ بقطع قديمة ونادرة تحمل ملامح زمن مختلف. ويشير الرجل إلى امتلاكه ماكينات يقدر عمر بعضها بنحو 150 عامًا أو 200 عام، إلى جانب ماكينة صغيرة من طراز «سنجر» الإنجليزي، يصفها بأنها نادرة للغاية.
ويقول إن تجار الأنـتيكات يأتون إليه لشراء بعض هذه الماكينات، لكنه يرفض بيعها، رغم ما تحظى به من اهتمام، إذ يرى فيها قيمة تتجاوز المال، فهي جزء من تاريخ المهنة وذاكرة سنوات طويلة قضاها بين أجزائها وتفاصيلها.
ويضيف أن المحل يحتفظ بطابع قديم، وأن الماكينات الموجودة داخله تعكس مراحل مختلفة من تطور هذه الصناعة، والمثير بالنسبة له أن بعض هذه الماكينات القديمة لا يزال قادرًا على العمل.
«أنا ماليش غير الصنعة دي».. التمسك بالمهنة رغم تغير الزمن
ورغم العروض التي يتلقاها لتغيير شكل المحل أو تطويره، يفضل الرجل الاحتفاظ بطابعه القديم، مؤكدًا أنه اعتاد العمل بهذه الطريقة، وأن رزقه وراحته يرتبطان بالمهنة التي عاش من أجلها سنوات عمره.
ويشير إلى أن سمعته في سوق السمك بالسيدة زينب لم تأتِ من فراغ، بل امتدت من والده وإخوته إلى اسمه هو أيضًا، لافتًا إلى أن أفرادًا من عائلته ما زالوا يعملون في تجارة الماكينات ويمتلكون محال في الشارع نفسه.
خبرة السنين سر ثقة الزبائن
لم تقتصر علاقته بالمهنة على الزبائن الأفراد، إذ يقول إن شركات ومصانع وورشًا تتعامل معه، اعتمادًا على خبرته في إصلاح الماكينات ومعرفته الدقيقة بتفاصيلها.
وبالنسبة له، فإن الأمانة في العمل هي الأساس، فإصلاح الماكينة لا يتعلق بمجرد تشغيلها، بل بضبط أجزائها والتأكد من أدائها بصورة صحيحة، وهو ما يرى أنه ساهم في بناء ثقة الناس به على مدار سنوات طويلة.
وفي نهاية حديثه، يرفع الرجل دعاءه بالصحة للجميع، مستندًا إلى إيمانه بالله ورضاه بما قسمه له من رزق، لتبقى حكايته شهادة على قيمة الحرفة اليدوية، وكيف يمكن للشغف والخبرة والأمانة أن تحول مهنة بسيطة في نظر البعض إلى رسالة عمر لا تنتهي بمرور الزمن.