وصل قائد الأسطول الإنجليزى الأميرال «كودر نجتون» إلى مياه الإسكندرية، وأنذر بتخريب المدينة إذا لم يبادر محمد على باشا إلى استدعاء ابنه إبراهيم من «المورة» باليونان، وسعى قنصل إنجلترا فى مصر «مستر باركر» إلى إقناع محمد على بالكف عن القتال، فاستمع لهذه النصائح والتهديدات، حسبما يذكر عبدالرحمن الرافعى فى كتابه «عصر محمد على».
كان إبراهيم يقود الجيش المصرى فى حربه لإخماد الثورة اليونانية التى نشبت فى بدايات عام 1821 ضد الحكم العثمانى لليونان، ولما فشل السلطان العثمانى فى إخمادها أستجاب محمد على باشا لاستغاثة السلطان بإنجاده، وبدأت الحملات المصرية لمواجهة الثوار بحملة كريت فى مايو 1822، ثم حملة بقيادة إبراهيم باشا إلى شبه جزيرة المورة فى يناير 1824، وتوالت المواجهات حتى كانت الكارثة الكبرى فى «نفارين» التى تمكنت فيها انجلترا وحلفاؤها من تدمير الأسطولين المصرى والعثمانى المتحالفين يوم 20 أكتوبر 1827، وفقا للدكتور عبد الرحمن زكى فى كتابه «التاريخ الحربى لعصر محمد على الكبير».
يصف عبدالرحمن زكى يوم نفارين، قائلا: «استرسل القتال إلى الخامسة، وتجاوبت المدافع، وعلا الدخان، وتناثرت الصوارى وأشلاء القتلى، واندلعت الحرائق، وتحول المكان إلى أتون رهيب»، ويضيف: «دائرة المعارف البريطانية تعد نفارين من المعارك البحرية الفاصلة فى التاريخ، لأن إنجلترا كانت على رأس المؤامرة التى دبرتها للتخلص نهائيا من قوة محمد على البحرية الناشئة، والتى كانت ستنافسها فى سيادة البحرين المتوسط والأحمر».
يذكر «زكى»، أن أنباء الكارثة وضياع الأسطول الناشئ وصلت إلى مسامع محمد على، ثم جاءه فى 25 نوفمبر 1827 رسول من إبراهيم يؤيد النبأ الحزين، وجاء «كودرنجتون» الإنجليزى إلى الاسكندرية، وأنذر الباشا بتخريب الميناء إذا لم يخل إبراهيم «المورة».
يؤكد الرافعى، أن محمد على استمع للنصائح والتهديدات، فعقد اتفاقا مع الحلفاء على إخلاء الجيش المصرى لبلاد المورة على شروط وهي: أولا، يتعهد محمد على بإعادة الأسرى اليونانيين وتحرير من بيع منهم فى مصر، وثانيا، يتعهد الأميرال الانجليزى بإرجاع الأسرى المصريين وإعادة السفن المصرية التى أسرت أثناء القتال، وثالثا: أن تخلى الجنود المصرية المورة، وينقلهم محمد على باشا على سفنه، رابعا، ألا يكره اليونانيون المقيمون بمصر على الرحيل عنها ولا يجبرون على البقاء فيها، وكذلك يسمح لمن يشاء من اليونانيين أن يصحبوا الجيش المصرى فى عودته لمصر، خامسا، يجوز لإبراهيم باشا أن يترك فى «مورة» عددا من العساكر لا يزيد على الألف ومائتين، للمحافظة على حاميات «مودرن» و«كورون» و«نافارين» و«باتراس» و«كستل نوريزه»، ويوضح الرافعى نقلا عن «مستر باركر» قنصل انجلترا فى مصر وقتئذ، أن عدد الأسرى اليونانيين الذين تم شحنهم إلى مصر خلال الحرب بلغ خمسة آلاف وخمسمائة، وزعوا على بيوت الكبراء فى الاسكندرية والقاهرة، ولما أبرم هذا الاتفاق لم يقبل منهم العتق سوى أربعمائة، وأما الباقون ففضلوا البقاء فى مصر.
يضيف «الرافعى» أن هذه الشروط أبلغ بها إبراهيم وهو فى اليونان، فقابلها بالسخط الشديد لما رأى أن جهود جيشه ضاعت فضلا عن الخسائر التى تكبدها، وخاصة ضياع السفن المصرية، ولكنه اضطر إلى الإذعان، فأصدر أوامره بإخلاء المدن اليونانية والسير إلى الثغور ثم أقلعت بهم السفن إلى مصر.
يذكر «عبدالرحمن زكى»، أنه فى أوائل أكتوبر انتهى الجلاء عن اليونان، ووصل إبراهيم بجيشه إلى الاسكندرية فى العاشر من أكتوبر، مثل هذا اليوم، 1828، ويصف «زكى» مشهد لقاء إبراهيم بوالده محمد على، قائلا: «ما إن وقع نظر الابن على والده وهو فى وسط عظماء رجال الدولة الذين اجتمعوا لديه لاستقباله حتى اندفع نحوه وقبل أطراف المقعد الذى كان جالسا عليه، وكان سرور محمد على فى هذا اليوم لا حد له».
يقدم الرافعى تقييما لدخول محمد على هذه الحرب، قائلا، رجع الجيش المصرى من اليونان إلى الاسكندرية بعد أن أنهكته الحروب والأمراض، وتكبدت مصر فى هذه الحرب متاعب وضحايا هائلة، ونفقات جسيمة، والجيش الذى جردته فى حرب اليونان بلغ 42 ألفا، خسرت منه ثلاثين ألفا، وبلغت نفقات الحملة 775 ألف جنيه، وفقدت مصر أسطولها الحربى فى واقعة نافارين، فكانت خسائرها فى الحملة فادحة وتضحياتها بالغة.
يضيف الرافعى، إن مصر لم تنل من الحرب اليونانية من الوجهة المادية شيئا سوى ضم جزيرة «كريت» إليها، فقد عهد السلطان محمود إلى محمد على ولاية تلك الجزيرة مكافأة له على خدماته فى حرب المورة، لكن الرافعى يرى أن مصر حصدت بعض المكاسب من هذه الحرب، ومنها، أنها أكسبتها منزلة معنوية كبيرة لأنها أول حرب أوروبية خاضها الجيش المصرى، وبرهن على كفاءته، واثبت أنه يضارع الجيوش الأوربية فى ميادين القتال، كما أنها كانت خير إعلان عن قوة الجيش المصرى وحسن نظامه وكفاءة قواده وشجاعة جنوده.