حين تعجز الشائعة عن صناعة حقيقة، تلجأ إلى استعارة صورة حقيقية من زمن آخر أو مكان مختلف، ثم تعيد تقديمها للجمهور في ثوب جديد يخدم رواية مضللة. هذه واحدة من الحيل التي تستند إليها منصات جماعة الإخوان الإرهابية في محاولات الإساءة إلى الدولة المصرية حيث يجري اقتطاع مشاهد من أرشيف الأحداث، وإخفاء تاريخها أو تغيير دلالتها، ثم دفعها إلى التداول باعتبارها دليلا على أوضاع لا تعكس حقيقتها.
وتكشف هذه الممارسات أن التضليل لا يحتاج دائما إلى اختلاق صورة من العدم فقد تكون اللقطة حقيقية، لكن الكذبة تبدأ من التعليق الذي يرافقها، أو المكان الذي تنسب إليه، أو التوقيت الذي يجري الترويج لها باعتباره زمن وقوع الحدث. وبين صورة صحيحة ورواية كاذبة، تتحرك ماكينة الشائعات مستفيدة من سرعة الانتشار، ومن أن كثيرا من المتلقين يشاهدون المقطع قبل أن يعرفوا مصدره أو يعودوا إلى سياقه الأصلي.
سرقة السياق.. حين تتحول الصورة إلى أداة تضليل
تعتمد جماعة الإخوان الإرهابية على هذه الحيلة لإثارة البلبلة فمقطع مصور من احتجاجات قديمة يمكن تقديمه باعتباره تحركا جديدا، وصورة من دولة أخرى يمكن إرفاقها بتعليق يوحي بأن الواقعة حدثت داخل مصر، بينما تتحول مشاهد من أحداث سابقة إلى مادة لإنتاج روايات تستهدف التشكيك في الأوضاع الداخلية.
فيديو السويس.. نموذج لإعادة تدوير المشاهد القديمة
ومن النماذج التي توضح خطورة هذه الممارسات مقطع مصور جرى تداوله في نوفمبر 2022 باعتباره مشاهد لاشتباكات واحتجاجات حديثة في محافظة السويس وقد روجت القنوات التابعة للجماعة الإرهابية لهذا الفيديو على منصات التواصل الاجتماعي باعتباره مشهدا حديثا داخل مصر.
إلا أن التحقق من الفيديو أثبت أنه قديم، ولم يتم تصويره في مصر من الأساس، بل يعود لأحداث وقعت في دولة أخرى. وأظهرت أدوات تقصي الحقائق أن الجماعة الإرهابية تعمدت إعادة نشره في توقيت معين بهدف إثارة القلق والبلبلة، وهو ما كشفه المواطنون سريعا عبر منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدين عدم صحة الادعاءات.
ماكينة لا تراهن على الحقيقة بل على سرعة الانتشار
تستفيد الشائعات من الفارق بين سرعة نشر المحتوى وسرعة التحقق منه فالمنشور المثير قد ينتشر خلال دقائق، بينما يحتاج كشف مصدره وسياقه إلى مراجعة النسخ الأصلية والتواريخ والتفاصيل. وخلال هذه الفجوة، تتسع مساحة التأويل، وتتكرر الرواية المضللة، وقد تظل عالقة في أذهان بعض المتلقين حتى بعد ظهور التصحيح، وهو ما يريده إعلام الجماعة الإرهابية ولجانهم الإلكترونية فحتى إذا تم إعلان الحقيقة فيظل هناك أثر في عقل من صدق الشائعة ومن هنا يستطيعون استعادة ذات الشائعة من جديد ولو بعد سنوات على إنها حقيقة يستشهدون بها في تكوين كذبة جديدة متجاهلين الحقيقة.
إن أرشيف الصور والفيديوهات لا يمنح أحدا حق إعادة كتابة الوقائع أو تغيير أماكنها وأزمنتها لكن صانعي الشائعات يستغلون هذا الأرشيف لإحياء مشاهد قديمة، أو اقتطاع لقطات من دول أخرى، ثم توظيفها في روايات تستهدف تشويه صورة مصر وإرباك الرأي العام.