أكد الدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة والسكان أن وضع استراتيجية وطنية واضحة للصحة بدأ أولًا بتحديد الوضع الحالي للمنظومة الصحية بدقة، ومعرفة نقاط القوة والضعف وتحديد المجالات التي تحتاج إلى تحسين، بما يسمح بوجود مؤشرات واضحة يمكن من خلالها تقييم الأداء ومحاسبة المسؤولين عن تنفيذ الخطط.
إعداد الاستراتيجية استغرق نحو 15 شهرًا
وأوضح أن إعداد الاستراتيجية استغرق نحو 15 شهرًا من تحليل الوضع الراهن، مشيرًا إلى أن أحد التحديات التقليدية التي تواجه مصر يتمثل في ضعف البيانات والمعلومات، وهو ما دفع إلى التركيز على عدة محاور أساسية تشمل التمويل والموازنات، والبنية التحتية الصحية، والبيانات والمعلومات، والقوى البشرية، باعتبارها عناصر مترابطة لا يمكن تحقيق تحسن حقيقي في مستوى الخدمات الصحية دون تطويرها بصورة متوازية.
وأشار إلى أن إعداد الاستراتيجية لم يقتصر على العمل داخل وزارة الصحة، وإنما تضمن تنظيم ورش تشاورية وحوارًا مجتمعيًا، وإطلاق استبيان إلكتروني أتيح لفترة طويلة للاستماع إلى آراء المتخصصين وغير المتخصصين، إلى جانب عقد مؤتمرات ولقاءات متخصصة، وصولًا إلى إعداد خطة واضحة للوزارة ووضع هيكل تنظيمي لمتابعة تنفيذها.
وأضاف أن الوزارة وضعت آلية لمتابعة الأداء على مستوى محافظات الجمهورية، بحيث يتم تقييم ما تم إنجازه بصورة دورية، مؤكدًا أن الهدف هو أن تقوم الوزارة بمراجعة أدائها ومحاسبة نفسها سنويًا قبل أن تتم محاسبتها من أي جهة أخرى، مع تحديد ما تم تحقيقه وما يحتاج إلى استكمال.
وأكد أن إعداد الاستراتيجية شهد الاستعانة بنحو 55 جهة ومؤسسة، من بينها دول متقدمة ومؤسسات دولية، للتأكد من أن الاستراتيجية تمثل رؤية وطنية مصرية، وفي الوقت نفسه تتوافق مع الاتجاهات العالمية الحديثة في مجال الصحة.
التحول من علاج المرض إلى الوقاية والكشف المبكر
وأوضح أن التوجه العالمي في النظم الصحية لم يعد قائمًا فقط على انتظار المريض حتى تظهر عليه الأعراض ثم استقباله داخل المستشفى، وإنما أصبح التركيز بصورة أكبر على الوقاية والكشف المبكر، من خلال المسوحات والفحوصات التي تساعد على اكتشاف الأمراض قبل تطورها.
وأشار إلى أن هذا التحول يمثل فارقًا جوهريًا بين منظومة صحية تعتمد على «رد الفعل» بعد حدوث المرض، ومنظومة استباقية تعتمد على الطب الوقائي والكشف المبكر، موضحًا أن الهدف هو اكتشاف الحالات التي تعاني من أمراض مثل السكر وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والأورام دون أن تكون على علم بإصابتها، والتدخل في الوقت المناسب.
المبادرات الصحية تتحول إلى جزء مستدام من منظومة الدولة
ولفت إلى أن المبادرات الرئاسية للصحة العامة تمثل أحد الأدوات الرئيسية لتحقيق هذا التحول، مشددًا على أن وصفها بـ«المبادرات» لا يعني أنها إجراءات مؤقتة تنتهي بانتهاء فترة تنفيذها، وإنما أصبحت جزءًا مستدامًا من منظومة العمل الصحي.
وأوضح أن هذه المبادرات أصبحت لها موازنات سنوية ضمن موازنة الدولة، وتشارك في تمويلها الجهات الحكومية المعنية، كما تم تخصيص إدارة للمبادرات الرئاسية ومساعد لوزير الصحة لشؤون المبادرات، لتصبح المبادرات جزءًا من الهيكل التنظيمي لوزارة الصحة، بما يضمن استمرارها وعدم ارتباطها برد فعل مؤقت تجاه مشكلة صحية بعينها.
وأشار إلى أن منظومة المبادرات الصحية نجحت في إجراء مسوحات لنحو 60 مليون مواطن، وأسهمت في اكتشاف نحو 4 ملايين إصابة بفيروس التهاب الكبد الوبائي «سي»، وتوفير العلاج للحالات المكتشفة، بما ساهم في تحقيق تقدم كبير في مواجهة المرض.
وأضاف أن المبادرات امتدت إلى ملفات صحية أخرى، من بينها الكشف عن الأنيميا والسمنة والتقزم، إلى جانب مبادرات الكشف المبكر عن الأورام، ومن بينها سرطان الثدي، موضحًا أن التحول في هذا الملف يتمثل في اكتشاف الحالات في مراحل مبكرة بدلًا من الوصول إلى مراحل متقدمة يكون فيها العلاج أكثر تعقيدًا.
وشدد على أن الأمثلة المتعددة التي حققتها المبادرات الصحية تؤكد التحول التدريجي في فلسفة العمل الصحي، من التركيز على التعامل مع المرض بعد حدوثه، إلى الاستثمار في الوقاية والكشف المبكر وتحسين صحة المواطنين قبل وصولهم إلى مراحل متقدمة من المرض.