لم يعد الحديث عن الدولار في مصر مقتصرًا على السياحة التقليدية أو الصادرات الصناعية، فهناك كنز جديد يتشكل بهدوء على مساحات خضراء واسعة، اسمه الجولف، لعبة تبدو للوهلة الأولى نخبوية، لكنها في الحقيقة واحدة من أكثر الصناعات الرياضية ربحًا في العالم، وقادرة على ضخ ملايين الدولارات سنويًا في الاقتصاد المصري.
من السياحة الفاخرة إلى البث التليفزيوني، ومن الاستثمار العقاري إلى الرعايات العالمية، تفتح الجولف لمصر أبوابًا واسعة لتدفقات نقدية مستدامة، في وقت تبحث فيه الدولة عن مصادر ذكية للدولار لا تعتمد على الحلول التقليدية، بل على صناعة تجربة عالمية متكاملة قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
هذا الكنز الجديد لا يأتي من فراغ، فالجولف عالميًا صناعة تتجاوز كونها رياضة، حيث ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالسياحة مرتفعة الإنفاق، وتستهدف فئة من الزائرين تعد الأعلى إنفاقًا والأطول إقامة.
وفي مصر، بدأت معادلة الجولف تتحول من نشاط محدود إلى أداة اقتصادية فعالة، خاصة مع إدراك المطورين العقاريين لقيمتها المضافة، فوجود ملعب جولف داخل أي مشروع يمنحها ميزة تسويقية حاسمة ترفع قيمة الأرض والوحدات، حيث تباع الوحدات المطلة على الملاعب بأسعار تفوق نظيراتها داخل المشروع نفسه، بينما تتجاوز عضويات أندية الجولف نظيرتها في الأندية الرياضية التقليدية، ما يخلق دورة مالية مستمرة تعزز ربحية المشروعات واستدامتها.
وتستند مصر في هذا التوجه إلى رصيد تاريخي نادر، إذ تمتلك البلاد أقدم ملعبين للجولف في أفريقيا والشرق الأوسط، يعود إنشاؤهما لأكثر من مئة عام، ما يمنح اللعبة بعدًا تراثيًا وسياحيًا في آن واحد، واليوم، تنتشر نحو 25 ملعب جولف عالمي داخل أفخم التجمعات العمرانية في القاهرة الكبرى والساحل الشمالي والبحر الأحمر، وهو ما يؤهل مصر بقوة لاستضافة البطولات الدولية الكبرى، ويضعها على خريطة الجولف العالمية كمقصد تنافسي قادر على الجمع بين جودة الملاعب وسحر المقاصد السياحية.
هذا الزخم ترجم إلى خطوات عملية يقودها الاتحاد المصري للجولف برئاسة عمر هشام طلعت مصطفى، الذي أطلق سلسلة بطولات جولف مصر خلال العام الحالي، بإجمالي 13 بطولة يشارك فيها مئات اللاعبين من مختلف الجنسيات، وتمثل هذه البطولات منصة اقتصادية متكاملة، إذ تسهم سلسلة البطولات في تحقيق نحو 10 آلاف ليلة فندقية، ومع تنظيم 13 بطولة خلال أربعة أشهر فقط، تتضاعف هذه الأرقام بشكل لافت، لتنعكس مباشرة على إشغالات الفنادق وحركة الطيران والنقل والأنشطة السياحية المصاحبة.
ومن منظور اقتصادي، تعكس الأرقام حجم التأثير الحقيقي لهذه البطولات، حيث يقدر عدد الليالي الفندقية بنحو 11 ألف ليلة تقريبًا، بعائدات فندقية تصل إلى 1.7 مليون دولار، فضلًا عن إنفاق يومي للمشاركين يقدر بنحو 2.2 مليون دولار.
وفي الوقت نفسه، ضخ الاتحاد المصري للجولف استثمارات تقترب من 20 مليون جنيه في تنظيم البطولات، إلى جانب جوائز مالية مباشرة للاعبين بقيمة 750 ألف دولار، وتكاليف رحلات طيران تقدر بنحو نصف مليون دولار، ليصل إجمالي العوائد الاقتصادية المباشرة إلى أكثر من 5.5 مليون دولار، بخلاف التدفقات غير المباشرة التي تعزز استدامة الأندية والبنية التحتية الرياضية.
ولا يقل البعد الإعلامي أهمية عن العوائد المباشرة، إذ تحقق البطولات مشاهدات تتجاوز 15 مليون مشاهد عبر منصات البث المباشر محليًا ودوليًا، ما يمنح مصر دعاية مجانية عالية القيمة في أسواق السياحة العالمية، ويعزز هذا التأثير الحضور الرقمي لأكثر من 1500 لاعب على منصات التواصل الاجتماعي، ليصبح كل لاعب سفيرًا غير مباشر للترويج للجولف والسياحة المصرية أمام جماهيره حول العالم.
وتؤكد التجربة المصرية منذ عام 2019 أن استضافة البطولات الرياضية باتت أداة فعالة لدعم الاقتصاد، بعدما أسهمت في تحقيق نحو مليوني ليلة سياحية، بعوائد مباشرة من الرعايات والإعلانات والشراكات، وأخرى غير مباشرة من الإقامة والتنقل والخدمات والترويج الدولي.
وفي هذا السياق، يتوقع وزير الشباب والرياضة أن ينجح الاتحاد المصري للجولف في استكمال خطته لتأسيس شركة متخصصة تتولى تنمية اللعبة وإدارة البطولات الاحترافية، مع التوسع في نشر الجولف داخل مراكز الشباب بنماذج مصغرة للملاعب عبر برامج المسؤولية المجتمعية، إلى جانب إطلاق قناة تليفزيونية متخصصة للجولف المصري، في ظل تنامي الطلب على رعاية هذه الرياضة عالميًا.