برحيل المفكر والفيلسوف المصرى الكبير مراد وهبة تفقد الساحة الثقافية المصرية والعربية واحدًا من أبرز العقول التى نذرت حياتها للدفاع عن العقل، وإعلاء قيمة التفكير الحر، وترسيخ تقاليد التنوير فى مجتمع ظل طويلًا ساحةً لصراعات الأفكار والهويات، لم يكن مراد وهبة مجرد أستاذ فلسفة أو كاتب أكاديمي، بل كان مشروعًا فكريًا متكاملًا، انشغل فيه بسؤال الإنسان، وسؤال العقل، وسؤال المستقبل، فى مواجهة كل أشكال الانغلاق والتعصب.
مفكر فى قلب المعركة الفكرية
ارتبط اسم مراد وهبة، على امتداد عقود، بالتيار العقلانى التنويرى فى مصر، ذلك التيار الذى يرى أن التقدم الإنسانى لا يتحقق إلا عبر تحرير العقل من الوصاية، وفصل المقدس عن البشري، وإتاحة المجال للنقد والسؤال، وقد خاض الراحل هذه المعركة الفكرية بشجاعة ووضوح، دون مواربة أو مساومة، مدركًا أن الفلسفة ليست ترفًا ذهنيًا، بل ضرورة اجتماعية وأخلاقية.
منذ بداياته، آمن مراد وهبة بأن أزمة المجتمعات العربية ليست أزمة موارد أو إمكانات، بقدر ما هى أزمة وعي، وأن الخلل الحقيقى يكمن فى أنماط التفكير التى تعيد إنتاج التخلف، وتقدس الماضي، وتغلق أبواب الاجتهاد، ومن هنا، جاءت كتاباته ومداخلاته مشغولة بتفكيك ما أسماه "العقل المُغلق"، والدعوة إلى عقل نقدى قادر على مساءلة المسلمات.
الفلسفة خارج أسوار الجامعة
واحدة من أهم سمات تجربة مراد وهبة الفكرية أنه رفض حصر الفلسفة داخل القاعات الجامعية أو الكتب المتخصصة، كان مؤمنًا بأن الفلسفة يجب أن تخاطب المجتمع، وأن تشتبك مع قضاياه اليومية، من الدين والسياسة، إلى الهوية والمواطنة، ومن التعليم إلى الثقافة العامة، لذلك، حرص على الكتابة فى الصحف، والمشاركة فى الندوات العامة، والظهور الإعلامي، بوصفه مثقفًا يعى مسؤوليته تجاه المجال العام.
لم يكن هدفه تبسيط الفلسفة بمعناها السطحي، بل جعلها أداة للفهم والتفكير، ووسيلة لتحرير الإنسان من الخوف الفكري، ومن سطوة "الحقيقة المطلقة" التى رأى فيها أصلًا من أصول العنف الرمزى والمادي.
العقلانية والعلمانية
شكلت قضية العقلانية أحد المحاور المركزية فى فكر مراد وهبة، كان يرى أن العقل ليس نقيضًا للإيمان، بل شرطًا لفهمه فهمًا إنسانيًا، وأن الصراع الحقيقى ليس بين الدين والعقل، بل بين التأويل المنفتح والتأويل المغلق، ومن هذا المنطلق، دافع عن فكرة العلمانية بوصفها تنظيمًا للعلاقة بين الدين والدولة، يضمن حرية الاعتقاد، ويحمى المجال السياسى من التوظيف الديني.
وقد أثارت هذه المواقف كثيرًا من الجدل، وعرضته لنقد حاد من التيارات المحافظة، لكنه ظل متمسكًا برؤيته، معتبرًا أن التقدم لا يتحقق إلا فى ظل دولة مدنية، تحترم التعدد، وتفصل بين ما هو روحى وما هو سياسي.
الهوية وسؤال التعدد
فى تناوله لمسألة الهوية، رفض مراد وهبة التصورات الجوهرية المغلقة، التى تختزل الهوية فى بعد واحد، دينى أو قومي، كان يرى الهوية بوصفها بناءً تاريخيًا وثقافيًا مركبًا، يتشكل عبر التفاعل مع الآخر، لا عبر الانغلاق عليه. ومن هنا، جاءت دعوته الدائمة إلى قبول التعدد، واحترام الاختلاف، باعتبارهما مصدر ثراء لا تهديد.
وانشغل فى هذا السياق بمسألة العلاقة بين الشرق والغرب، رافضًا خطاب الصدام، ومؤكدًا على إمكان الحوار، شريطة أن يقوم على الندية، لا على التبعية أو الرفض المطلق.
مؤلفاته ومشروعه الفكري
ترك مراد وهبة عددًا من الكتب والدراسات التى تمثل محطات أساسية فى مشروعه الفكري، تناول فيها قضايا مثل العقل، والعلمانية، والدين والسياسة، وإشكاليات التقدم، ونقد الفكر المتطرف، ورغم تنوع موضوعاته، فإن خيطًا ناظمًا يجمع بينها، هو الإيمان بدور الفلسفة فى تحرير الإنسان، ورفض تحويل الفكر إلى أداة إقصاء أو تكفير.
وقد تميزت كتاباته بالجمع بين العمق الفلسفى والوضوح اللغوي، ساعيًا إلى مخاطبة القارئ غير المتخصص، دون التفريط فى الدقة المفهومية، وهو ما جعل أعماله محل اهتمام فى الأوساط الأكاديمية والثقافية على السواء.
الجنازة ودلالتها
وشهدت جنازة الراحل، التى أقيمت فى كنيسة مارمرقس بميدان صلاح الدين فى مصر الجديدة، حضورًا واسعًا من المثقفين والمفكرين والشخصيات العامة، فى مشهد عكس المكانة التى احتلها مراد وهبة فى الوجدان الثقافي ,كان من بين الحضور الفنان محمود حميدة، والكاتب والمفكر حلمى النمنم، إلى جانب أساتذة جامعات وباحثين وتلاميذ الراحل، الذين جاءوا لتوديع أستاذهم ورفيق دربهم الفكري.
لم تكن الجنازة مجرد مراسم وداع، بل لحظة اعتراف جماعى بقيمة مشروع فكرى ظل حاضرًا فى قلب المعارك الثقافية الكبرى، ومدافعًا عن العقل فى أزمنة ارتفعت فيها أصوات التعصب.
برحيل مراد وهبة، تُطوى صفحة من صفحات الفكر التنويرى المصري، لكنها لا تغلق، فالأفكار التى دافع عنها، والأسئلة التى طرحها، ستظل حاضرة فى النقاشات الراهنة حول الدين والدولة، والهوية والحداثة، وحرية التفكير. لقد آمن بأن الفلسفة ليست إجابة نهائية، بل سؤال دائم، وأن المجتمعات التى تتوقف عن السؤال، تحكم على نفسها بالجمود.
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)

.jpg)
.jpg)
.jpg)