الولد مهما كبر لازم يرجع لأمه، ومهما بعد لازم يرجع لبلده".
بهذه الكلمات لخّص البرنس نجيب حسن رحلته الطويلة مع الحنين، قبل أن يحسم قراره بالعودة إلى مصر نهائيًا، ليقيم في قصر فخم شُيّد على الطراز المملوكي، في قلب جزيرة الذهب، وسط نهر النيل بمحافظة الجيزة.
البرنس نجيب حسن عبد الله ليس رجلًا عاديًا؛ فهو حفيد علي بك الكبير، وأحد أحفاد المماليك، تلك السلالة التي حكمت مصر قرونًا طويلة، واحتفظت بنفوذها حتى بعد دخول العثمانيين، إلى أن جاءت مذبحة القلعة الشهيرة في عهد محمد علي باشا، منهية وجودهم العسكري والسياسي، دون أن تمحو أثرهم من التاريخ.

نشأ البرنس نجيب متنقلًا بين فرنسا وسويسرا، وعاش سنوات طويلة خارج مصر، حيث يقيم أبناؤه وأحفاده حتى اليوم، لكنه لم يستطع مقاومة الحنين إلى جذوره. عاد إلى الوطن، وأقام في حي الزمالك لسنوات، قبل أن يقرر، في منتصف تسعينيات القرن الماضي، شراء مساحة من جزيرة الذهب ليحقق حلمه بإحياء تاريخ عائلته.
ورغم أن القصر بُني في نهاية القرن العشرين، فإنه يبدو وكأنه قطعة معمارية خرجت من القرن السادس عشر، ولا يمكن الوصول إليه إلا عبر معدية نهرية، ما يضفي عليه عزلة تليق بتاريخ صاحبه.
في هذه الجزيرة، وسط نهر النيل، يعيش البرنس داخل قصره، لا كناسك منعزل، بل كوريث لذاكرة عائلة حكمت «المحروسة» يومًا ما؛ عائلة انتهى حكمها رسميًا، لكنها لم تغب عن مصر، ولا عن تاريخها.
بدأنا حوارنا في ضيافته، حيث فتح لنا قلبه وقصره، متحدثًا بهدوء عن محطات من حياته، تنقلت بين التاريخ المملوكي، وذكريات الطفولة، والهجرة، والشباب، والحب، والزواج، والعودة إلى الوطن، وصولًا إلى حلم القصر على ضفاف النيل.
وعندما تركنا له حرية اختيار نقطة البداية، ابتسم قائلًا:
لنبدأ من أصل العائلة… ومن لقب البرنس.
قال البرنس نجيب حسن إن جده الأكبر، الذي جاء إلى مصر، هو حسن باشا، من نسل علي بك الكبير، وكان يشغل منصب الصدر الأعظم للدولة العثمانية، وهو منصب يُعد أعلى سلطة بعد السلطان مباشرة.
وأوضح أن السلطان أرسله إلى مصر، إذ كان الذهاب إلى مصر يُعد آنذاك بمثابة مكافأة، لما تتمتع به من مكانة خاصة، حيث «مصر حلوة، والناس فيها طيبون، وغنية، ويستريح من يأتي إليها»، مشيرًا إلى أن ترتيب جده في كشف باشاوات مصر كان رقم 111.
وأضاف أن جده الثاني لأمه هو حسن بك عبد الله الكبير، الذي شغل منصب ناظر الشؤون الخديوية في عهد الخديوي إسماعيل.
هناك من يقول إنك آخر سلالة المماليك في مصر، فهل هذا صحيح؟ وهل لا يوجد غيرك؟
هذا الكلام غير صحيح؛ فلديّ أبناء وأحفاد، إلى جانب وجود عائلات مملوكية أخرى في مصر، حتى وإن لم تكن معروفة إعلاميًا. المماليك عاشوا في مصر قرابة 700 عام، ومن الطبيعي أن تبقى جذورهم موجودة حتى اليوم.
حضرتك طفت معظم دول العالم، وغادرت مصر في سن العاشرة، فما الذي دفعك إلى العودة مرة أخرى؟
كان لا بد من العودة. نعم، جُلت العالم كما ذكرتِ، لكن الرجوع إلى الجذور كان أمرًا حتميًا. وكان للنصيب دور كبير، فقبل عودتي إلى مصر كانت ظروفي المادية قد تحسنت بشكل ملحوظ، وكنت أمتلك منازل في معظم الدول الأوروبية. كما أن أحد أصدقائي المصريين اقترح عليّ فكرة العودة، وشجعني على اتخاذ القرار. وبالفعل عدت إلى مصر في أواخر السبعينيات، واشتريت شقة في منطقة الزمالك، خاصة أن والدي، عندما هاجر بعد ثورة يوليو، لم يكن يمتلك أموالًا أو أملاك، وسافر إلى أوروبا ليبدأ حياة جديدة من الصفر.
وما تأثير ثورة 1952 على عائلتكم؟
لم يكن أحد يرغب في ترك بلده، لكن الظروف هي التي أجبرت الناس على الرحيل والبدء من جديد. ومع مرور الوقت، كانت الأسر التي كوّنت نفسها ماديًا في الغربة، حين تجتمع، تتحدث دائمًا عن مصر وأيامها، وكان الحنين للعودة حاضرًا باستمرار، لكن أغلبهم كان قد استقر هناك.
أما أنا، فظل حلم العودة يراودني طوال الوقت، لأن الولد مهما كبر لا بد أن يعود لأمه، ومصر هي أمي. وهذا أمر إلهي، بدليل أن أي أجنبي يزور مصر لا بد أن يعود إليها مرة أخرى.
عندما قررت العودة إلى مصر، هل كان مخططك منذ البداية بناء قصر يعيد أمجاد العائلة؟
لا، لم يكن ذلك ضمن خططي على الإطلاق. صحيح أن وضعي المادي كان يتحسن، وكنت وقتها شابًا، لكن قرار بناء القصر استغرق سنوات طويلة، ولم يكن قرارًا مباشرًا.
بعد الثمانينيات أصبحت القاهرة مزدحمة للغاية، وبدأ الناس في الهجرة من مناطق مثل الزمالك والمهندسين وجاردن سيتي إلى الكمباوندات، هروبًا من الزحام والتلوث. وأنا أيضًا كنت أرغب في الابتعاد عن صخب المدينة والتلوث، لكن دون الابتعاد عن قلب القاهرة.
أنا لا أحب العيش في الكمباوندات، لذلك بدأت أبحث طويلًا عن مكان على النيل أستطيع العيش بالقرب منه، إلى أن استقريت على هذه المنطقة، جزيرة الذهب، وسط الناس البسيطة».
عصر المماليك انتهى منذ نحو 500 عام، فلماذا يتم التركيز على التاريخ المملوكي تحديدًا دون غيره؟
لأن المماليك لم يغادروا مصر. جاؤوا إليها وعاشوا فيها وماتوا على أرضها، سواء في الحروب أو غيرها، ولم يكن لهم وطن غيرها. قدموا من القوقاز والمناطق الجبلية، واستقروا في مصر، وتزوجوا، وأنجبوا، وتركوا بصمتهم الواضحة حتى اليوم.
ما أكثر فكرة أو معلومة خاطئة شائعة عن المماليك، وترغب في تصحيحها؟
الشائع عن المماليك أن حكمهم كان ظالمًا، وقد يكون هذا صحيحًا في بعض الفترات، خصوصًا في القرن التاسع عشر عندما ضعف الحكم. لكن يجب أن نفهم أن مصر كانت في ذلك الوقت سلطنة مملوكية، والمماليك هم من بنوا القاهرة بمعالمها الكبرى، من الجوامع الكبيرة إلى القلاع، مثل قلعة قايتباي، وكل هذا من إنجاز المماليك.
كما أنهم تزوجوا من المصريين، وكانوا جزءًا من نسيج المجتمع، وليسوا حكّامًا غرباء عنه.
ذكرت أن عائلتك كانت من بين من نجوا من مذبحة القلعة، كيف حدث ذلك؟
«الحب هو من نجّانا». في ذلك الوقت، كان الأمير حسن الكاشف عبد الله متزوجًا حديثًا، ويعيش في المنصورة. وعندما وصلته الدعوة، استغرب وقال: كيف يدعو الباشا، محمد علي، كل قوات الجيش؟ أين المناسبة؟ لا عيد كبير ولا صغير. وبصفته رجلًا متزوجًا حديثًا، قال: «أنا مالي ومال الباشا وعزومته».
وعندما سمع بما حدث في القلعة، هرب كل شخص إلى مكانه، وأخذ أولاده الصغار، ولجأ تحت حماية الباب العالي، أي تحت حماية السلطان.
أنت مصري حتى النخاع، فلماذا اخترت الطراز المملوكي تحديدًا لتبني عليه قصرك؟
لأن مصر تضم كل الفنون التي ما زالت حيّة حتى اليوم، من الفن المملوكي، إلى المساجد، والقصور، والهندسة المصرية، التي تُعد من أفضل الفنون الإسلامية.
وعندما بدأت العمل على استراحة أو أي مشروع صغير، كنت أرى بيوتًا وقصورًا مبنية على الطراز الإيطالي أو الإسباني، فقلت لنفسي: «إيه الحكاية؟ لازم نعمل حاجة أصيلة، تعكس أصالة التاريخ، وأصالة التاريخ المصري في العمارة»، وهو ما يمثله الطراز المملوكي.
القصر بتفاصيله استغرق وقتًا طويلًا جدًا، ما الذي كنت حريصًا عليه أثناء بنائه؟
القصر أخذ من عمري وقتًا طويلًا. كنت حريصًا على الأصالة، وهذا القصر شهادة على مهارة العمال المصريين. لم يكن هناك مهندس أجنبي واحد، كل شيء كان مصريًا. حتى الأثاث؛ هل جلبت الكنبة من إيطاليا؟ لا. القماش من «عوف» ومن خان الخليلي.
العمال كانوا مصريين أصليين، وليسوا أي عمال؛ بعضهم عمل في ترميم الآثار من قبل. كما حرصت على تشغيل أكبر عدد ممكن من العمال الذين كانوا بلا عمل، فإلى جانب البناء، ساعدنا الكثير من الناس.
كل ما ستراه هنا صُنع بأيدٍ مصرية، وهذا ليس كلامًا لمجرد الفخر، بل حقيقة، وحق لمصر.
القصر مساحته كبيرة جدًا، تزيد على عشرة آلاف متر مربع، وكما ذكرت، بُني على مراحل، لأننا لم نكن قادرين على تحمّل تكاليفه كاملة في البداية.
وقد شُيّد بالكامل من أحجار نُحتت على الطراز الإسلامي الشهير في العصر المملوكي. وواجهنا صعوبات كبيرة في نقل هذه الأحجار عبر النهر بسبب ضخامة أحجامها، لكن العمال المصريين الذين شاركوا في البناء كانوا يتمتعون بمهارة عالية في النحت والتشييد.
كيف تقضي يومك منذ الاستيقاظ من النوم؟
مثل أي إنسان عادي. أنا بنيت هذا القصر لأعيش فيه، وهو متعتي، ولم أبنه من أجل الربح أو لتحويله إلى فندق، بل أنجزت عملًا فنيًا.
أستيقظ، أتناول الإفطار، وأتفقد الناس الذين يعيشون هنا، والحمد لله الجميع بخير. أجلس مع الجنايني، لأن العمل الصحيح يبدأ من الاهتمام بالتفاصيل؛ كيف تُقطع الشجرة، وكيف يعمل العمال.
وإذا كان لديّ مواعيد في المدينة، أذهب. أحيانًا يأتي الأصدقاء، وأحيانًا لا، وهذا أمر طبيعي.
هل تحب الأكل المصري؟
«بصلة المحب خروف». الأهم أن تكون القعدة مع الناس. نحن نأكل لنشبع، والأهم أن يكون الطعام طازجًا. أنا لست من النوع الذي يحب الموائد المليئة بأصناف كثيرة كما هو شائع، المهم الجودة والطزاجة.
ألا تمر عليك أوقات تشعر فيها بالوحدة، خاصة أن أبناءك وأحفادك لا يعيشون معك؟
لا، لا أشعر بالوحدة وسط المصريين، والحياة جميلة الحمد لله. أنا متونس بالناس من حولي. ثم إن التكنولوجيا نعمة كبيرة؛ في أي وقت تستطيع أن ترى ابنك أو حفيدك وتتحدث معه.
كما أنني لا أملك وقتًا للملل، لدي مكتبة جميلة، ووقتي متاح للقراءة. صحيح أن الوحدة قد تأتي أحيانًا، خاصة في أوقات مبكرة، لكن مع الأنشطة، والكتب، والناس من حولي، لا تؤثر الوحدة عليّ.
عندما قررت بناء القصر، هل كان أبناؤك موافقين على الفكرة أم عارضوك؟
ليس لهم حق القبول أو الاعتراض. هم يعلمون أن والدهم لديه خيال واسع ويفعل ما يريده، وهو حر في أمواله. الأهم أن يستمتع بالحياة، وهذا كان هدفي منذ البداية.
وماذا عن الحب في حياتك يا برنس؟
بصراحة، حياتي جميلة. أعترف أنني تزوجت أكثر من مرة، وعشت في أكثر من بلد بسبب الزواج. على سبيل المثال، عشت فترة في إيطاليا لأن زوجتي آنذاك كانت إيطالية.
أنا أحب اكتشاف بلاد جديدة والعيش وسط شعوب مختلفة، ولم تكن لديّ حياة مستقرة مثل كثيرين. أحببت كثيرًا، ولا أزال أحب، ودائمًا أردد: «الدنيا كلها حب»، وأنا مقتنع بذلك.
مصر الآن أجمل أم مصر الماضي؟
الجميل هو الوقت الذي تعيشه. الناس تردد دائمًا «الزمن الجميل»، لكن هذا في رأيي خيال. اليوم يقولون إن الماضي كان أجمل، لكنه لم يكن كذلك، بل نحن نراه الآن بصورة رومانسية. من عاش في ذلك الزمن يعرف حقيقته. نحن لا نعرف إلا اللحظة التي نعيشها.
ربما يصف الناس الماضي بالجميل لأن الحياة كانت أبسط أو لأن الأسعار كانت أقل، لكن هذا كلام لا معنى له. الإنسان يجب أن يعيش لحظته ويستمتع بها، ويعمل في الوقت الذي منحه الله إياه؛ فهذا هو وقتك، ويجب أن تستغله.
عندما تنزل إلى الشارع، كيف يتعامل الناس معك؟
بشكل عادي جدًا. أسير مثل أي شخص، وأتعامل ببساطة. ليست كل الأشياء الجديدة تعنيني؛ لم أذهب إلى مركز تجاري «مول» في حياتي، وإن دعاني أحد أعتذر وأقول: «معنديش فيزا». لماذا أذهب إلى مكان مغلق للتسوق؟ أنا أحب الأماكن الأصيلة التي يعيش فيها الناس، أنا رجل شعبي.
وعندما ترغب في شراء شيء، إلى أين تذهب؟
كل شيء متوافر، وليس من الضروري الذهاب إلى المراكز التجارية. أتعامل مع ترزية من خان الخليلي لتفصيل ملابسي، وأشتري بعض الأشياء من لندن أثناء سفري هناك. يمكنك أن تقضي يومًا كاملًا في «المول» وفي النهاية تجد أنك ما زلت تفتقد شيئًا.
متى قررت فتح القصر أمام الزوار؟
قررنا فتحه للمجتمع حتى يفرح الناس ويستمتعوا معنا. بدلًا من أن يظل الجمال حكرًا على شخص واحد، يجب مشاركته مع الآخرين. الجمال شيء لا بد أن ينتفع به الناس.
ورغم أن البرنس نجيب يعيش وحيدًا في قصره المنيف، فإن أبوابه باتت مفتوحة للزوار، ليستمتعوا بجمال العمارة المملوكية والمقتنيات التاريخية التي جمعها من أوروبا. فالقصر ليس مجرد مكان للإقامة، بل شهادة حية على التاريخ المملوكي لمصر، وروح أجداده، وامتداد لرحلة رجل اختار أن يعيش مع جذوره، ويترك إرثًا نابضًا بالفن والتاريخ للأجيال القادمة.

.jpeg)
.jpeg)



.jpeg)
.jpeg)

.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)

