ـ سنعيد أرشيفنا من الصفر والذاكرة لا تموت
ـ نحتاج دعما حقيقيا لإعادة بناء المؤسسات الثقافية لا مجرد تضامن
ـ خسرنا أعمالنا وجوائزنا وأرشيفنا لكننا لم نخسر الرواية الفلسطينية
ـ الفنان في غزة لم يعد يعمل على خشبة مسرح بل بين الركام وفي الشوارع
ـ من ممرات المستشفيات نصنع الفن.. والمسرح في غزة يقاوم على الأنقاض
ـ رأيت جثامين الشهداء يوميا في المستشفيات والمشهد كان أقسى من أن يحتمل
ـ الاحتلال استهدف الإنسان والحجر والذاكرة الثقافية معا
ـ النزوح كسر داخلي لا أتمنى أن يعيشه أي إنسان
ـ رأيت المراكز الثقافية مدمرة كما رأيت بغداد تنهب
ـ كنا نبحث عن الخبز والأمان ومع ذلك لم نتوقف عن الإبداع
ـ من نكبة 48 إلى حرب غزة الفن الفلسطيني هو الذاكرة الحية
ـ ما فشلت إسرائيل في إخفائه عام 48 لن تنجح في طمسه اليوم
ـ بقاؤنا في أرضنا يعني أن القضية الفلسطينية لم تنته
بين ركام المدن المنهكة وصمت المسارح المهدمة، يخرج صوت المخرج الفلسطيني محمد شعشاعة لا بوصفه شاهدا على الحرب فحسب، بل كأحد جرحاها الناجين، حوار لا يروي سيرة فنان فى زمن العدوان، بقدر ما يكشف سيرة ثقافة كاملة وضعت تحت القصف، وأرشيف فني تلاشى مع البيوت المدمرة، وذاكرة حاولت آلة الحرب اقتلاعها كما اقتلعت الحجر والبشر، هنا لا يتحدث "شعشاعة" عن الفن من مقاعد التنظير، بل من ممرات المستشفيات، ودروب النزوح، و18 رحلة تشرد أعادت تعريف معنى الخسارة والنجاة.
اقرأ أيضا:
استشهاد مواطنيين فلسطينيين برصاص قوات الاحتلال شرقى مدينة غزة
في هذا الحوار مع "اليوم السابع"، يفتح المخرج الفلسطيني دفاتر وجع ثقيل، يبدأ من إصابته بنيران طائرة إسرائيلية مسيرة، ولا ينتهي عند فقدان أعماله ولوحاته وأرشيفه الفني، بل يمتد إلى أسئلة أعمق حول دور الفنان في زمن الإبادة، ومعنى أن يتحول المسرح إلى شارع، والعرض الفني إلى محاولة إنقاذ للطفولة من الخوف.
شهادة إنسانية وفنية تتقاطع فيها النكبة الأولى مع نكبة الحاضر، وتروى فيها الحرب من زاوية من عاشها جسدا وروحا، مؤمنا بأن الفن، حتى وهو يعمل على الأنقاض، يظل أحد آخر خطوط الدفاع عن الرواية الفلسطينية، وعن حق شعب في أن يرى ويروى تاريخه كما هو، لا كما يراد له أن يمحى، وإلى نص الحوار..

المخرج محمد شعشاعة
في البداية.. احك عن تجربتك كفنان مع الحرب في غزة؟
تجربتى خلال الحرب كانت صعبة للغاية، حيث تعرضت لإصابة خلال الحرب من خلال طائرة كواد كابتر إسرائيلية وكتب الله لى النجاة، ونحن كفنانين في القطاع لم نكن نعتقد أن المواجهة والحرب تصل إلى هذا الحد من القسوة.
لماذا؟
لأن طبيعة الصراع اختلفت عما كانت في السابق، ووجدنا أنفسنا نازحين منذ أول يوم وتركنا كل شيء وشاهدنا شكل من أشكال الدمار الفظيع والموت وبدأنا نفهم من خلال ما كتبته الصحافة ونشره الإعلام أننا أمام حرب إبادة جماعية .
هل فقد شئ من مقتنياتك الثقافية ولوحاتك خلال الحرب؟
بالطبع.. لست وحدى من فقدت مقتنيات ثقافية خاصة بي خلال الحرب، بل زملاء كثيرين فقدوا مقتنياتهم الثقافية والشخصية، وأبرز ما فقده الكثير من الأعمال المسرحية والفنية التي عملنا عليها في السنوات السابقة وشهادات تقدير وأعمال فنية بدأنا العمل فيها وصور تذكارية في المهرجانات والفعاليات المحلية والدولية والدورات التي شاركنا فيها محليا وإقليميا ودوليا، كلهم اختفوا وأرشفينا الذي بدأنا فيه منذ بداية رحلتنا الفنية اختفى، وكل هذا ذهب ولم نستطيع حماية أي شيء منه، والجوائز التي كنا نشعر أنها تعبر عن محبة الشارع لنا تدمرت أيضا، خاصة أن هذه الجوائز لم تأت بسهولة، بل كانت ممزوجة بتعب ودعم من جمهورنا من الشارع الفلسطيني وبتكاتف من الزملاء، نحن فقدنا كل شيء.
كيف كان تأثير الحرب عليك وعلى عائلتك؟
تأثير الحرب علي وعلى عائلتى صعب للغاية، فنزوحنا من بيتنا منذ أول يوم في الحرب كان مأساه، وتأثرت حياتنا بالسلب بشكل كبير.
كيف كانت تجربة النزوح؟
نزحت مع أسرتى 18 مرة، وكنا ننام في ممرات المستشفيات وعشنا في منازل بعض الأصدقاء والزملاء وفي بيت الأهل والأقارب والأنساب وكذلك في مراكز ثقافية، وليس موضوع سهل على فنان أن يذهب لأماكن كان يعمل فيها وتصبح أماكن للنزوح ويشاهد خراب كبير حدث في هذه المراكز، فكنا في وضع لا يليق بالآدميين والبشر .

المخرج الفلسطيني محمد شعشاعة
ما الذي تذكرته حين شاهدت المراكز الثقافية مدمرة؟
تذكرت أبرز المشاهد التي شاهدتها في حياتي عندما سقطت بغداد، فحينها ذهب الفنانين لحماية المتحف الوطني العراقي من السرقة والنهب، وهذا الموضوع أثر علينا لأننا لم نستطع أن نفعل شيء ونحن نشاهد الفوضى التي حدثت بالقطاع والناس لا تعرف قيمة الأعمال الفنية والمواقع التراثية الى دمرها الاحتلال.
احك لنا عن تأثير النزوح على الفنان الفلسطيني؟
أنا كفنان لا أتمنى لأي إنسان على وجه الأرض أن يكون نازحا لأن قصة النزوح صعبة للغاية، أنت تخرج من بيتك تشاهد أخر لحظة فيه، وترى نهاية الصورة، تنظر له وأنت تخرج وقد لا تعود له مرة أخرى وتبدأ تتنقل من مكان لمكان أخر .
كيف حاولت تجميع معظم مقتنياتك الفنية خلال النزوح؟
أنا واحد من الناس الذين عانوا في هذه الحرب وهذا النزوح لأكثر من مكان، حيث نزحا إلى الخيام والأراضي الزراعية والبيارات وفي المراكز الثقافية، وفي كل رحلة نزوح تفقد فيها أشياء كثيرة، كل مرحلة نزوح كانت مكلفة لأنك تكون قد اتخذت خطوات واسعة في تجميع مقتنياتك واحتياجاتك وأوراقك وجهاز الحاسب الألي الذي توجد فيه كل أعمالك، تضطر لتتخلى عن أغلب تلك المقتنيات وتذهب لمرحلة نزوح جديدة لتبحث عن الأمل والنجاه، لأن الخطر كان يداهمنا من كل ناحية ولا يوجد مكان آمن والجميع في خطر والنزوح يجعلك تبعد عن كل الناس ولا تعرف أين ذهبوا.
ما أبرز الصعوبات التي واجهتها خلال النزوح المتكرر؟
أمكان النظافة العامة والشخصية فقدناها وعشنا تجربة صعبة للغاية، كنا نتمنى أن نسمع الأخبار وكان هناك تشويش على الإعلام والإنترنت، والناس لم يكن يملكون القدرة المالية والنفسية لتكلفة النزوح المرتفعة للغاية وفي كل مرحلة نزوح تبحث عن أين وكيف أذهب؟ وهل المكان الذي أعيشه آمن أم لا؟ وهل ما لدي يمكن أن يسد احتياجاتى أنا وأبنائي؟ فهذه أسئلة صعبة.
هل فقد التواصل مع زملائك الفنانين خلال الحرب؟
نحن كفنانين كنا قبل الحرب نجتمع دائما مع بعضنا ونتحدث عن أعمالنا وأفكارنا ولكن مع اندلاع العدوان لم نعد نعرف أين ذهب الفنانين؟ وأين اختفوا؟ وهل هم أحياء أم شهداء؟ ولا نعرف طريقهم بعد النزوح، فالنزوح كان مرحلة مقلقة للغاية لأن تركيزك الأول فيها هو البحث عن أمنك الغذائي لأننا فقدنا هذا الأمن الغذائي والسلامة الشخصية.
ما أصعب المشاهد واللحظات خلال الحرب؟
الحرب كلها مشاهد صعبة للغاية، عشت بعض الفترات في الهلال الأحمر الفلسطيني ومستشفى الشفاء وكان الأطفال 24 ساعة يتحركون وجثامين الشهداء نشاهدها بشكل يومي، لم يكن سهل علينا المشهد، كنا نشاهد يوميا لحظات الفقد لدى الأسر والعائلات ونتأثر فيها ونفكر كيف نساعدهم ونقف بجانبهم، وكنا نحن أيضا في حاجة لمن يقف بجانبنا ومشهد الخوف كان صعب والموت كان صعب والفقدان كذلك، والبحث عن النجاة والابتعاد عن الأصوات القذائف الصعبة التي تعودنا عليها، فكانت القصة صعبة لأن الاستهداف كان يشمل كل شيء الإنسان والحجر والقيمة الثقافية والمعنوية للإنسان.

محمد شعشاعة خلال إخراج عمل فني
هل فقدت عزيزا لك في العدوان؟
بالطبع فقدت زملاء أعزاء، منهم الفنانة الكبيرة إيناس السقا وعدد كبير من الزملاء الذين كانوا يعملون في كل الزوايا الفنية، من مخرجين وفنانين وكتاب وفنيين، فهذا كان أمرا صعبا، وكذلك فقدت أصدقاء كثر، كنا كل يوم نشهد استشهاد أناس جدد من أصدقائنا، حيث فقدت أناس كثيرين عملت معهم في المسرح الفلسطيني.
ما الذي تغير في حياتك الفنية والأدبية بعد العدوان عن قبل العدوان؟
أشياء كثيرة اختلفت في حياتى قبل وبعد العدوان، عندما تعيش حرب الإبادة الجماعية التي استيقظنا عليها تشعر كم هي صعوبة الحياة للمواطن الفلسطيني، كنا نسمع عن هجرة الفلسطينيين سنة 1948 و1967 ومراحل نزوح الفلسطينيين ولجوئهم لكل الأقطار، واليوم نعيش نفس التجربة ونفس الألم، وتغيرت أشياء كثيرة في حياتي، كنا في البداية نقول عبارات منقولة لكن الآن عشنا الحدث، أبسط مثال أنا كفنان مسرحي كنت أفكر في كيف يتلقى الإنسان الرصاصة، وفي العمل المسرحي والدرامي الذي أخرجه كنت أفكر في آلام ووجع تلقى الإنسان الرصاص، فالأمر لم يكن سهلا أي إنسان أن يخوض تجربة الجوع، وهذا غير من حياتي بشكل كامل لأننا كنا نفكر أن الحياة أفكار نقولها لناس، لكن اليوم ننقل تجارب حقيقية واقعية كنا نسمع عنها ونقلت لنا وأصبحت واقع الآن.
كيف يعمل الفنان الفلسطيني على نقل هذه المآساه التي يعيشها للعالم الخارجي؟
أصبح لدينا تفكير كيف نعكس حرب الإبادة والآم والجرح خلال فترة الحرب للجمهور في الخارج ، هناك مهرجانات مهمة، مصر هي بوابتنا للعالم، ونسعى لنقل تجربتنا في الحرب للجمهور عبر مهرجانات فنية مهمة، نريد أن نقول أن هناك بشر بسيطين لم يكن لديهم علاقة بمعركة أكبر من حجم دول وشعوب أن تتحملها نحن بشر ولسنا لعبة.
ما الفرق بين نكبة 48 وبين ما يحدث في غزة الآن من عدوان غاشم ومحاولات للتهجير؟
هناك اختلاف كبير بين نكبة 48 وحرب غزة، ففي النكبة الناس رحلت من أراضيهم وتم طردهم وإجبارهم على التهجير من أراضيهم وحياتهم التي كانوا يعيشون فيها في سلام وآمان ليواجهون مصير مجهول، لكن اليوم الفرق الكبير، نحن نشهد حرب إبادة جماعية تمس الجميع، كنا في حياة حولنا أن نستقر في غزة بأعداد كبيرة من اللاجئين أجدادهم تركوا قراهم هربا من الموت، واليوم لا تستطيع الهروب من القتل، لأنها حرب تدمير للبنية التحتية والثقافية والإنسانية وكل مقومات الحياة.
ضحايا الجماعة الثقافية في غزة بسبب الحرب
كيف تحدى الفلسطينيون مخطط الاحتلال لتهجيرهم القسري؟
إسرائيل كانت تظن أن عملية تهجير الفلسطينيين من غزة أمرا سهلا، لكن يجب الإشادة بالمواقف التي تبنتها مصر برفض التهجير بدعم من الدول العربية، وكانت القاهرة واضحة وصريحة أن تهجير الفلسطينيين ممنوع ومرفوض، ونقدم التحية لأهلنا في مصر قيادة وشعبا وحكومة على هذا الموقف العظيم، موقف الحفاظ على بقائنا لأن بقائنا يعني أن القضية الفلسطينية لم تنته ولم ينته ملف التهجير والمهجرين الفلسطينيين، والموقف المصرى في دعمنا لن ننساه أبدا.
من هم أبطال توثيق نكبة 1948؟
توثيق نكبة 1948 كان يتم عبر كاميرات لدى المصورين الصحفيين الأجانب وما نقلوه ووثقوه من هذه الصور موجود حاليا في دار الأرشيف ودار الكتب والوثائق بوكالة الأونروا لللاجئين، ومنذ عام 48 حتى اليوم عمل الفنانين الفلسطينيين بكل مناحيهم التعبيرية والتصويرية والفنية على توثيق هذه النكبة في مراحلها المختلفة في الجيل الأول والثاني والثالث وساعدهم في هذا الموضوع اتصالهم مع المثقفين والفنانين في الوطن العربي، وبدأت عمليات التوثيق من خلال إنتاج أفلام وثائقية والموضوع تحول لأفكار درامية ثم أعمال توثق بالصوت والصورة المذابح ويتحول لأعمال متعلقة بالنحت وأشكال فنية مختلفة.
ما هي الصعوبات التي واجهها الفنان الفلسطيني في توثيق نكبة 1948؟
التوثيق لم يكن سهلا في عام 1948 إلا من خلال ما وثقته عدسات المصورين الغربيين خاصة أنه لم يكن هناك تقدم تكنولوجي مثل ما نراه اليوم، ولكن من الناحية الفنية بعد مرور ما يقرب من 73 سنة، بدأ الفنانين والإعلاميين يحاكون هذه المرحلة وما قبلها وما بعدها وكيف كان هناك أناس يعيشون في بيوتهم آمنين وفجأة ينتقل الصراع ويحولهم للاجئين طردوا من أراضيهم ويتم تهجيرهم.
كيف سعت إسرائيل لإخفاء جرائمها في 1948 وما تلاها وهل ترين أنها قادرة على فعل ذلك الآن؟
سنة 1948 سعت لإسرائيل إخفاء هذه الجرائم من خلال اللوبي التابع لها الموجود في كل دول العالم والتي كانت تسيطر على مراكز الإعلام ومراكز التوثيق السياسي وسيطرتها على الإعلام والفنون، وزعمهم أنها أرض بلا شعب وأنهم جائوا لبناء هذه البلد ولم يرتكبوا مجازر ولكن يدافعون عن أنفسهم، وكانت أدوات الإعلام العالمي تدعمهم، بينما الدول العربية كانت في مرحلة تحرر، ولكن المثقفين العرب فضحوا ممارسات الاحتلال على أرض فلسطين في تلك اللحظة والصورة لم يكن أحد يستطيع إخفائها وحاولت إسرائيل أن تحكى صورة مغايرة للواقع في ذلك الوقت لكنها فشلت.
دائما ما كانت إسرائيل تسعى إلى نشر رواية المظلومية حول العالم وكانت تنجح في ذلك إلا أنها خلال العدوان الأخير فشلت وانتصرت الرواية الفلسطينية برأيك ما الأسباب؟
انتصار الرواية الفلسطينية وفشل الرواية الإسرائيلية على عكس ما حدث في عام 1948 التي فيها كانت تل أبيب تحتل أرض فلسطين وتحولها لأرض إسرائيلية وتدون ذلك في مختلف الكتب والخرائط حول العالم وكان الإعلام مسخر لها وكان العالم يعمل لصالح الاحتلال، اليوم الموضوع أصبح مختلف وساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في فضح هذه المجازر، وأضحى العالم يعلم حقيقة ما وقع على شعبنا في حرب الإبادة واستخدام أعتى وأصعب أنواع الأسلحة على شعب أعزل، خاصة أن مساحة غزة التي يوجد بها أكثر كثافة سكانية في العالم، الآن اختلف الوضع عن ما كان عليه في النكبة بسبب مواقع التواصل الاجتماعي وأصبح هناك وعي أكثر ووسائل الإعلام العربية عكست ما يقع على الأرض لجماهير شعبها والعالم أصبح ينقل الرواية من أكثر من جهة، وكذلك هناك الموبايل ومن السهل على أي شخص تصوير وتوثيق ما يحدث ونقله للعالم.
كيف استفاد الفلسطينيين من التقدم التكنولوجي في توثيق المجازر وتلافى أخطاء 1948؟
كنا نعرف اللعبة التي لعبتها إسرائيل في 1948 ولم تكن التقنيات الحديثة موجودة، لكن اليوم التقنيات أصبحت موجودة وأصبحنا قادرين على التعبير وأن نعكس هذه الصورة ونعبر عن أنفسنا بشكل أفضل، واستخدمنا السوشيال ميديا والموبايلات في نقل الصورة بشكل مباشر، لذلك لم تنجح تل أبيب في تضليل الرأي العام العالمي، خاصة أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت مفتوحة على الجميع كي يعكس حقيقة ما يحدث.
ما العقبات التي تواجه الفنان في غزة؟
سؤال صعب، فلا يوجد شيء لا يوجد فيه عقبات، بعد ما كنا نعمل في المسارح بالقطاع، أصبحنا نقدم عروض مسرحية في الشوارع، ونجمع الأطفال الذين يذهبون لجمع المياه من مناطق بعيدة ويتم استغلالهم في عمل صعب عليهم فكنا نجمعهم في عروض مسرحية، وكنا كفنانين خلال الحرب نجمع بعضنا لأننا أصبحنا كلنا نازحين، وأنا أوجه نداء للعالم لمن يستطيع دعم الفنان المسرحي الفلسطيني في غزة بعد أن تدمرت كل مناحي الحياة الاقتصادية والمالية والإنسانية، لأن اليوم الفنانين الفلسطينيين يناضلون من وقتهم وجهدهم وقوتهم ليعملون في الشارع ويعطون أفكار ويوثقون ما حدث من جرائم كي لا تنته الرواية الفلسطينية، والفن لا يتوقف فلم يتوقف الرسم أو السينما والمسرح والكتابة.
هل كان هناك تواصل بين الفنانين الفلسطينيين وزملائهم حول العالم خلال الحرب؟
إسرائيل عزلتنا خلال الحرب عن المجتمع الخارجي، ولكن كان هناك تواصل بيننا وبين الفنانين حول العالم الذين كانوا يطمئنون علينا، ولكن السؤال وحده لا يكفى، اليوم لابد أن نتوجه بسؤال حقيقي هل بإمكان المجتمع الدولى إعادة إعمار المؤسسات الثقافية؟ وكيف نعوض الفنانين المسرحيين والفنانين في مختلف مناحي عملهم البصرية والفنية بمعدات وأدوات لأننا نعمل الآن بشكل بدائي؟ نحن فاقدين الاتصال مع الجميع لأن هناك مشكلة وضغوط كبيرة في تعطيل البث والنشر، والمثقفين لا يتقفون وهناك تواصل مع فنانين عرب وفي العالم ونتحدث عن كيف نعكس أفكارنا وتجاربنا عن الحرب لكن هذا وحده لا يكفى.
ما الذي يحتاجه القطاع الثقافي الفلسطيني الآن؟
نريد على أرض الواقع أن نعيد الحياة للقطاع الثقافي بعد وقف الرحب وبناء المشروع الثقافي الفلسطيني وقصور الثقافة والمراكز الثقافية، ونستطيع أن نستعيد بالكوادر الموجودة واستشارة أشقائنا في المؤسسات الثقافية بالعالم العربي كي تساعدنا لإعادة الاعتبار للمؤسسة الثقافية ونجمع أرشيفنا من أول جديد، لأنه من الصعب ضياع كل هذه المقتنيات الثقافية لنستطيع أن نقدم أعمال تتوائم مع ما يحدث من تقدم في العالم الفني على الصعيد المسرحي والكتابي والفني.
كيف يواجه الفلسطينيون بفنهم مخطط التهجير القسري الذي يسعى الاحتلال لتنفيذه سواء في غزة أو الضفة الغربية؟
عندما خرجنا من بيوتنا كان من الصعب توثيق التاريخ الفلسطيني للأحداث من خلال الفن المسرحي، لكن كنا طوال الوقت نحرص على تسجيل هذه الصور ونقوم بعمل تغذية بصرية مباشرة للأحداث التي نشهدها استعدادا لتحويلها لأعمال مسرحية على أرض الواقع، وقمت أنا وبعض الزملاء بعمل نصوص مسرحية للتوعية بخطورة مخطط التهجير واستغلال رمزية العمل المسرحي، وقدمنا أعمال نحاول من خلالها بث الأمل للأطفال الفلسطينيين ونظمنا ورش عمل بعنوان "عندما نعود لغزة" وقدمنا أفكار تجسد ذكرياتنا خلال الحرب، وهذا ينقصه التمويل كي نستطيع الاستمرار، ولابد أن نعطي مساحة للفنانين الفلسطينيين الذين أصبح عددهم قليل بعد الحرب كي يعكسون بالصوت والصورة والفن والغناء والمسرح كل أنواع هذا التعبير.
كيف عملت على توثيق صمود الفلسطينيين ضد آلة القتل الإسرائيلية منذ النكبة؟
عملنا على توثيق المجازر من بداية نكبة 1948 وحتى الآن من خلال مجموعة كبيرة من الأعمال التي تحاكي هذه المراحل لتذكير الناس بمنازلهم الحقيقية التي احتلها الاحتلال منذ 73 عاما، وأن لهم تاريخهم المتجذر في هذه الأرض، ولكن واقعيا كان التفكير أكثر على المعاناة التي تزداد كل مرحلة من النكبة للهجرة ثم بداية حياة جديدة، واليوم أصبح الأمر مختلف تماما واختفت الإمكانيات الآن، إلا أنه من الممكن تنظيم أعمال على الأنقاض والرمل وهناك من نظم مهرجان سينما سجادة حمراء وسط الردم والبيوت المدمرة.
هل ترى أن الفنانين الفلسطينيين قادرين الآن على توثيق تاريخ ما يحدث في غزة كي تعد وثيقة للأجيال المقبلة؟
الفنانون الفلسطينيون يحاولون بفنهم أن يواجهون مخطط التهجير القسري، لكن في ظل نقص الإمكانيات والحرب المستمرة حتى الآن يحاولون بالأساليب البسيطة توثيق المجازر لتكون تاريخ للأجيال المقبلة من خلال تسجيل أغاني عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتنفيذ أجندات فنية الموجودة في بعض الساحات لكن الأمر يظل صعبا بدون تمويل والفرصة في الضفة الغربية أفضل منا رغم الضغط الهائلة عليهم
ما المطلوب من المثقفين حول العالم لنصرة القضية الفلسطينية؟
المطلوب من المثقفين حول العالم أن يتضامنون من المثقفين والفنانين الفلسطينيين ولا يتركونهم لوحدهم وينشرون القضية الفلسطينية لأنها قضية عادلة، فنحن شعب يعاني منذ سنوات من الحرب والدمار، وإلى متى سنظل نرى مؤسساتنا الثقافية تنهار وهناك أحرار حول العالم ومثقفين لابد أن يفكرون كيف يعكسون عن حاجاتنا الضرورية في بناء مؤسسات الثقافية وإعادة الاعتبار لها وإعمارها وإعادة الاعتبار الفنانين الفلسطيني ومساعدته كي يعكس هذه الصورة، ففي ظل الحرب الحالية نحن مقيدين، والفرصة الآن موجودة لا يجب ضياعها كي نعكس الحقيقة للعالم.