الدكتور مسعود شومان لـ«اليوم السابع»: «أطلس الفخار» يخرج للنور فى 2026.. مؤتمر الأدباء مهم لكنه يحتاج لـ«ثورة تصحيح».. ونحتاج لإعادة قراءة مصر بعيون أبنائها لا بعيون الغرب

الأربعاء، 07 يناير 2026 10:00 ص
الدكتور مسعود شومان لـ«اليوم السابع»: «أطلس الفخار» يخرج للنور فى 2026.. مؤتمر الأدباء مهم لكنه يحتاج لـ«ثورة تصحيح».. ونحتاج لإعادة قراءة مصر بعيون أبنائها لا بعيون الغرب الدكتور مسعود شومان

حاوره - محمد عبد الرحمن

بين دقة الباحث الميداني ورهافة الشاعر وحس المسئول يقف الدكتور مسعود شومان، رئيس الإدارة المركزية للشئون الثقافية بالهيئة العامة لقصور الثقافة، كأحد أبرز حراس الذاكرة الشعبية في مصر، لا يكتفي بالجلوس خلف المكاتب، بل يغوص في عمق "بر مصر" ليلتقط الجواهر المنسية من صدور الرواة قبل أن يطويها النسيان.

في هذا الحوار، يفتح شومان خزانة أسرار المأثورات الشعبية، كاشفاً عن التفاصيل الكاملة لمشروع "أطلس الفخار" المقرر تدشينه في معرض الكتاب 2026، وكيف تم استكمال "أطلس الخبز والآلات الموسيقية" بجهود مضنية، كما يقرع ناقوس الخطر حول فقدان الكنوز البشرية الحية، معتبراً رحيل كل راوٍ بمثابة "احتراق مكتبة".

وبلغة لا تخلو من المكاشفة والمصارحة، يضع يده على الجرح في أزمة "مؤتمر أدباء مصر"، مشخصاً أسباب تراجعه وتحوله إلى "أشكال وطقوس"، طارحاً روشتة عاجلة لإنقاذه واستعادة دوره كبرلمان ثقافي حقيقي.

يتنقل الحوار ببراعة بين "أغنيات الطفل" التي شكلت وعي الأجيال، وبين حلمه الأكبر بإعادة "وصف مصر" بعيون مصرية خالصة، بعيداً عن استشراق الغرب، وصولاً إلى جدلية التراث والحداثة في ظل الطوفان الرقمي.. فإلى نص الحوار..

 

- هناك من يرى أن مؤتمر أدباء مصر فقد جزءًا من المعنى والدور اللذين تأسس من أجلهما، وتحول في بعض دوراته الأخيرة إلى طقس شكلي أكثر منه منصة فاعلة.. من وجهة نظرك ما الأسباب الحقيقية لهذا التراجع؟ وما الشروط الفكرية والتنظيمية اللازمة لاستعادة المؤتمر لمساره الثقافي والتنويري؟

ما يزال مؤتمر أدباء مصر برلمانا ثقافيا يمكن له أن يحدث حراكا ثقافيا، ويمكن قراءة فعالياته من خلال ما يمكن تسميته بالجغرافيا الثقافية، وإذا نظرنا بعمق لتاريخه وما أنجزه يمكن أن نقرأ خارطة متسعة بالمشاركات والأبحاث، ناهيك عن التوصيات المتتالية التي كانت روافع ثقافية للهيئة العامة لقصور الثقافة، وظنى أن المؤسسة الثقافية حققت انضباطا كبيرا خالفه البعض بالتربيطات الانتخابية، مما جعل أحد أهم مرتكزاته هشة، لذا لا بد من إعادة النظر في بنود لائحة نوادى الأدب والمؤتمرات لاستعادة كبار الأدباء لممارسة العمل الثقافي، نحتاج دوما للقدوة ، وللخبرات لأن المؤتمر ليس مجرد ممارسة أدبية، لكنه بحاجة إلى أحلام، وتخطيط وتنفيذ واستثمار للطاقات الإبداعية، وتقديم تعاون مع المؤسسة الثقافية، بعيدا عن الأفكار الجاهزة والكامنة في صدور البعض، أن المؤتمر والمؤسسة على تضاد ولابد من مجابهتها مع أن المؤسسة هي من تنفذ الأحلام بما لديها من إمكانات مادية وطاقات بشرية، وتحتاج لإضافة نجاحات إلى نجاحاتها.

 

- من وجهة نظرك.. هل ما زال المؤتمر معبرًا عن صوت الأدباء في الأقاليم والهامش، أم أنه بات أسير آليات ثابتة وأسماء مكرّسة؟ وكيف يمكن إعادة بناء المؤتمر كمساحة حقيقية للحوار والتأثير الثقافي لا مجرد حدث سنوي؟

تاريخ المؤتمر وتطوره يشيران إلى ما قدمه، وقد خرج من خلاله ومن خلال نوادى الأدب مجموعة من كبار الأدباء والنقد وفتحت توصياته أبوابا كثيرة كانت مغلقة، وهو شهادة على الحراك المجتمعى والثقافى، وكل مؤتمر يشبه زمنه، وناس الزمن، لكنه بحاجة عاجلة إلى ترميم طريقة عمله ولوائحه، حتى يتحول إلى حدث ذي تأثير كبير، ولأن المحافظة التي ينعقد بها تكون عاصمة الثقافة المصرية، الأمر الذى يكرس لفكرة العدالة الثقافية ويحولها من شعار براق لمنظومة عمل، وبالتالي لا يتوقف أثره عند أيام انعقاده، بل يتحول من نشاط موسمى لفعل دائم يؤثر في الناس والمكان، وينتصر للأيكولوجيا الثقافية، وينتقل من كونه حوارا نظريا ليكون فعلا على الأرض بين الناس مراعيا السمات الأنثروبولوجية للمكان الذى ينعقد فيه.


 

- عملت على مشروع الموسوعة المصرية لأغنيات الطفل وهو ملف شديد الحساسية يرتبط بالهوية والتنشئة.. إلى أي مدى نجح هذا المشروع في توثيق الذاكرة الغنائية للطفولة المصرية؟ وما التحديات التي واجهتك في الجمع والتصنيف والتحقق؟

كنت ألاحق الزمن حين فكرت في جمع الأغنيات الشعبية المتعلقة بالطفل المصري، وكانت المهمة صعبة جدا، خاصة مع غياب هذه الأغنيات عن الممارسات الشعبية التي عاشها جيلى والأجيال التي سبقتنى، وانتشار الأشرطة الرخيصة التي ساهمت في احتلال وعى الأجيال الجديدة، واختفت المشاركات الحية للترك المجال واسعا إلى معانى لا تحمل قيما من هنا كانت خطوتى الأولى التي ستتبعها خطوات، فقد حاصرتنى فكرة هذه الموسوعة منذ ما يربو على ثلاثين عاماً، ولم يكن الجمع الميدانى قد تجاوز تسع محافظات، لكنه وصل مع الاستعانة بعدد من المحبين والباحثين  إلى عشرين محافظة، شارك فيه نحبة من الأدباء والباحثين، فالموسوعة لا تنسب لفرد وإنما لأمة، وأنها خطوة أولى تسعى إلى جمع وتوثيق وتصنيف الأشعار التى كُتبت أو أُنشدت أو رويت للطفل فى مراحل عمره المختلف، ولم تقتصر الموسوعة على نوع من الشعر بعينه، وإنما تقدم الإبداع الشعرى المصرى الذى أُبدع على مستوى الأفراد أو الجماعة الشعبية مواكباً لدورة الحياة؛ لذا تأتى الموسوعة لتقدم فى البداية فى ثلاثة أجزاء، هى: "الشعر الشعبى (أى التراث الفولكلورى فى هذا المجال) – شعر الفصحى الموجه للطفل– شعر العامية (فى نفس المجال)"، وهى بهذه الأجزاء تفتح باباً لأجزاء متسعة لتضم شعراء ونصوصا أخرى.

وقد اتبعت فى جمعها  طريقتين متزامنتين، هما الجمع الميدانى عن طريق الاستعانة بما تم جمعه من مادة فولكلورية قام بها عدد من باحثى الفولكلور والأدباء المهتمين بالتراث والمأثور الشعبى، والجمع المكتبى: وذلك بالاستعانة ببعض المؤلفات التى تضم بعضا من أغانى الأطفال الشعبية، لتتواشج الطريقتان فى تقديم هذا الميراث من الأغانى الشعبي، وقد جاء تصنيفها موضوعيا حسب ترتيب الموجودات الكونية, بدءا من الطبيعة بموجوداتها مروراً بالإنسان فالحيوان والطيور والحشرات والنبات، وصولاً إلى الأشياء الجامدة، أما بالنسبة لتصنيف الأغنية الشعبية وأنواعها، فقد كان التصنيف طبقا لدورة حياة الطفل، وينقسم هذا الجزء الخاص بالأغنية الشعبية من الموسوعة إلى قسمين: الأول أغانٍ تُغنى للطفل، والثانى: أغانٍ يغنيها الطفل، ونقدم فى هذا العرض نماذج من القسمين، وقد كانت أبرز التحديات ممثلة في تدوين النصوص وتصنيفها وشرح ما غمض من مفرداتها، ووضع كشافات شارحة لمحتوى النصوص.

 

- في السنوات الأخيرة فقدنا عددًا كبيرًا من الرواة وحملة الذاكرة الشعبية.. كيف تقيّم حجم الخطر الذي يهدد التاريخ الشفاهي في مصر؟ وما الآليات العاجلة التي يجب تبنيها قبل أن تسكت هذه الأصوات إلى الأبد؟

دوما ما أردد المقولة الأثيرة "عندما يموت معمر أفريقى فكأنما احترقت مكتبة بها ألف كتاب"، الآن يزداد احتراق الكتب بموت عدد مهم من الرواة الكبار، فلم نلحق بميراث العظيم أحمد برين ولا العجوز ولا رشاد عبد العال ولا عز الدين نصر الدين، ولا عبد الغفار رمضان، ولو ظللت أعدد الكنوز البشرية لبكيت على فقدان جزء عبقرى من الذاكرة الثقافية الحية، فهذه النماذج هي التي كان من الواجب تصدرها الشاشات ونقل ما تملكه من قيم فنية وثقافية للناس، لكننا من أسف تعاملنا معهم بشكل متحفى، نحن شعوب تجري وراء الترند وتسكت عن الكنوز البشرية الحية، نعم نحتاج إلى مظلة اجتماعية و فنية تحمى هذه الكنوز من ترك تراثها الأصيل والسعى للارتزاق من الفنون ساقطة القيد حتى يحصلون على قوت يومهم.

 

- ترأست اللجنة العليا لأطلس المأثورات الشعبية التي أنجزت أطلس الفخار في مصر بوصفه توثيقًا لحرفة ضاربة في عمق التاريخ.. ما الذي أُنجز فعليًا في هذا المشروع حتى الآن؟ وما الإطار الزمني المتوقع لخروجه إلى النور؟ وهل واجهته عراقيل مؤسسية أو ميدانية؟

نعم لقد أنجزنا حلما كبيرا نستكمل به أطلس الخبز وأطلس الآلات الموسيقية الشعبية، وهو أطلس المأثورات الشعبية الخاص بالفخار عدة أبواب تشير إلى عناصره الرئيسة، وقد اعتمدت المادة المكتوبة على ما قام به الزملاء بأطلس المأثورات الشعبية من جمع ميدانى لعناصر موضوع الفخار، وقد تمت عملية الجمع الميدانى معتمدة دليلاً استرشادياً ضم (79) سؤالاً، وتم تفريغ المادة وصياغتها أكثر من مرة لتستقر عند المفردات التكوينية لموضوع الفخار بداية من الفاخورة وأقسامها والخامات المستخدمة، فضلا عن الأدوات، مروراً بمراحل التصنيع (الإنتاج) ونظام العمل وصولاً إلى المنتجات وبيعها وتسويقها وانتهاء بالعادات والمعتقدات المرتبطة بالفخَّار وما يتعلق به من مصطلحات متنوعة تلقى الضوء على السياقات المتعلقة بالبناء الثقافى للحرفة - مرحلة التجهيز- المواد الخام - إعداد وتجهيز الطينة - الدولاب وتشكيل المنتج .. إلخ، إضافة إلى تعبيرات الحرفة المتعلقة بطلب الرزق والتوكل على الله والاستعانة به، فضلاً عن تعبيرات الاعتقاد فى الأولياء والتوسل بهم والتعبيرات الخاصة بصرف الجن والأذى ودرء الحسد، كما تمنحنا الدراسة الميدانية فيضاً من تجليات الفخَّار فى الأدب الشعبى، هكذا تكاثرت العناصر على قدر ثراء المادة التى لم تتح نفسها بسهولة لتكون حروفا متماسكة كتماسك قطعة الفخار وجمالها حين يتوجها الفخرانى بأنامله ليحفظ جزءاً مهماً من هويتنا المصرية ووعى جماعتنا بذاتها الحضارية، وسنسعد بتدشين صدوره خلال معرض القاهرة الدولى للكتاب 2026، أما عن المعوقات سواء كانت فنية أو إدارية فتحتاج إلى كلام كثير لا مكان له هنا.

- تحلم بتنفيذ مشروع ضخم بعنوان موسوعة وصف مصر ومحافظاتها. ما الهدف المعرفي والثقافي من هذا المشروع؟ وهل يمكن إنجازه خارج الإطار المؤسسي الرسمي، أم أن حجمه يفرض بالضرورة شراكة الدولة؟

بدأت هذا المشروع منذ عام 2002، حيت توليت إدارة الثقافة العامة، وطوال الوقت شغلنى التغير المتسارع الذى يمر بمصر وبعناصرها التراثية والمأثورية فقلت لماذا لا نعمل على إعادة وصف مصر بعيون المصريين أنفسهم، ولا ننتظر من الغرب أن يصفوا ملامحنا، وغالبا يكون وصفهم مغرضا أو ناقصا أو موجها، فوصف مصر سيعكس الهوية الحقيقية ويعين متخذي القرار على فهم الواقع بشكل أفضل، إننا في حاجة لأن نعيد وصف مصر، من خلال عادات الناس وتقاليدهم وملابسهم، ونجيب على أسئلة بلا إجابات لعل منها هل تغيرت الطبيعة المصرية بين الماضي والحاضر، فالأسئلة يجب أن تكون نقطة انطلاق لأي مشروع وطني في الثقافة أو التنمية، آمل أن استكمل المشروع مع أهم مؤسسة ثقافية مصرية وهى الهيئة العامة لقصور الثقافة.

 

- قمت بجمع وتوثيق تجليات السيرة الهلالية في الوجه البحري. ما الفروق الجوهرية التي رصدتها بين هذه التجليات ونظيرتها في الصعيد؟ وكيف تعكس هذه الاختلافات تنوع البيئات الثقافية داخل المجتمع المصري؟

السيرة الهلالية بدن كبير يتسع باتساع مصر، وللأسف فإن السيرة الهلالية في وجه بحري تخرج آخر أنفسها، فقد كبر أو مات رواتها ولم يلقوا العناية الواجبة، لذا فقد انشغلت برواة وجه بحري من مثل حواس الكبير وابنه أحمد حواس (الغربية) وسعد الشاعر (الدقهلية) وفتحى الشاعر وابنه عبد الستار (المنوفية)، وشعراء البكاتوش (كفر الشيخ)، وأهم الفروق بين روايات صعيد مصر في الأشكال الشعرية، حيث يهيمن فن المربع والحكى على سيرة الجنوب، وإن كان لديهم رواة يروونها بطريقة الفرادى، بينما وجه بحري يعتمد الموال وفنون القصيد، أما من الناحية الموسيقية فالبناء الموسيقى ملحمى يعتمد الرباب والإيقاعات، بينما في وجه بحري فيعتمدون التخت كفرقة للموسيقى والغناء، وبالتأكيد هناك اختلافات في تصور العالم والشخوص واختلافات لغوية وأخري تتعلق باللغة.   

 

قمت ببحث من قبل ضمن مشروع المأثورات الشعبية في مائة عام.. كيف ترى علاقة المأثور الشعبي بالتحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها مصر خلال القرن الماضي؟ وهل ما زال هذا المأثور قادرًا على التجدد؟

أيا كان تعريفات الأنواع التي تندرج تحت جنس المأثورات الشعبية  فهى مجموعة الفنون والآداب التي تصحبها مجموعة من الممارسات والسلوكيات المتوارثة التي عبرت الأزمنة لتنتقل من جيل إلى جيل لتشكل جزءا مهما آليات الضبط الاجتماعى، وتؤكد على نمط ثابت من أنماط التفكير التي يتعارف عليها الجميع، بل ويصدقون عليها بوصفها عرفا اعتياديا ضابطا لحياة الجماعات والعائلات والأسر، وغالب الأمر تكون مرتبطا بالثبات والمرجعية للماضي بوصفه مصدرًا مقدرا من المجتمع، أما الحداثة فهي حالة تاريخية وفكرية تسعى إلى القطيعة مع الماضي وإرثه، أو على الأقل مراجعته نقديًا، خاصة مع نمو الأفكار الحديثة التي تعتمد العقل أساسا لهدم الراسخ من أفكار أو أزاحتها أو تجاوزها إلى رؤي جديد تعبر بالأفكار الجديدة  لمجتمع  حديث لا يقنع بسطوة الماضى وقيادته للمستقبل.

وإذا وقفنا على مفهوم التكنولوجيا من منظور العلوم الاجتماعية سنجد أنها تمثل نسقًا اجتماعيًا معرفيًا ينتج طرقًا جديدة للتفكير والعمل والتواصل. فالهاتف الذكي مثلًا ليس مجرد وسيلة اتصال، بل فضاء ثقافي يغيّر أنماط التفاعل والوعي بالزمن والمكان، من هنا فإنه من المهم أن نتأمل العلاقة بين التغيير التكنولوجي والتغيير الاجتماعي، والغوص في تجليات هذه العلاقة يضعنا أمام عدد من النظريات لعل أهمها فاعلية في هذا السياق؛ نظرية التحديث ونظرية الحتمية التكنولوجية وكلتهما تنظر إلى التكنولوجيا كعامل محرك للتغيير الاجتماعي من خلال قدرتها على خلق حاجات جديدة، تسهم في إعادة تشكيل منظومة القيم.

 

قمت بمسح ميداني لعناصر التراث الثقافي غير المادي في عدد كبير من محافظات الجمهورية.. ما العناصر التي تراها مؤهلة – علميًا وثقافيًا – للترشيح على قائمة التراث العالمي غير المادي باليونسكو؟ ولماذا؟

مصر بلد عظيم وثرية بعناصرها التراثية، وهناك عناصر كثيرة تستحق التسجيل منها فن الكف – المربع – الواو – ومن الأطعمة البصارة والويكا واللصيمة ... إلخ ومن الزى الجلابية العمارى، المرماح.

- مع التحول الرقمي المتسارع كيف ترى دور الأرشفة الرقمية في إنقاذ التراث الثقافي غير المادي؟ وهل تمتلك المؤسسات الثقافية المصرية رؤية حقيقية لاستثمار التكنولوجيا في هذا الملف، أم ما زلنا في مرحلة المبادرات الفردية؟

إن السؤال يكتسب مشروعيته من جدل المفاهيم المتجاورة والمتصارعة في آن واحد، يحاول كل واحد منها أن يزيح الأخر، أو يتصالح معه، لذا يأتي السؤال كيف نتأمل جدل العلاقة بين التقاليد والأعراف الاجتماعية في عالم يمور بالحراك الثقافي والتكنولجى، وتتراكم في عقول أفراده وجماعاته الثقافات بتنوعها وتصارعها، فضلا عما تحمله من راقات ثقافية ملتحمة، يتجاور فيها التقليدي، والحداثى، ويتصارع داخلها الماضى بالآنى، فالأعراف كمينة في الصدور، بينما الواقع يفصح عن وجوده في كل حركتنا في الحياة اليومية، في هذه المساحة يتجلى الجدل بين تصورين أو عالمين، هما الأعراف الاجتماعية التي تشكّل الإطار الروحى والثقافى الذي ينظم سلوك الأفراد داخل الجماعات، وهو بمثابة النتاج الذى تراكم تاريخيًا من جملة العادات والقيم والتقاليد والأعراف والخبرات التي أصبحت عقدا ضمنيا ملزما للناس في ضوء الوعى الجمعي الذى شكل منظومة للقيم التي تمثل الإطار الثقافي الذى يتحرك فيه وبه الناس، ومما لاشك فيه أن معظم الناس يتعاملون مع منظومة القيم التي رسختها الجماعة الإنسانية على أنها كتلة جامدة، بين التأمل الفكري الناتج عن فحص وتحليل الجمع الميدانى يشير إلى ما لها من حركية وديناميكية لا تستعصى على قبول قابلة التحولات كلما تعرضت المجتمعات لتغيرات جديدة.

ولعل التطور التكنولوجى المتسارع يمثل أبرز المؤثرات التي كانت سببا في عدد من التحولات الجذرية في النقلة بين تصور قديم مستقر وأخر كان نتيجة لحالة الاصطراع بين مفهومى التقاليد والحداثة، ويتجلى ذلك في عادات وتقاليد الطعام – وسائل التواصل الاجتماعى – المناسبات الاجتماعية – طرق وأدوات الإنتاج - أنماط الحياة اليومية، طرق التفكير في الحياة المعيشة.... إلخ.

 

- يلاحظ البعض فجوة متزايدة بين الأجيال الجديدة وتراثها الشعبي.. هل تعتقد أن المشكلة في طريقة تقديم التراث، أم في تغيّر الذائقة، أم في غياب مشروع ثقافي شامل يربط الماضي بالحاضر؟

   السؤال الذى يجب أن نقرأه بعمق هو هل التكنولوجيا مجرد أدوات، وتقنيات ووسائل فحسب، بالطبع لا، فالتكنولوجيا في مظهرها السطحى مجموعة من الأدوات والأجهزة الحديثة، لكن تأثيرها يشير إلى أن خلفها بنية معلوماتية وفكرية ساهمت في تغيير كبير في ثقافة المجتمع، حيث مثّلت التكنولوجيا، منذ الثورة الصناعية وصولًا إلى الثورة الرقمية، قوة تغيير كاسحة لم تقتصر على المجالات الاقتصادية والعلمية فحسب، بل طالت أيضًا البنى الاجتماعية والثقافية، وشكلت الطريق إلى الحداثة وما بعدها، حاملة معها تصورات جديدة للعالم، وفتحت المجال أمام أنماط مستحدثة من العيش والتواصل والمعرفة، من هنا تبرز أهمية دراسة العلاقة بين التكنولوجيا والأعراف الاجتماعية؛ إذ أن هذا التفاعل يشكّل محورًا لفهم التحولات الجذرية التي تمر بها المجتمعات في انتقالها من التقاليد إلى الحداثة. من هنا فإننا يجب أن نعكف على تحليل جدل العلاقة بين التكنولوجيا ومنظومة الثقافة فى محاولة لفهم ملامح التغير التي حدثت لمفهوم الجماعة، والعائلة والأسرة والعمل والتعليم والعلاقات الاجتماعية، وكيف أثّرت في الهوية الثقافية، وما التحديات التي فرضتها على المجتمعات التقليدية، تمهيدا لطرح مجموعة من الرؤي والتصورات التي يمكن أن تبصرنا بآفاق المستقبل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة


الرجوع الى أعلى الصفحة