بناء الجسور.. رؤية مصر في إدارة علاقتها مع القوى الكبرى.. القاهرة عززت تواصلها مع مختلف أطراف المعادلة الدولية.. خلقت تحولا كبيرا في دورها ليتجاوز الإقليم الضيق.. ودبلوماسيتها عززت التنمية في إطار الاستدامة

الثلاثاء، 06 يناير 2026 08:00 ص
بناء الجسور.. رؤية مصر في إدارة علاقتها مع القوى الكبرى.. القاهرة عززت تواصلها مع مختلف أطراف المعادلة الدولية.. خلقت تحولا كبيرا في دورها ليتجاوز الإقليم الضيق.. ودبلوماسيتها عززت التنمية في إطار الاستدامة بناء الجسور.. رؤية مصر في إدارة علاقتها مع القوى الكبرى

بيشوى رمزى

المرونة الكبيرة التي اتسمت بها الدبلوماسية المصرية خلال العقد الماضي، فتحت أمامها الطريق نحو تنويع تحالفاتها، بصورة كبيرة، ساهمت في تعزيز صورتها، ليس فقط كقوى إقليمية، وإنما كحلقة وصل مهمة بين الأقاليم الجغرافية في صورتها الجمعية، وهو ما يعني قدرتها على التواصل بين الخصوم، وعقد شراكات معهم، على أساس المصالح المشتركة، بعيدا عن السياسات التقليدية، التي اعتمدت نهجا تبعيا لحليف أكبر، مقابل الحصول على دور محدود، وقدر من الاستقرار، وهي السياسات التي هيمنت على الإقليم بأسره منذ ما قبل الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفيتي، مع ظهور بوادر الانتصار الأمريكي وانطلاق حقبة الهيمنة الأحادية، إلا أن الأمور باتت مختلفة في أعقاب ما يسمى بـ"الربيع العربي"، في ظل انكشاف، أو بالأحرى نهاية زمان الحماية تحت مظلة التحالفات.

والواقع أن رؤية الدولة المصرية، في أعقاب مرحلة الفوضى، لم تقوم على فكرة استبدال حليف بحليف آخر، وإنما في واقع الأمر اعتمدت على تغيير طبيعة العلاقة، من التحالفات الجامدة، التي لا تسمح بمواقف مغايرة على نطاق واسع، إلى شراكات أكثر مرونة، وهو ما فتح الباب على مصراعيه أمام القاهرة نحو الانفتاح على كافة أطراف المعادلة الدولية، دون الانحياز لطرف دون الآخر، فكانت روسيا هي نقطة الانطلاق، ثم الصين، وهي المحطات التي حرص الرئيس عبد الفتاح السيسي على تبادل الزيارات مع قادتها في أعقاب الربيع العربي، بينما نجح باقتدار في امتصاص التوتر اللحظى مع واشنطن، في أعقاب انهيار الربيع المزعوم، خاصة خلال سنوات باراك أوباما الأخيرة في البيت الأبيض، لتتحول إلى شراكة فعلية، خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولي ثم تتواصل بعد ذلك تلك الحالة حتى اللحظة الراهنة، ناهيك عن شراكات أخرى فردية أو جمعية، على غرار العلاقة مع الهند، وأوروبا الغربية، بالإضافة إلى الحصول على عضوية بريكس.

هنا نجد أن الدبلوماسية المصرية، تمكنت في إطار إدارتها للشراكات الدولية، نجحت في تعزيز العلاقة مع الأطراف وخصومهم، والهدف هو تحقيق المصالح المشتركة، وفي القلب منها المصالح المصرية نفسها، بينما يساهم في تعزيز دورها كوسيط دولي، يتجاوز الدور الإقليمي المحدود الذي رسمته لها القوى الكبرى في أعقاب الحارب الباردة، والذي لم يتجاوز "وسيط التهدئة" في القضية الفلسطينية، بينما أصبحت فاعلا إقليميا مؤثرا، ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط، وإنما في إطار ما تحظى به من نطاق جغرافي متسع، يشمل العمق الإفريقي والامتداد الأوروبي.

 

كيف عززت مصر دورها كفاعل إقليمي؟

ولعل أهم ما يمير الرؤية المصرية في إدارة، أو بالأحرى، إعادة هيكلة علاقاتها الدولية، هو التماهي الكبير بينها وبين طبيعة النظام الدولي، وما يحظى به من تعقيدات كبيرة، في ظل صعود قوى مؤثرة لا يمكن تجاهلها، بينما أصبحت الأقاليم الجغرافية أكثر ارتباطا، يمكننا تسميتها بـ"الجسور" التي يمكن من خلالها بناء توافقات بين الخصوم الدوليين، وتساهم بصورة أو بأخرى في تخفيف حدة الصراع، وهو ما يساهم في تعزيز القضايا الجمعية.

الحديث عن نظرية الجسور التي أرستها الدولة المصرية، تتجلى تبعاتها في إدارة العديد من الملفات في الداخل والخارج، فنجد أن ثمة شراكة مع أوروبا في مجال الطاقة المتجددة، والغاز الطبيعي، بينما تعمل مع روسيا في بناء محطة الضبعة النووية، ومشروعات بنية تحتية كبرى وتعاون في الصناعة والتكنولوجيا مع الصين ناهيك عن الشراكة في مجال الطاقة والتكنولوجيا مع الهند.

تلك الشراكات، بالإضافة إلى العلاقات التاريخية مع الولايات المتحدة، خلقت ثقلا إقليميا للقاهرة، ساهم في خدمة أهم القضايا الجمعية في منطقة الشرق الأوسط، وهي القضية الفلسطينية، حيث نجحت القاهرة عبر شراكاتها المتنوعة من الحصول على ظهير سياسي قوي يدعم مواقفها، حتى وإن كانت هناك بعض الخلافات، فيمكن احتوائها بالتوافق على الثوابت، وهو ما بدا في إدارة أزمة غزة، فكانت القاهرة محركا إقليميا، عبر مناطقها الجغرافية، في الشرق الأوسط وأفريقيا، لرفض مخططات التهجير والتأكيد على الشرعية الدولية، ودافعا لأوروبا نحو تغيير مواقفها جذريا عبر اعترافات متواترة بالدولة الفلسطينية، واحتفظت في الوقت نفسه بالموقف الأمريكي الداعم لوقف إطلاق النار، بل ودفعته نحو رعاية السلام في قمة شرم الشيخ، بحضور الرئيس دونالد ترامب، في حين لعبت دورا رئيسيا في حشد موسكو وبكين وراء مواقفها.

التوازن في إدارة العلاقات المصرية مع القوى الدولية الفاعلة، ساهم بصورة كبيرة في إضفاء المزيد من الزخم على الدور الذي تقوم به القاهرة دوليا وإقليميا، والأهم من ذلك، لعب الدور الأبرز في تعزيز الداخل، عبر مشروعات عملاقة من شأنها تحقيق الاستدامة، باعتبارها أحد أهم الأولويات التي وضعتها الدولة على عاتقها منذ عقد من الزمان.

 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة