مع دقات الساعات الأولى من صباح الجمعة المقبل، تدخل الدولة المصرية رسمياً في "المنطقة الزرقاء" من العام، حيث يفرض شهر "طوبة" سيطرته الكاملة على الأجواء ببرودة لا تعرف الهوادة، معلناً عن ذروة فصل الشتاء في التقويم المصري القديم.
هذا الموعد، الذي يوافق التاسع من يناير، يمثل في الوجدان الشعبي والزراعي نقطة تحول كبرى، حيث تتحول النسمات الشتوية المعتادة إلى رياح قارصة تلامس العظام، ليبدأ المصريون رحلة البحث عن الدفء في أبرد ثلاثين يوماً تمر على وادي النيل، وسط ترقب من هيئة الأرصاد الجوية التي تشير خرائطها إلى انخفاضات ملموسة في درجات الحرارة تزامناً مع وصول هذا الضيف الثقيل.
ويستمد شهر طوبة مكانته التاريخية من كونه يقع في قلب فصل "بريت" أو فصل النمو، وهو الشهر الذي يلي "كيهك" صاحب الليالي الطويلة، ليأتي طوبة مكملاً لمنظومة الشتاء القاسي.
وتعود تسمية الشهر إلى كلمة "طوبيا" في اللغة المصرية القديمة، والتي تعني "الأسمى" أو "المطهر"، حيث كان يرمز قديماً إلى تطهير الأرض بمياه الفيضان وري المحاصيل بماء النيل الذي يبلغ قمة نقائه في هذا التوقيت.
طوبة ظل محتفظاً بهيبته كونه الشهر الذي يكسر حدة الحرارة
ورغم تغير الظروف المناخية عالمياً، إلا أن طوبة ظل محتفظاً بهيبته كونه الشهر الذي يكسر حدة الحرارة ويستبدلها بصقيع يمتد لليالٍ طويلة، ما يستوجب على المواطنين اتخاذ تدابير احترازية قصوى، خاصة في ساعات الليل المتأخرة والصباح الباكر.
ولا يمكن الحديث عن طوبة دون استحضار المخزون الهائل من الأمثال الشعبية التي صاغها الوجدان المصري عبر القرون؛ فالمصري القديم لم يرى في هذا الشهر مجرد وحدة زمنية، بل جسده ككيان مهيب يمتلك القدرة على تغيير ملامح الحياة اليومية.
ويأتي المثل الأشهر طوبة يخلي الصبية كركوبة كأصدق تعبير عن قسوة البرد التي تنال من عزم الشباب وحيويتهم، فتجعل الشاب اليافع ينحني في مشيته منكمشاً على نفسه كعجوز نالت منه السنون.
هذا الربط بين البرد والعجز البدني المؤقت يعكس دقة ملاحظة المصريين لتأثير انخفاض درجات الحرارة على حركة المفاصل والنشاط العام للإنسان.
وفي زاوية أخرى من زوايا التراث، نجد الأمثال التي تصف عضة البرد وتأثيرها المباشر على الأطراف، مثل قولهم طوبة ينشف العرقوبة، والمقصود بـ العرقوبة هو عصب القدم، في إشارة تقنية شعبية إلى جفاف الجلد وتيبس العضلات من فرط الصقيع.
ولأن طوبة يأتي في منتصف موسم الشتاء، فقد منحوه صفة السيادة والمقارنة بغيره من الشهور، فكانوا يقولون: "طوبة بين كيهك وأمشير.. تطلع البطاطين من السرير"، وهي دعوة صريحة لإعلان حالة الطوارئ المنزلية وإخراج أثقل الأغطية لمواجهة الليالي التي لا ترحم، وهو موروث لا يزال حياً في البيوت المصرية حتى يومنا هذا.
وعلى الصعيد الصحي، يشدد الأطباء بضرورة رفع الكفاءة المناعية خلال هذا الشهر لمواجهة أمراض الشتاء الشائعة.
وينصح الخبراء بضرورة الإكثار من المشروبات الدافئة وتناول الأطعمة الغنية بفيتامين "C" مثل الموالح التي يزدهر حصادها في طوبة، مع التأكيد على أهمية غسل الأيدي بانتظام والتهوية السليمة للمنازل رغم البرودة لمنع انتشار العدوى.
كما تحذر الأرصاد قائدي المركبات من ظاهرة "الشبورة المائية" والضباب الكثيف الذي غالباً ما يصاحب صباحات طوبة الباردة، مما يتطلب الحذر الشديد أثناء القيادة على الطرق السريعة والصحراوية لضمان السلامة العامة.
طوبة شهر الخير والنماء
أما في قطاع الزراعة، فيعتبر طوبة شهر الخير والنماء رغم قسوته؛ ففيه تبدأ الحقول في الازدهار ويغطي الزرع الأراضي، إلا أن هذا الجمال يحمل في طياته مخاطر "الصقيع" التي تهدد المحاصيل الحساسة لذا، توجه وزارة الزراعة توصيات عاجلة للمزارعين بضرورة تنظيم عمليات الري لتقليل أثر البرودة، واللجوء إلى "الري التكميلي" في الليالي المتوقع فيها انخفاض الحرارة لما دون 5 درجات مئوية.
كما ينصح بتعفير المحاصيل بالكبريت الزراعي ورش المركبات الداعمة لتعزيز قدرة النبات على الصمود أمام الصقيع، خاصة لمحاصيل البطاطس، البصل، والثوم التي تمر بمراحل حرج من النمو.
يظل طوبة حالة من التلاحم الفريد بين المصري وبيئته، حيث تزدحم الموائد بالأطباق التراثية مثل "العدس والقلقاس" التي توفر الطاقة اللازمة لمواجهة الصقيع.
ومع دخول يوم الجمعة، سيبدأ المصريون فصلاً جديداً من حكايتهم السنوية مع الشتاء، مستحضرين موروثاً يمتد لآلاف السنين، ومستعدين بالوعي والتدابير الوقائية لمواجهة سيد الصقيع في رحلته التي تستمر حتى الأسبوع الأول من فبراير، انتظاراً لدفء أمشير الذي سيتسلم الراية لاحقاً.