لازمت الآلام المبرحة الناتجة عن مرض سرطان الرئة «جاك بيتون» الذى هو فى الأصل «رفعت الجمال»، والمشهور باسم «رأفت الهجان» فى مسلسل تليفزيونى يحمل نفس الاسم، وكانت آلامه هى الشاغل لزوجته الألمانية «فالتر واد بيتون»، حسبما تذكر فى كتاب «18 عاما خداعا لإسرائيل - قصة الجاسوس المصرى رفعت الجمال»، وتكشف فيه قصتها معه، وتذكر: «فى صباح 30 يناير، مثل هذا اليوم، 1982 ذهبت إلى المستشفى فرأت «جاك» أشبه بطفل صغير من حيث الحجم، وتعلق بألم: «هذا الجسم النحيل الضئيل الذى لا يكاد يرى من تحت الملاءة لا يشبه الرجل الذى جاب بى العالم كله، لم يبق منه الكثير».
تذكر «فالتر» أن الطبيب أمرها بالانصراف فعادت إلى البيت، وفى الساعة الواحدة إلا ربع ظهرا دق جرس التليفون فسارعت إلى السماعة لتسمع صوتا نسائيا باردا: «أود أن أخبرك أن زوجك مات ميتة هادئة، أنا آسفة»، وبعد أن تلقت الخبر بدأت الاتصالات التليفونية، وكانت آخر مكالمة لها مع محمد الجمال الذى لازمهم طوال فترة مرض جاك، وكان يأتى ويجلس معه ساعات طويلة يثرثران باللغة العربية، وتضيف: «قبل ذلك بقى محمد معنا فى البيت عندما جاء إلى ألمانيا لأول مرة، وعاش معنا لفترة باعتباره ابن أستاذه ومدرسه السابق فى مصر، حتى هيأنا له وظيفة فى مستشفى «ماينز» الجامعى كطبيب، وعندها انتقل من عندنا ليعيش فى «ماينز».
حضر محمد الجمال إلى المستشفى ومع زيارته بدأت العاصفة، تقول «فالتر»: «فور وصوله سألنى إذا كان بالإمكان أن ينفرد بى دقائق ليخبرنى بشئ ما، وسألته ما إذا كان يستطيع الانتظار، لكنه أصر مؤكدا أنه من الأهمية بمكان أن أعرف ما يريد أن يقوله لى، وأن من الضرورى أن أعرفه الآن، وقص علىّ قصة لا يمكن تصديقها، إذا قال، إن زوجك ليس اسمه «جاك بيتون» بل «رفعت على سليمان الجمال» وهو عمى، شقيق أبى سامى وليس يهوديا بل مسلما، وعميل سرى لجهاز المخابرات المصرية الذى زرعه فى إسرائيل».
تمكنت الدهشة من «فالتر» ولم تدر كيف تحملت سماع كل ما سبق، لكنها طلبت من محمد تأجيل الحديث فى هذا الموضوع، ثم عادت بذاكرتها إلى اللحظة التى قدم «جاك بيتون» نفسه إليها باعتباره يهوديا فرنسيا، ولد فى المنصورة بمصر فى 23 أغسطس 1929، و أن أباه كان رجل أعمال فرنسيا عمل فى مصر، وتزوج من مصرية ولدت له ابنين، وكان هو الأكبر، وانتحر روبرت الأخ الأصغر، وبعد وفاة أم جاك تزوج أبوه للمرة الثانية من امرأة فرنسية، وأصبحت حياته غير مريحة مع أختيه من زوجة أبيه، وآثر الهرب، تؤكد فالترواد: «تلك هى القصة التى صدقناها دائما، لكنى اكتشفت فور وفاته أن كل ذلك لم يكن حقيقيا».
تصف «فالتر» طبيعة مراسم دفن «جاك بيتون» بعد أن عرفت حقيقة شخصيته: «بدأ الإعداد لمراسم وترتيبات الجنازة، ولما كان مطلب جاك الأخير ألا يدفن فى مقابر اليهود، فقد ذهبت للقس صديقه لأرتب دفنه فى مقابر المسيحيين، لم أجده لأنه كان مسافرا لمصر «لا توضح سبب هذا السفر وعما إذا كان مرتبطا بوفاة جاك»، فقصدت قس القرية المجاورة الذى يحل محله عند غيابه، وشرحت له الأمر، وقلت له إنه يهودى ولا يريد أن يدفن بمقابر اليهود، وأود أن أحترم رغبته وأن أدفنه فى المقابر العادية لقريتنا، وتفهم القس الموقف، وناولته هبة جيدة للكنيسة، وقال إنه سيقوم له بإجراءات الجنازة ويدفنه فى الجبانة العامة».
تؤكد «فالتر» أنها اشترت تابوتا من نوع جيد، وبدأت إجراءات الجنازة فى العاشرة من صباح 3 فبراير 1982، وتذكر: «التزمنا بجميع القواعد والمراسم المتبعة فى ألمانيا واخترنا له الملابس التى سيرتديها، وتضيف: «أغلقنا التابوت وغطيناه بستمائة زهرة حمراء، وفى مكان إجراء المراسم وضعنا سجلا للتوقيعات وتكدست باقات الزهور من كل الأنواع، وأجرى القس جميع الإجراءات، ثم حملوا التابوت فى سيارة مغلقة إلى المقبرة، وتحدث القس مرة ثانية عن مناقبه، وتلا صلاة قصيرة، وهناك وقف محمد الجمال يقرأ القرآن من مصحف معه بصوت عال، والناس مندهشين ينظرون إليه باستغراب، لم يكونوا يعرفون ماذا يقول أو يفعل، وبعد ذلك أنزلوا التابوت فى المقبرة، ونثر الحاضرون الزهور والتراب ثم قدموا إلى عزائهم».
تتحدث «فالتر» عن أحزانها ومواجهتها للحياة منذ اليوم التالى لمراسم الجنازة، وشغلها ما سمعته من محمد الجمال، وتذكر: «لم أستطع أن أفهم سبب أن جاك أضطر إلى أن يكذب علينا جميعا طوال هذه السنوات، أدركت أن هذه مشكلة يتعين على أن أحسمها بنفسى، ورأيت أن أجرى خلال رحلتى الثالثة إلى مصر عملية بحث واسعة النطاق قدر المستطاع عن الحقيقة، وحانت الفرصة سريعا إذ سافرت إلى القاهرة فى العاشر من فبراير 1982.