مدير مركز بروكسل الدولي للبحوث: أي تغيير في التحالفات الأوروبية، وتقارب أوروبي شرقي سوف يصب في مصلحة دول الشرق الأوسط
رمضان أبو جزر: تهديد ترامب لدول أوروبية بعينها اقتصاديا وأحيانا إهانات لرؤساء وقادة عبر مؤتمرات وتغريدات تجعل من عودة الأمور كما كانت شبه مستحيل
عضو الحزب الجمهورى الأمريكي: أوروبا القوية ستكون فاعلة في السياسة الدولية وتعدد الأقطاب يصب في مصلحة العالم النامى
عضو الحزب الجمهورى الأمريكى : لولا ترامب وبوتن لنامت أوروبا في العسل
إحسان الخطيب: أوروبا أهملت بناء قدرة سكري واعتمدت على أمريكا
ماك شرقاوي: المظلة الأمريكية لم تعد مضمونة وأوروبا مضطرة لإعادة رسم تحالفاتها
خبير فى الشئون الامريكية: «آسيا أولًا» أنهت أولوية أوروبا في الحسابات الأمريكية
محلل سياسى: أوروبا أمام اختبار الاستقلال الاستراتيجي بعد تراجع الدور الأمريكي
ماك شرقاوي: الاعتماد الكامل على واشنطن أصبح مخاطرة أوروبية
تخيل قارة أوروبا كغرفة كبيرة، كل دولة فيها تجلس على كرسيها، وبعض الكراسي على وشك الانزلاق. من بعيد، أمريكا تشاهد، لكنها لم تعد تمد يدها كما اعتادت. من الشرق، روسيا تتحرك بثقة، اقتصادها صار آلة حرب حقيقية، تنتج الأسلحة والذخيرة أسرع من كثير من دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة.
كايا كالاس، مسؤولة الدفاع في الاتحاد الأوروبي، وقفت أمام مؤتمر الوكالة الأوروبية للدفاع، وقالت بصراحة: «واشنطن لم تعد تعتبر أوروبا مركز الثقل». الجملة الصغيرة حملت زلزالًا استراتيجيًا: أوروبا عليها أن تعيد رسم حدود تحالفاتها وقدراتها، وإلا سيصبح الخطر الروسي مباشرًا على أبوابها.
الأزمة الروسية والتهديد المتصاعد
روسيا اليوم ليست نفسها التي عرفها الأوروبيون قبل عقد من الزمن. اقتصادها تحول إلى اقتصاد حرب، ينتج الأسلحة والذخيرة بمعدلات أعلى من إنتاج جيوش الدول الـ27 في الاتحاد الأوروبي مجتمعين. التقارير الأولية تشير إلى أن روسيا تصدر أكثر من 500 ألف قطعة ذخيرة سنويًا، بينما تقدر القدرة الإنتاجية الأوروبية بنحو 400 ألف فقط، ما يضع القارة أمام تحدي أمني غير مسبوق. التهديد الروسي لا يقتصر على القوة العسكرية، بل يمتد إلى استغلال مصادر الطاقة والموارد الحيوية، ما يجعل أوروبا مضطرة إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية والاعتماد أكثر على نفسها، بعيدًا عن الدعم الأمريكي الذي اعتادته لعقود.
تحول استراتيجي في العلاقة مع واشنطن
تصريحات كايا كالاس لم تكن مجرد كلمات، بل إشارة حقيقية لتحول أمريكي استراتيجي. فقد أكدت أن واشنطن لم تعد تعتبر أوروبا مركز الثقل أو الحليف المباشر كما كان الحال تاريخيًا، وأن هذا التوجه ليس مرتبطًا بإدارة أمريكية بعينها، بل سيستمر كنهج هيكلي مستقبلي. بالنسبة للعديد من المسؤولين الأوروبيين، هذا يعني أن أوروبا أصبحت مضطرة لاتخاذ قراراتها الدفاعية والسياسية بشكل أكثر استقلالية، مع الحفاظ على علاقة استراتيجية مع واشنطن، لكنها لم تعد تعتمد على الحماية الأمريكية المطلقة، خصوصًا مع تحول التركيز الأمريكي نحو آسيا والصين.
تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية
في مواجهة هذا الضغط، وضعت أوروبا خطة طموحة لتعزيز قدراتها الدفاعية المشتركة، بميزانية تقارب 800 مليار يورو لدعم أوكرانيا وتعزيز منظومة دفاعية متكاملة. وزراء الدفاع يجتمعون في برلين وباريس، يناقشون تحديث الدبابات والطائرات وأنظمة الدفاع الصاروخي، وكل دولة ترسم استراتيجيتها، لكنها تدرك أن الأمان الحقيقي لن يأتي إلا إذا تحرك الجميع معًا. هذا الاستثمار الضخم لا يقتصر على القوة العسكرية فحسب، بل يمثل رسالة سياسية واضحة: أوروبا لم تعد مجرد تابع لواشنطن، بل بدأت تشق طريقها نحو اعتماد ذاتي استراتيجي.
إعادة رسم التحالفات وتوازن القوى
مع هذا التحول، أوروبا أمام إعادة رسم تحالفاتها التقليدية. لم يعد الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة خيارًا وحيدًا، بل أصبح هناك توازن دقيق بين الاستفادة من الدعم الأمريكي والحفاظ على استقلالية القرار الأوروبي. دول الاتحاد الأوروبي الصغيرة تجد نفسها مضطرة للمساهمة في المنظومة الدفاعية المشتركة، بينما الكبار مثل ألمانيا وفرنسا يتحملون العبء الأكبر، لكن الجميع يدرك أن وحدة التحالف هي الطريق الوحيد لمواجهة الضغط الروسي. تحركات روسيا في أوكرانيا وأوروبا الشرقية، والاعتماد على اقتصاد حرب متقدم، تضع القارة تحت ضغط يومي لاتخاذ قرارات استراتيجية صعبة وسريعة.
التحديات المستقبلية
في المستقبل القريب، سيواجه الأوروبيون ثلاثة اختيارات: الاعتماد على أنفسهم بالكامل، التوازن بين الاعتماد الأمريكي والاستقلالية، أو المخاطرة بالتأخر والتعرض للتهديد الروسي بشكل مباشر. الأرقام تشير إلى أن الإنفاق الدفاعي سيزداد بنسبة 30% خلال السنوات الثلاث القادمة، بينما يظل الخطر الروسي قائمًا ومتصاعدًا. كل خطوة، كل قرار، وكل ميزانية دفاعية جديدة تحمل معها رسائل سياسية وأمنية، وتعكس الواقع الجديد الذي لا يمكن تجاوزه بسهولة.
واشنطن تنقلب على الحليف الأوروبي
أكد الدكتور رمضان أبو جزر، مدير مركز بروكسل الدولي للبحوث، في تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع»، أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الطرف الذي انقلب على الحليف الأوروبي، رغم الإرث الطويل من العلاقات الحميمية بين ضفتي المحيط الأطلسي. وأوضح أن مشاعر القلق بدأت تتصاعد لدى القادة الأوروبيين منذ وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، نتيجة سلسلة من الإجراءات والتصريحات الأمريكية.
التعريفة الجمركية وبداية الأزمة الاقتصادية
وأشار أبو جزر إلى أن تهديدات ترامب بفرض تعريفات جمركية على السلع الأوروبية – والتي نُفذت بالفعل – تسببت في أزمات اقتصادية، وأشعلت شهورًا طويلة من المفاوضات الشاقة بين الطرفين، واضعة الاقتصاد الأوروبي في حالة مواجهة مباشرة مع الاقتصاد الأمريكي. كما مثّل انسحاب الولايات المتحدة من دعم أوكرانيا بشكل مباشر، بالتوازي مع دول الاتحاد الأوروبي، نقطة تحول اعتبرها القادة الأوروبيون تخليًا أمريكيًا واضحًا عن مصالح أوروبا.
رفع الإنفاق الدفاعي.. المفصل الحقيقي في الخلاف
ولفت إلى أن المفصل الحقيقي في الأزمة جاء قبل أشهر، عندما فرض الرئيس ترامب على الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج القومي، وهي نسب وصفها بـ«الفلكية»، مؤكدًا أنها تضغط بشدة على دافعي الضرائب الأوروبيين، وتخلق أزمات اقتصادية مضاعفة، فضلًا عن أنها تصب في مصلحة صعود اليمين المتطرف في عدد من الدول الأوروبية، وتؤثر سلبًا في النسيج السياسي والاجتماعي للقارة.
جرينلاند تُحسم الاتجاه الأوروبي
وأوضح أبو جزر أن مستقبل العلاقات الأوروبية الأمريكية، بعد سلسلة الصدامات الأخيرة في ملفات عدة، وآخرها رغبة الرئيس ترامب في السيطرة على جزيرة جرينلاند – التابعة لإحدى دول الاتحاد الأوروبي – دفع الأوروبيين إلى حسم موقفهم بعدم العودة إلى الوراء. وأكد أن الولايات المتحدة لم تعد تُعد حليفًا موثوقًا، وهو ما دفع أوروبا، بقيادة فرنسا وألمانيا، إلى العمل على بلورة سياسة خارجية وأمنية مستقلة عن واشنطن وحلف الناتو، مع إمكانية تشكيل نواة جيش أوروبي موحد خلال الفترة المقبلة.
إهانات ترامب تُغلق باب العودة
وأشار إلى أن تهديدات ترامب المتكررة لبعض الدول الأوروبية اقتصاديًا، إلى جانب الإهانات التي طالت قادة أوروبيين عبر المؤتمرات الصحفية والتغريدات، جعلت من عودة العلاقات إلى سابق عهدها أمرًا شبه مستحيل، مؤكدًا أن «أوروبا اليوم ليست أوروبا الأمس» في علاقتها مع الولايات المتحدة.
تقارب محتمل مع روسيا وشراكات جنوب المتوسط
وأضاف أبو جزر أنه لا يستبعد لجوء أوروبا إلى البحث، عبر قنوات خلفية، عن تقارب مع روسيا، بعيدًا عن عباءة ترامب وخطته للسلام التي يرى أنها تبتز جميع الأطراف، بما في ذلك الجانب الروسي. وأوضح أنه في حال توافر الإرادة والحنكة السياسية، قد يتم التوصل إلى اتفاق يخفف من الاستنزاف على الحدود الشرقية، ويفتح الباب أمام تفعيل شراكات حقيقية مع دول جنوب المتوسط، وعلى رأسها مصر ودول شمال أفريقيا، باعتبارها الجار الأقرب تاريخيًا وجغرافيًا لأوروبا.
مكاسب محتملة للشرق الأوسط
وأكد أن أي تغيير في التحالفات الأوروبية، أو تقارب أوروبي شرقي، سيصب في مصلحة دول الشرق الأوسط، وبخاصة مصر ودول الخليج وشمال أفريقيا، موضحًا أن تراجع الشراكة الأوروبية الأمريكية سيدفع أوروبا للبحث عن بدائل موثوقة، تتمثل في الدول الأكثر استقرارًا وامتلاكًا لمصادر الطاقة. واعتبر أن هذه التحولات تمثل فرصة حقيقية لمصر كي تكون لاعبًا دوليًا على مسافة واحدة من جميع الأطراف.
زيارة السيسي لبروكسل.. ترجمة عملية للتحول
وأشار إلى أن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة إلى بروكسل، والتي حظيت باهتمام واسع من قادة الاتحاد الأوروبي، وأسفرت عن توقيع اتفاقيات متعددة، يمكن أن تتطور إلى شراكة استراتيجية بين مصر والاتحاد الأوروبي، بما يحقق مكاسب كبيرة للطرفين في ظل التوتر بين واشنطن وبروكسل.
أوروبا مطالبة بالاعتماد على نفسها
من جانبه، قال الدكتور إحسان الخطيب، عضو الحزب الجمهوري الأمريكي، في تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع»، إن أوروبا مطالبة بالاعتماد على نفسها والتحول إلى قوة عسكرية توازي قوتها الاقتصادية. وأوضح أن المخاوف التاريخية من صعود قوة عسكرية أوروبية، خاصة ما يتعلق بألمانيا، لم تعد مبررة في ظل التهديد الروسي الراهن.
ديون أمريكية ومواجهة الصين
ولفت الخطيب إلى أن الولايات المتحدة تعاني دينًا عامًا يقدر بنحو 38 تريليون دولار، ما يشكل عبئًا هائلًا على دافعي الضرائب، في وقت تستعد فيه واشنطن لمواجهة التحدي الصيني. وأضاف: «لولا ترامب وبوتين، لكانت أوروبا تنام في العسل»، مشددًا على أن العلاقات الدولية تحكمها المصالح، لا المثاليات.
تعدد الأقطاب في مصلحة العالم النامي
وأكد أن أوروبا شريك مهم للولايات المتحدة، لكن أسلوب ترامب يفتقر للدبلوماسية، رغم أنه دفع أوروبا لتحمل مسؤولياتها العسكرية بعد سنوات من الاتكال على واشنطن. واختتم الخطيب بالتأكيد على أن أوروبا القوية ستكون فاعلًا أكبر في السياسة العالمية، وأن تعدد الأقطاب يصب في مصلحة دول العالم النامي، حيث يفتح باب التنافس بين القوى الكبرى لتحقيق مكاسب أوسع.
تحولات التحالفات عبر الأطلسي: قراءة في المشهد الجيوسياسي
يرى الدكتور ماك شرقاوي، المحلل السياسي المتخصص في الشأن الأمريكي، أن التحولات الجيوسياسية الراهنة لم تعد مجرد توقعات نظرية، بل أصبحت واقعًا ملموسًا على الأرض، انعكس بشكل مباشر على طبيعة التحالفات الدولية، وعلى رأسها التحالف عبر الأطلسي.
ويؤكد شرقاوي أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) وجد نفسه خلال السنوات الأخيرة أمام معادلة غير مسبوقة، إذ لم يعد وجود الولايات المتحدة داخل الحلف أمرًا مُسلَّمًا به كما كان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، خاصة أن واشنطن تمثل نحو 25% من إجمالي القوة العسكرية للحلف. هذا التحول خلق شعورًا متزايدًا داخل أوروبا بأن المظلة الأمريكية لم تعد مجانية أو مضمونة على المدى الطويل، وأن الاعتماد المطلق عليها أصبح خيارًا محفوفًا بالمخاطر.
«آسيا أولًا»… وأوروبا في المرتبة الثانية
ويشير شرقاوي إلى أن الاستراتيجية الأمريكية الحديثة، التي أُعلنت في نوفمبر 2025 في عهد الرئيس دونالد ترامب، عكست بوضوح توجه واشنطن نحو سياسة «آسيا أولًا»، حيث باتت الصين تُصنَّف باعتبارها التحدي الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة. ونتيجة لذلك، تراجع الوزن النسبي لأوروبا في حسابات صانع القرار الأمريكي، ولم تعد القارة العجوز تحتل موقع الصدارة في أولويات السياسة الخارجية الأمريكية كما كان الحال في العقود السابقة.
ويضيف أن واشنطن باتت تتعامل مع الملف الروسي من زاوية الاحتواء وإدارة الصراع، عبر محاولات تحريك مسار تسوية بين موسكو وكييف، بما يخدم مصالحها الاستراتيجية الأوسع، وليس بالضرورة المصالح الأوروبية المباشرة.
الرسوم الجمركية وأزمة الثقة
ويرى المحلل السياسي أن السياسات الحمائية التي انتهجها الرئيس ترامب، وعلى رأسها فرض رسوم جمركية على دول أوروبية حليفة، تسببت في توترات اقتصادية حادة، وألحقت ضررًا مباشرًا بالصناعات الأوروبية، ما عزز الشعور داخل العواصم الأوروبية بأن هذه الإجراءات تمثل اعتداءً على روح التحالف التاريخي، وتكشف عن تحول العلاقة من شراكة استراتيجية إلى منافسة اقتصادية مفتوحة.
معضلة أمنية واقتصادية
وحول التحديات التي تواجه أوروبا، يؤكد شرقاوي أن الأزمة الأساسية هي أزمة أمنية بامتياز. فالاعتماد المفرط على الناتو، وعلى الولايات المتحدة تحديدًا، أصبح عبئًا سياسيًا واقتصاديًا، خاصة في ظل مطالبة واشنطن دول الحلف برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج القومي.
ويلفت إلى أن الناتج القومي الأمريكي يقدَّر بنحو 31 تريليون دولار، ما يعني أن واشنطن تتحمل إنفاقًا يقارب 1.6 تريليون دولار سنويًا ضمن ميزانية الناتو، وهي الأكبر في تاريخ الحلف. في المقابل، تعجز عدة دول أوروبية عن الوفاء حتى بنسبة 2% التي كانت مقررة سابقًا، فضلًا عن القفز إلى 5%، في ظل أزمات اقتصادية خانقة.
جيش أوروبي وأزمة طاقة
ويشير شرقاوي إلى أن هذا الواقع دفع قادة أوروبيين، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بدعم جزئي من المستشار الألماني، إلى طرح فكرة بناء قدرات دفاعية أوروبية مستقلة، وصولًا إلى إنشاء جيش أوروبي موحد. غير أن هذه الخطوة، بحسب شرقاوي، ستتطلب كلفة مالية باهظة، في وقت تعاني فيه القارة من تضخم وأزمات مالية متراكمة.
وتفاقم أزمة الطاقة المشهد، إذ تعاني أوروبا فقرًا حادًا في الموارد الطبيعية، واعتمادًا تاريخيًا على الغاز الروسي منخفض التكلفة. ومع إغلاق هذا المسار، وارتفاع أسعار الطاقة، بدأت صناعات أوروبية كبرى في مغادرة القارة، بحثًا عن بيئات إنتاج أقل تكلفة.
صعود اليمين المتشدد وتهديد وحدة القرار
ويحذر شرقاوي من أن تماسك الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو يواجه تحديًا داخليًا متصاعدًا، يتمثل في صعود التيارات اليمينية المتشددة في عدد من الدول الأوروبية. هذه التيارات، التي تركز على ملفات الهجرة ورفض دعم أوكرانيا، تهدد وحدة القرار الأوروبي، وتضعف القدرة على الاستمرار في مواجهة المطالب الروسية، خاصة ما يتعلق بالأقاليم الأربعة وشبه جزيرة القرم.
إعادة رسم التحالفات… بحذر
ويخلص المحلل السياسي إلى أن أوروبا باتت مضطرة لإعادة رسم خريطة تحالفاتها، ولكن بحذر شديد. فالقارة تدخل مرحلة البحث عن استقلال استراتيجي حقيقي، يقوم على تنويع الشركاء وعدم حصر المصالح في الإطار الأمريكي وحده.
ويؤكد أن أوروبا تسعى لتعزيز علاقاتها مع دول الجنوب العالمي، مثل الهند والبرازيل، ومع الشرق الأوسط ودول الخليج، ليس فقط كأسواق تجارية، بل كشركاء سياسيين واستراتيجيين. كما يرى أن تعميق العلاقة مع الصين أصبح خيارًا مطروحًا، رغم الحساسية الأمريكية تجاه هذا التقارب.
انعكاسات مباشرة على الشرق الأوسط
وعن تأثير هذه التحولات على الشرق الأوسط، يرى شرقاوي أن أوروبا تتعامل مع المنطقة بمنطق أكثر براغماتية من واشنطن، حيث تحكم علاقاتها اعتبارات الطاقة، وضبط الهجرة غير الشرعية، والاستقرار الأمني، حتى لو جاء ذلك على حساب الخطاب التقليدي المتعلق بحقوق الإنسان والديمقراطية.
ويشير إلى أن هذا الواقع يمنح دول المنطقة، وعلى رأسها مصر ودول الخليج والمغرب العربي، هامشًا أوسع للمناورة وتنويع التحالفات، بما يحقق مكاسب استراتيجية في ملفات حساسة، مثل القضية الفلسطينية، وتوطين التكنولوجيا، والاستثمار الصناعي.
ويختتم شرقاوي بأن تراجع الانخراط الأمريكي المباشر في أزمات الشرق الأوسط قد يفتح المجال أمام دور أوروبي أكثر فاعلية على الأرض، لا يقتصر على الدعم المالي، بل يمتد إلى المشاركة السياسية والأمنية، خاصة في ملفات مثل ليبيا ولبنان وغزة، مؤكدًا أن هذه التحولات سيكون لها تأثير عميق على توازنات القوى الدولية خلال المرحلة المقبلة.
أوروبا اليوم على صفيح ساخن عليها إعادة رسم خريطة تحالفاتها، وتقييم قدراتها الدفاعية، والتعامل مع تهديد روسي متنامٍ في وقت تتراجع فيه الأهمية التقليدية لدعم واشنطن، المستقبل القريب سيحدد مدى قدرتها على تحمل الضغط الاستراتيجي والسياسي والعسكري، وعلى الحفاظ على مكانتها كقوة أوروبية فاعلة، قادرة على حماية نفسها ومستقبل المنطقة.