مصطلح «الشراكة» بين مصر وأوروبا ليس جديدا على الإطلاق، ولا يرتبط فى واقع الأمر بالتطور الكبير الذى شهدته العلاقة بين الجانبين فى الآونة الأخيرة، وإنما يعود إلى عام 2004، عندما وقعت القاهرة اتفاقية الشراكة المصرية الأوروبية، والتى دارت بشكل رئيسى حول قضية التبادل التجارى وإزالة الرسوم الجمركية على الصناعات، وتسهيل تجارة المنتجات الزراعية وفتح الباب أمام حوار سياسى واقتصادى واجتماعى لتعزيز التنمية المشتركة، إلا أنه لم يخرج فى واقع الأمر بعيدا عن الحالة الدولية السائدة خلال تلك الحقبة، والتى جعلت من المبادئ التى أرستها واشنطن منذ بزوغ نجمها على الساحة الدولية فى الأربعينيات من القرن الماضى، ثم سعت إلى تعزيزها فى أعقاب الحرب الباردة فى أوائل التسعينات.
للاطلاع على العدد الخاص بدبلوماسية الرئيس السيسى اضغط هنا..
والواقع أنه لو كانت الظروف الدولية قد فرضت بنودها، والتى اتسمت بالتقليدية السياسية، على اتفاقية الشراكة الأولى فى 2004، بين مصر وأوروبا، فإن القاهرة تمكنت من فرض رؤيتها فى نهاية المطاف بفضل جهود الرئيس السيسى خلال السنوات العشر الأخيرة، وذلك انطلاقا من خلق حالة توافقية حول العديد من القضايا المشتركة، والمصالح بين الجانبين، لتضفى دما ولحم للاتفاق بين الجانبين، ويصبح تجسيدا لعلاقة مصلحية ندية، وليست علاقة مانح بممنوح، وهو ما أضفى مزيد من الزخم، فلم تعد مصر عبئا على القارة العجوز، وإنما فى واقع الأمر طرفا فاعلا فى حل أزماتها.
الاتفاق الأول بين مصر وأوروبا وضع بنودا مهمة، تراوحت بين تحرير التجارة، ودعم الاصلاح الاقتصادى فى مصر، ومكافحة الإرهاب، وكلها عناوين مهمة، ظهرت فيها القاهرة باعتبارها الطرف الأكثر استفادة، بينما كانت الرؤية الأوروبية قائمة فى ذلك الوقت على حقيقة أن الاستقرار فى دول الجوار، يعزز الاستقرار فى القارة، ولكنها كانت رؤية نظرية أكثر منها عملية، فلم تكن أوروبا فى المواجهة المباشرة مع أى تحديات، وهو ما اختلف كليا فى العقد الماضى، وبالتزامن مع ما يسمى «الربيع العربى».
ومع اندلاع الاحتجاجات، ودخول الشرق الأوسط فى دوامة الفوضى، نجد أن ثمة موجات من اللاجئين باتت تطرق أبواب أوروبا الغربية، وهو ما ساهم فى خلق تهديدات اقتصادية، جراء ما يمثله اللاجئون من عبء كبير، سواء على الاقتصاد الكلى للدولة أو فى إطار حياة المواطن، الذى وجد نفسه فى منافسة مع مواطنى دول أخرى جاءوا لمزاحمته فى العمل والموارد، إلى جانب تهديدات أمنية جراء تسلل عناصر متطرفة تمثل تهديدا صريحا، ناهيك عن استحداث أزمة هوية، فى ظل استضافة مواطنين قدموا للتو من بيئات مغايرة، ثقافيا واجتماعيا، وهو ما يختلف جذريا عن المهاجرين الأوائل الذين تركوا أجيالا ولدت على تلك الرقعة الجغرافية فصاروا جزء من عاداتها وتقاليدها ومجتمعها، وإن اختلفت الأديان أو العقائد.
هنا أصبحت الشراكة التقليدية بين مصر وأوروبا، غير كافية، ولا تتواءم مع المعطيات الجديدة، فى ضوء العديد من الأبعاد، ربما أبرزها قدرة الدولة المصرية على استيعاب المهاجرين، ليس عبر خيام أو مجتمعات منفصلة، وإنما من خلال دمجهم ليكونوا جزء من المجتمع، بالإضافة إلى قدرتها غير المتناهية على دحض الإرهاب، وبالتالى أصبح الخلل فى منظومة الاستقرار المصرية، تهديدا للحالة الأوروبية، لتتحول النظرية إلى حالة حقيقية باتت فى حاجة إلى التطبيق، بعيدا عن النمطيات التى سادت الحقبة الدولية، فى إطار الحديث عن المبادئ الجامدة التى طالما روج إليها الغرب، بقيادة أمريكا، لعقود طويلة.
فلو نظرنا إلى أهم اتفاقات الشراكة الاستراتيجية بين مصر والاتحاد الأوروبى نجد أن ثمة أبعادا جديدة، أهمها تعزيز الاقتصاد المصرى فى صورته الكلية، عبر حزمة الدعم المالى الكلى، وضخ المليارات فى صورة قروض ميسرة ومنح والهدف دعم استقرار العمل والميزان الخارجى، وهو ما يعكس رؤية أوروبية قائمة فى الأساس على أن استقرار مصر يمثل مصلحة أوروبية مباشرة، بينما قدمت دعما مباشرا للقطاع الخاص والمشروعات الانتاجية باعتبارها أكثر قدرة على احتواء البطالة وتشغيل الشباب.
بعدا آخر تناول قطاع الطاقة تحديدا، فى ظل أزمات دولية كبيرة تمثل تهديدا كبيرا لسلاسل التوريد الأوروبى، خاصة فيما يتعلق بالغاز الطبيعى، وهو ما بدا منذ اندلاع الأزمة فى أوكرانيا، وبالتالى كانت الحاجة الملحة للبحث عن بدائل وتنويع المصادر، وكانت مصر أحد أهم البدائل فى هذا الإطار، فكان الاتحاد الأوروبى أبرز الداعمين لدورها كمركز إقليمى للطاقة، ولتصدير الغاز المسال للأسواق الأوروبية، بالإضافة إلى دعمها فى إطار الطاقة المتجددة، عبر تعزيز قدرتها على انتاج الهيدروجين الأخضر.
وتضمنت الشراكة اتفاقات أمنية لمكافحة الإرهاب، وبرامج لمكافحة الهجرة غير النظامية، وتقديم فرص للتدريب المهنى وربط التعليم بسوق العمل فى أوروبا، ناهيك عن تعزيز الحوار السياسى، حول القضايا الكبرى، وهو ما تجلى فى التوافقات الكبرى حول فلسطين، وليبيا والاعتراف بدور مصر كوسيط إقليمى بارز.
الشراكة الاستراتيجية بين مصر وأوروبا ليست مجرد اتفاقية تقليدية، ذات طابع بروتوكولى، وإنما تجاوزت ذلك نحو إطار منظم للعلاقة على أساس المصلحة المشتركة، بعيدا عن التنظير السياسى، ومحاولات الابتزاز التى هيمنت على العلاقات الدولية فى صورتها الكلية خلال عقود ما بعد الحرب الباردة، وهو ما يعكس نجاحا منقطع النظير حققته القاهرة فى الانتصار لرؤيتها، وكذلك مرونة أوروبية فى الاستجابة إلى معطيات الحقبة الدولية الجديدة.
