الشيخ هايل أبو الحصين يكتب: دبلوماسية الردع السياسى.. كيف أجهضت مصر مخطط التهجير وحاصرت العدوان دبلوماسيا؟.. لم تنتظر القاهرة تطورات الميدان وبادرت لتثبيت موقف حاسم جعل من أى حديث عن التهجير مقامرة سياسية مكلفة

السبت، 03 يناير 2026 07:00 م
الشيخ هايل أبو الحصين يكتب: دبلوماسية الردع السياسى.. كيف أجهضت مصر مخطط التهجير وحاصرت العدوان دبلوماسيا؟.. لم تنتظر القاهرة تطورات الميدان وبادرت لتثبيت موقف حاسم جعل من أى حديث عن التهجير مقامرة سياسية مكلفة الشيخ هايل أبو الحصين

فى خضم عدوانٍ مفتوح على قطاع غزة لم يكن يستهدف الحجر فحسب، بل الإنسان والهوية والمستقبل، برزت الدبلوماسية المصرية، بقيادة الرئيس السيسى، كقوة ردع سياسى حقيقية، ونجحت فى كبح أخطر سيناريو كان يُراد فرضه على المنطقة: تهجير الفلسطينيين وتصفية قضيتهم تحت غطاء الحرب

 

أولًا: موقف سيادى لا يقبل الالتفاف

منذ اللحظة الأولى، أعلن الرئيس السيسى بوضوح أن تهجير الفلسطينيين خط أحمر لا يمكن القبول به أو التفاوض حوله، لأنه لا يشكل فقط جريمة بحق الشعب الفلسطينى، بل يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومى المصرى، وضربًا لأسس الاستقرار الإقليمى. هذا الإعلان لم يكن توصيفًا عاطفيًا، بل إعلان سياسة دولة، أُرفق بإجراءات وتحركات دبلوماسية جعلت الرسالة تصل إلى جميع الفاعلين الدوليين دون لبس.


لقد قطعت مصر الطريق أمام محاولات تمرير التهجير كـ«حل إنسانى»، وأعادت توصيفه الصحيح باعتباره جريمة حرب وتطهيرًا عرقيًا مرفوضًا وفق القانون الدولى، وبذلك نزعت الشرعية السياسية والأخلاقية عن أحد أخطر مشاريع العدوان.

 

ثانيًا: إدارة الصراع لا الاكتفاء بإدانته

على عكس كثير من المواقف الدولية التى اكتفت ببيانات القلق والإدانة، اختارت القاهرة إدارة الصراع دبلوماسيًا، مستخدمة ثقلها السياسى وعلاقاتها الدولية لفرض معادلة جديدة: وقف العدوان أولًا، ثم معالجة التداعيات الإنسانية دون المساس بالثوابت السياسية.


تحركت مصر على مسارات متوازية مع واشنطن، والعواصم الأوروبية، ومجلس الأمن، والأمم المتحدة، مستخدمة لغة المصالح حينًا، ولغة القانون الدولى حينًا آخر، لتأكيد أن استمرار العدوان سيؤدى إلى انفجار إقليمى لا يمكن احتواؤه، هذا الأسلوب الواقعى الصارم وضع القوى الكبرى أمام مسؤولياتها، وقلّص هامش المناورة أمام داعمى العدوان.

 

ثالثًا: من الوساطة التقليدية إلى الفعل السياسى المؤثر

لم تعد الوساطة المصرية مجرد دور تقنى لتمرير رسائل بين أطراف النزاع، بل تحولت إلى أداة تأثير سياسى مباشر، فالقاهرة لم تسعَ فقط إلى تهدئة مؤقتة، بل إلى وقف شامل لإطلاق النار، وفتح المعابر، وضمان تدفق المساعدات دون ابتزاز سياسى أو أمنى.


وفى الوقت الذى حاولت فيه بعض الأطراف حصر الدور المصرى فى البعد الإنساني، أصرت القاهرة على الربط بين الإغاثة ووقف العدوان، معتبرة أن معالجة النتائج دون معالجة السبب تمثل تواطؤًا غير مباشر مع استمرار الجريمة.

 

رابعًا: تفكيك الرواية الإسرائيلية دوليًا

أحد أهم أدوار الدبلوماسية المصرية تمثل فى تفكيك الرواية الإسرائيلية التى سعت إلى تبرير العدوان وتسويق التهجير كخيار اضطرارى، فقد عملت القاهرة على إعادة توجيه النقاش الدولى نحو جوهر الصراع: الاحتلال، والحصار، وانتهاك القانون الدولى الإنسانى.


وبهذا الجهد، ساهمت مصر فى إعادة الاعتبار للحقوق الفلسطينية داخل المحافل الدولية، ومنعت تحويل غزة إلى مجرد ملف إغاثى منزوع السياسة، وهو ما كان سيشكل انتصارًا مجانيًا للاحتلال.

 

خامسًا: تثبيت مركزية الحل السياسى

فى مواجهة محاولات القفز على الحل النهائى، شددت مصر على أن أى تهدئة لا يمكن أن تكون بديلًا عن حل سياسى عادل، وأن وقف العدوان يجب أن يكون مدخلًا حقيقيًا لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.


هذا الإصرار المصرى أعاد ضبط البوصلة، ومنع تمييع القضية أو ترحيلها إلى مسارات غامضة بلا سقف زمنى أو ضمانات.
 

سادسًا: اللجنة المصرية فى غزة… شهادة الميدان باسم شيوخ ومخاتير القطاع
 

من موقع المسؤولية الاجتماعية والوطنية، وباسم شيوخ ومخاتير ووجهاء عائلات قطاع غزة، نؤكد أن الدور الذى قامت وتقوم به اللجنة المصرية العاملة فى قطاع غزة لم يكن دورًا إغاثيًا عابرًا أو موسميًا، بل مثّل حضورًا إنسانيًا أصيلًا فى واحدة من أقسى مراحل العدوان والحصار، حين اشتدت الحاجة، واشتد معها الرهان على كسر إرادة الناس ودفعهم قسرًا نحو التهجير.


لقد لمس أبناء القطاع، فى الشمال والجنوب، الأثر المباشر لعمل اللجنة المصرية، التى واصلت نشاطها فى ظل ظروف أمنية وإنسانية بالغة القسوة، فعملت على تنظيم مراكز الإيواء، وتوسيع المخيمات، وتأمين مستلزمات الحياة الأساسية من غذاء ومياه ومواد إغاثية وطبية، إلى جانب دعم الأسر المنكوبة، والنازحين، وكبار السن، والأطفال، دون تمييز أو اعتبارات فئوية أو جغرافية.


وإننا، إذ نثمّن هذا الجهد، نؤكد أن ما ميّز عمل اللجنة المصرية لم يكن حجم المساعدات فقط، بل فلسفة هذا العمل، القائمة على تعزيز صمود الإنسان الفلسطينى فوق أرضه، ورفض تحويل الإغاثة إلى أداة ضغط أو مقايضة سياسية، فقد جاءت المساعدات المصرية لتقول بوضوح إن الإغاثة حق، وإن البقاء فى الأرض حق، وإن مواجهة الكارثة الإنسانية لا تعنى القبول بالحلول المفروضة على حساب الكرامة الوطنية.


لقد ساهم حضور اللجنة المصرية داخل غزة فى إفشال أحد أخطر أركان مخطط التهجير، الذى راهن على تعميق المأساة الإنسانية ودفع الناس إلى الخروج القسرى بحثًا عن النجاة، فجاءت الإغاثة المصرية لتُسقط هذا الرهان، وتثبت أن غزة يمكن أن تُسند فى محنتها وهى ثابتة فى أرضها، لا مُهجّرة عنها ولا مُفرغة من أهلها.


كما نؤكد أن اللجنة المصرية لم تنفصل فى عملها عن الموقف السياسى المصرى الرافض للتهجير، بل كانت امتدادًا عمليًا لهذا الموقف، حيث التزم عملها الإنسانى بثوابت واضحة، أهمها: دعم المدنيين دون شرعنة العدوان، وتقديم المساعدة دون تكريس واقع الاحتلال، وربط الإغاثة بالصمود لا بالاقتلاع.


وإننا، باسم شيوخ ومخاتير ووجهاء عائلات غزة، نعتبر أن هذا الحضور المصرى الإنسانى شكّل درعًا واقيًا للمجتمع الفلسطينى فى لحظة مفصلية، ورسالة تضامن حقيقية لم تقتصر على الخطاب، بل تجسدت فى الفعل اليومى والعمل الميدانى المتواصل، وفى الوقوف إلى جانب الناس فى خيامهم ومخيماتهم وتحت أنقاض بيوتهم.


وفى هذا السياق، نثمّن عاليًا الجهود التى بذلتها وتبذلها اللجنة المصرية، ونعبر عن تقديرنا العميق للدور المصرى، قيادةً وشعبًا، الذى أثبت أن دعم غزة ليس موقفًا إعلاميًا أو ظرفيًا، بل التزام أخلاقى وتاريخى، يؤكد وحدة المصير، وعمق الروابط، ويجسد معنى الشراكة فى المعاناة والصمود.

خاتمة: مصر كحائط صد أخير

إن ما قامت به مصر، بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى، خلال هذه الأزمة، يؤكد أن القاهرة ما زالت تمثل حائط الصد الأخير أمام محاولات تصفية القضية الفلسطينية، فالدبلوماسية المصرية لم تكن رد فعل، بل فعلًا استباقيًا، جمع بين الصلابة السياسية والمرونة التكتيكية، وبين الدفاع عن الأمن القومى المصرى والانحياز الواضح لحقوق الشعب الفلسطينى.
وفى زمن تتراجع فيه المواقف وتُباع فيه القضايا، اختارت مصر أن تكون فى موقع المسؤولية التاريخية، لتؤكد أن فلسطين ليست ملفًا عابرًا فى أجندة السياسة، بل قضية مركزية لا تسقط بالتقادم ولا تُصفّى تحت ضغط السلاح.

9



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة