في زاوية صغيرة بحي "الخليفة" بالقاهرة، كانت "أم مالك" تنظر إلى أكوام الورق والكرتون القديم المتراكم بجوار مدرستها الابتدائية، لا مخلفات، بل ككنزٍ مفقود، كانت تلك هي الشرارة التي التقت مع مبادرة وزارة البيئة المصرية "الورق أغلى من إنه يترمي"، التي أُطلقت لتحويل مسارات التدوير في الأحياء الشعبية.

احدى ورش التدريب على اعادة تدوير الورق
شرارة الخليفة"
تبدأ القصة عندما شاركت "أم مالك" في إحدى الورش التدريبية التي نظمتها الوزارة بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني، هناك لم تتعلم فقط كيف تعيد تدوير الورق، بل تعلمت كيف تعيد تدوير حياتها هي الأخرى، كنت أظن أن الورق ينتهي بمجرد الكتابة عليه، لكنني اكتشفت أن ألياف الورق مثل الروح، يمكنها أن تعود للحياة سبع مرات في أشكال مختلفة".
اعتمد تقرير الوزارة على ثلاثة محاور إنسانية وتقنية لضمان نجاح المبادرة، التمكين الاقتصادي توفير "مكابس" يدوية صغيرة للسيدات في المنازل لإنتاج ورق معاد تدويره يستخدم في صناعة كروت الهدايا والأكياس الورقية ربط المدارس والجامعات بمصانع الورق الكبرى لضمان توريد الهالك المدرسي مباشرة، مما يمنع حرق الورق أو التخلص منه بطرق تضر البيئة، حيث أن كل طن ورق يتم تدويره ينقذ 17 شجرة كاملة من القطع، ويوفر آلاف الجالونات من المياه.

قصص كفاح البسطاء
لم يعد الحي يشتكي من تراكم الورق، بل تحول القبو القديم في مركز الشباب إلى معرض لمنتجات الورق اليدوى، "أم مالك" اليوم تدير فريقاً من عشر سيدات، يصدرن "أظرفاً ورقية" صديقة للبيئة لمحلات الهدايا الكبرى، بدعم تسويقى من الوزارة تحت علامة تجارية محلية.
إن إعادة تدوير الورق ليست مجرد عملية كيميائية لتحويل السليلوز، بل هي فلسفة "الفرصة الثانية"، وزارة البيئة لم تنجح فقط في تقليل الانبعاثات الكربونية، بل نجحت في كتابة سطر جديد في قصة كفاح الآلاف من البسطاء، فنحن لا ننقذ البيئة فحسب، نحن نصنع مستقبلاً أكثر نظافة وإنصافا.

اعادة تدوير ورق الكارتون
مكابس الأمل
كشف تقرير وزارة البيئة عن مجموعة من المؤشرات التي تعكس حجم الإنجاز الذي حققته مبادرة إعادة تدوير الورق خلال عامها الأول، والأثر البيئي من إنقاذ الرئة الخضراء ، لكل ورقة نلقيها في سلة المهملات بدلاً من إعادة تدويرها حيث تعد خسارة فادحة للموارد.
قصاصات ورق الكارتون
فاتورة الأوكسجين
وبحسب الإحصائيات المعتمدة في المشروع، فإن تدوير طن واحد من الورق يحقق النتائج حماية الأشجار بمنع قطع 17 شجرة بالغة قادرة على امتصاص كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون، إضافة الى توفير الطاقة، اذا ان استهلاك طاقة أقل بنسبة 40% مقارنة بإنتاج الورق من الألياف البكر للأشجار، إضافة الى ترشيد المياه حيث يتم توفير ما يقرب من 26,000 لتر من المياه، وهي كمية تكفي لاحتياجات أسرة كاملة لعدة أشهر كما انه من الاثار البيئية أيضا خفض وتقليل انبعاثات الغازات الدفيئة بمقدار طن واحد من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.

اعادة تدوير ورق الكارتون
اقتصاد العقول
أما الأثر الاقتصادي والتشغيلي لم تكن المبادرة مجرد نشاط بيئي، بل كانت محركاً اقتصادياً محلياً، حيث أنه يتيح خلق عدد من فرص العمل تصل لحوالى 1,200 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة سواء في الجمع، أو الكبس، أو التصنيع اليدوي).
وكمية الورق المجموع من الجمع والتدوير أكثر من 500,000 طن من الهالك المكتبي والمدرسي، إضافة الى دعم المشروعات الصغيرة بتمويل 45 ورشة صغيرة للسيدات والشباب لـ إنتاج الورق اليدوي، الامر الذى يؤدى في النهاية الى تقليل النفايات، وبالتالي خفض حجم النفايات الورقية الموجهة للمدافن الصحية بنسبة تصل الى 25% في المناطق المستهدفة.

قصاصات الجرايد كنز
الورق باب رزق
تشير هذه الأرقام إلى أن الاستثمار في "العقول" التي تدير عملية التدوير لا يقل أهمية عن الاستثمار في "المصانع" التي تعيد التصنيع، بينما كانت "أم مالك" تلمس ملمس الورق الناعم الناتج عن ورشتها الصغيرة، كانت الأرقام في مكاتب وزارة البيئة تتصاعد لتعلن نجاح تجربة فريدة ، إنها قصة تكاتف فيها "الرقم" مع "الإنسان" لنرسم معاً خريطة طريق لمستقبل أخضر.

الورق الصديق للبيئة بعد تصنيعه
الورق الابيض خلال اعادة تدويره