سيطر اليأس على البحرية الإسرائيلية، فى الساعة السادسة مساء 28 يناير، مثل هذا اليوم، 1968، لفقدان أملها فى العثور على بحارة الغواصة «داكار» المفقودة منذ 25 يناير 1968، وعلى متنها 69 ضابطا وجنديا إسرائيليا، حسبما يذكر تقرير نشرته جريدة «الأهرام» فى صفحتها الأولى يوم 29 يناير 1969.
قالت «الأهرام»، إن السادسة مساء كان موعد نفاد خزانات احتياطى الأكسجين فى الغواصة، وأن محطة إذاعة البحرية الإسرائيلية، واصلت منذ صباح «28 يناير» إرسال نداءات الاستغاثة إلى جميع السفن فى شرقى البحر المتوسط، تدعو الموجود منها فى دائرة قطرها 100 ميل، وهو آخر موقع أبلغت الغواصة وجودها فيه، إلى الاشتراك فى البحث عنها، وتضيف «الأهرام»، أن أقارب بحارة وضباط الغواصة احتشدوا حول مقر البحرية أملا فى تلقى أى نبأ عن مصيرهم، وظلوا حتى المساء، حيث بدأ الحداد فى إسرائيل بعد التأكيد أن عمليات البحث لم تسفر عن أى أثر للغواصة.
كشف تقرير الأهرام، أن إسرائيل وضعت عدة افتراضات حول العملية، بينها احتمال تعرض «داكار» لعمل من سفينة معادية، وحددت السفن السوفيتية فى البحر المتوسط كسفن معادية، ولم تذكر مصر التى بقى الحديث عنها فى هذا الأمر مجرد اجتهادات، حتى تكشفت أسراره فيما بعد، ومنها ما ذكره الكاتب الصحفى محمد حسنين هيكل فى برنامجه «تجربة حياة» على فضائية الجزيرة، يوم 27 فبراير 2010.
يكشف «هيكل»، أن الفريق أول محمد فوزى، وزير الحربية، والفريق عبدالمنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، توجها إلى الرئيس جمال عبدالناصر، يطالبانه بالإعلان عن خبر إغراق البحرية المصرية للغواصة، قبالة السواحل المصرية فى الإسكندرية، لكن عبدالناصر رد: «لا نريد أن نقوم بالإعلان والتهليل، دون أن يكون لدينا دليل، فليس من المعقول أن نغرق غواصة، ولا يظهر لها أثر على سطح البحر كنوع من الحطام أو بقع الزيت».
يؤكد «هيكل»، أنه فى اليوم التالى أرسلت قيادة البحرية المصرية دوريات لمحاولة تصوير المنطقة، والتقاط أى أثر أو صور ليكون دليلا، لكن الطائرات لم تستطع الاقتراب لأنها وجدت نشاطا إسرائيليا كثيفا حول هذه المنطقة بحريا وجويا، وبعد ذلك بأيام اندلعت مظاهرات الشباب فى مصر احتجاجا على ضعف الأحكام ضد القيادات العسكرية التى حوكمت بسبب نكسة 5 يونيو 1967، فرأى عبدالناصر أن الإعلان عن غرق «داكار» سيفسر على أنه محاولة للفت الأنظار عن هذه المظاهرات.
يتذكر هيكل: «فى 6 مارس 1968 أعلن موشى ديان، وزير الدفاع الإسرائيلى، عن غرق الغواصة فى نفس النقطة تقريبا، وأعطى تفاصيل عن الضباط والجنود المفقودين أمام الكنيست، ولم يكن لدينا وسيلة تقول، ماذا جرى إلا نشر ما قاله «ديان»، ثم نستشهد بتأكيد الواقعة»، ويضيف، أن إسرائيل اشترت «داكار» من بريطانيا، وخرجت من ميناء « بورتسموت» فى 9 يناير 1968، واستعدت إسرائيل لاستقبالها فى ميناء حيفا يوم 2 فبراير، فى حفلة دعائية كبيرة، وعند مقربة من الحدود المصرية الغربية صدرت أوامر لقائدها «يكوف رعنان» بالتجسس على أحواض لنشات الصواريخ المصرية بمقر قيادة القوات البحرية المصرية بالإسكندرية، وعند اقترابها لتنفيذ مهمتها بدأ التعامل معها حتى غرقت فى قاع البحر.
قبل كلام هيكل بسنوات، وفى جريدة «الشرق الأوسط - لندن - 2 يوليو 2005» يذكر اللواء بحرى متقاعد محمد عبدالمجيد عزب: «فى الساعات الأولى من صباح اليوم السابق على غرق «داكار»، كنت أقود السفينة الحربية «أسيوط» لتنفيذ مهمة تدريب اعتيادية لبعض طلاب الكلية البحرية، وبعد انتهاء التدريب ولدى دخولنا الميناء لمح الطالب عادل معتوق هدفا صغيرا جدا يشق البحر لا يعرف حقيقته، فسأل زميله الطالب محمد أحمد إبراهيم، لكنه لم يعرف أيضا، فأبلغانى، وبعد مراقبته اتضح أنه جزء من غواصة معادية تسير على عمق البيروسكوب فى خط مواز لخط سير السفينة أسيوط».
يضيف اللواء عزب: «قررت على الفور مهاجمة الغواصة التى انتهكت مياهنا الإقليمية، وأبلغت قيادة البحرية المصرية بما يحدث أولا بأول، ولدى الاقتراب منها غطست الغواصة التى كانت مجهولة لنا آنذاك على عمق 18 قامة، وهو أقل قامتين من العمق الذى يسمح به لغطس غواصة من نفس الطراز»، ويؤكد: « قدمت تقريرا مفصلا إلى قائد القوات البحرية اللواء فؤاد ذكرى عن غرق الغواصة، ولم يصدق كلامى على أساس أن إسرائيل أعلنت عن غرقها جنوب قبرص».
بعد أن أثار هيكل كلامه، تفاعل معه الكاتب جمال الغيطانى فى مقال له بالصفحة الأخيرة بالأخبار، قال فيه، إنه نشر تحقيقا فى يناير 1970 بالأخبار، وكان وقتها مراسلا عسكريا، يؤكد أن طلاب البحرية المصرية هم الذين أغرقوا «داكار»، وأكد أن الفريق أول محمد فوزى وزير الحربية راجع تحقيقه، وسمح بنشره مما يؤكد حقيقة أن هذه العملية واحدة من العمليات البطولية للبحرية المصرية أثناء حرب الاستنزاف.