كانت الساعة الثانية عشرة تماما من ظهر يوم الخميس 27 يناير «مثل هذا اليوم» من عام 1955، حين عقدت المحكمة جلستها للنطق بالأحكام ضد المتهمين فى «شبكة التجسس اليهودية» المشهورة إعلاميا باسم «فضيحة لافون»، وهى عبارة عن مجموعة قامت بارتكاب سبع جرائم إرهابية عبارة عن تفجيرات فى عدة أماكن مختارة بعناية فى مدينتى القاهرة والإسكندرية.
وقعت أول جرائمها فى يوم 3 يوليو 1954، أى بعد عامين من قيام ثورة 23 يوليو 1952، وكشفت التحقيقات بعد القبض على منفذيها وعددهم 13 يهوديا، أن إسرائيل تقف وراءها، ويذكر الكاتب الصحفى محمد حسنين هيكل أسبابها، قائلا فى كتابه «ملفات السويس»: «الخوف من احتمالات تطور فى العلاقة بين مصر وأمريكا فأعدت المخابرات الإسرائيلية «الموساد» خطة لإساءة العلاقات بين البلدين، وعرضت الخطة على ديفيد بن جوريون رئيس الوزراء، فأقرها، وطلب وضعها فى شكلها التنفيذى الأخير، وقبل التنفيذ الفعلى ترك «بن جوريون» الوزارة، ولم يتورع أعوانه وبموافقته من تزوير إمضاء «بنحاس لافون» وزير الدفاع الجديد فى وزارة «موشى شاريت» على الأوامر التنفيذية للعملية، رغم أنه لا وزير الدفاع الجديد، ولا رئيس وزرائه كانا يعرفان شيئا عن هذا».
قامت الخطة على تنفيذ تفجيرات فى ممتلكات لأمريكا وبريطانيا والعمل على عدم كشفها لإلقاء مسؤوليتها على مصر، ويذكر الكاتب الصحفى عادل حمودة فى كتابه «عملية سوزانا - أولى عمليات الموساد السرية فى مصر»، أن الصدفة وحدها هى التى قادت إلى كشف لغز هذه التفجيرات، ما أدى إلى التوصل إلى الشبكة التى تنفذها»، وتم القبض على المتهمين، وأحيلوا إلى محاكمة عسكرية من يوم 11 ديسمبر 1954.
استمرت المحاكمة 18 جلسة، وانتهت يوم 5 يناير 1955، وبعد ثلاثة أيام بدأت المداولات التى استغرقت 20 يوما، ثم كان النطق بالحكم يوم 27 يناير 1955، وعما جرى فى المحكمة يومها، كتبت جريدة «الأهرام» بقلم محررها القضائى «لطفى عثمان» فى عددها الصادر يوم «28 يناير 1955»: «فى الساعة الثانية عشرة إلا قليلا، دخل قاعة المحكمة البكباشى إبراهيم سامى نائب الأحكام بمفرده، يحمل عددا من المجلدات، وجلس فى المقعد المخصص للرئيس، وإلى يساره محمد رشاد فهمى سكرتير الجلسة، ورفع نائب الأحكام رأسه، وتطلع فى وجوه المتهمين لحظة قصيرة قبل أن ينطق بالأحكام، وعندئذ بدأت أعناق المتهمين تشرئب، وازداد شحوب وجوههم، وظل دكتور موسى مرزوق «المتهم الأول» مطاطئ الرأس، واختفت الابتسامة الباهتة من على شفتى المتهمة «مارسيل».
بدأ النطق بالأحكام، وكانت وفقا للأهرام: الإعدام شنقا ضد ليتو مرزوق وصمويل بخور عازار، والأشغال الشاقة المؤبدة لفيكتور مويز ليفى وفيليب هرمان ناتانسون، والأشغال الشاقة لمدة 15 سنة لفيكتورين نينو وروبير نسيم داسا، والأشغال الشاقة لمدة 7 سنوات لمايز يوسف زعفران وماير صمويل ميوحاس، وبراءة إيلى جاكوب نعيم، وسيزار يوسف كوهين، ولم يشر الحكم إلى «إبرامار» و«بول فرانك»، واشتمل على مصادرة أجهزة اللاسلكى والأموال، وسايرة ماكس بنيت.
تنوعت ردود فعل المتهمين لحظة النطق بالحكم، وتقول «الأهرام»، إن موسى ليتو مرزوق حين استمع إلى الحكم بإعدامه، استند إلى حاجز القفص، وقال لمندوب جريدة «الأهرام» عند عودته إلى السجن: «هذا هو حكم الله»، أما «مارسيل» فعادت الابتسامة إلى شفتيها عندما عرفت أن رقبتها أفلتت من حبل المشنقة، ولم تكن الابتسامة باهتة هذه المرة، أما صمويل عازار فأصيب بنوبة ذهول، ولم ينطق بكلمة واحدة عندما سمع الحكم بإعدامه، بينما أجهش ماير ميوجاس بالبكاء، وسرت عدوى بكائه إلى يوسف زعفران وروبير داسا، ووجم فيكتور ليفى وفيليب ناتانسون، ثم انفرجت أساريرهما عندما أيقنا أن الحكم ليس إعداما، وشوهد إيلى جاكوب نعيم الذى نال البراءة، يبكى بكاء مرا، فقد أخطأ فى فهم الحكم، ولما عرف أنه سيفرج عنه حالا، أخذ يضحك ضحكة هيستيرية».
بعد الإعلان عن الأحكام، تجدد الغضب فى إسرائيل، وحسب حمودة: «المذهل أن هذه الحملة وصلت إلى الولايات المتحدة، وبريطانيا، اللتين أحرقا الجواسيس اليهود ممتلكاتهما فى الإسكندرية، وعن طريقها قدمت إسرائيل إلى مصر أكثر من التماس لإعادة النظر فى الأحكام، وعن طريق لجنة الهدنة قدمت إسرائيل التماسات أخرى، وفى واشنطن وجد اللوبى الصهيونى بين رجال الإدارة الأمريكية من يستمع إليه، ومن يتعاطف مع هؤلاء الجواسيس، ومن يضغط على الرئيس الأمريكى «إيزنهاور» للتدخل لدى جمال عبدالناصر، وكتب إيزنهاور خطابا شخصيا إلى جمال عبدالناصر يقطر رقة وعذوبة، يرجوه فيه تخفيف الأحكام عن «هؤلاء الشبان» رغم جرمهم لأسباب إنسانية».