نجحت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، في إعادة رسم الدراما المصرية طيلة السنوات الماضية، بعدما كثفت إبداعاتها في خلق خطوط درامية وفنية كانت قد أوشكت على الاندثار، فقد برعت في تقديم الدراما الاجتماعية الهادفة الناعمة، وتمكنت من تقديم أعمال كوميدية خلت من الابتذال والسطحية وركزت على محتوى ضاحك هادف يليق بالأسرة المصرية.
المتحدة تراهن على الدراما النفسية وتكسب الرهان
برعت أعمال الشركة المتحدة، في تقديم وجبات فنية متنوعة ودسمة، لكن يحسب لها أنها ركزت وبقوة وبنعومة على التفرد في تقديم الدراما النفسية أو ما يطلق عليها " السيكودراما"، وهي من أهم الأدوات الفنية التي تعالج وبشكل فني عميق الكثير من القضايا النفسية والمجتمعية الشائكة، لتتحول لأداة هامة تترك بصمة وتأثير ملموس وسريع في واقع المجتمع المصري.
تعتمد الدراما النفسية على خط فني يستند في الأساس على بناء شخصيات محورية قوية من حيث البعد النفسي والاجتماعي، تخلو هذه النوعية من السطحية لتغوص في أعماق الشخصية وتجسدها بكل عقدها وأزماتها، من خلال تحليل دوافع الشخصيات وصراعاتها الداخلية وخلفياتها العاطفية، دون أن تقتصر على سرد الأحداث، بهدف رفع الوعي المجتمعي بالاضطرابات النفسية، وتصحيح المفاهيم الخاطئة حول العلاج النفسي والاضطرابات التي قد تغيب عن وعي المشاهد، مما يرسخ الفن ودوره في المجتمع.
حالة خاصة.. دراما إنسانية تُعيد تعريف التوحد وتبرز نقاط القوة الخفية لأبطاله
قدمت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، على تقديم مجموعة من الأعمال التي ركزت على الكتابة النفسية، فقدمت حالة خاصة والذى يتناول حكاية شاب يعانى من التوحد، ليسلط المسلسل الضوء على رحلته والتحديات التي يواجهها مصابي هذا الاضطراب، وكيف يمكن التعامل معه بل وتحقيق نجاحات حياتية، عبر سيناريو تناول قصة حياة "نديم أبو سريع" الذى لمع نجمه في المحاماة وأثبت كفاءته وتفوق في حل الثغرات في أكثر القضايا تعقيدًا.
ركز المسلسل على تقديم حالة فنية مبدعة، خلقت وعي باضطراب التوحد وأحدثت تفاعلا كبيراً من قبل أسر مصابي التوحد، ليكون حالة خاصة بمثابة صوت يعبر عنهم بصدق، ويقدم أيضا دليلا للتعامل مع مرض التوحد.
إقامة جبرية.. دراما نفسية تكشف هشاشة المصابين باضطراب الشخصية الحدّية
يعد مسلسل إقامة جبرية، من أهم الأعمال النفسية التي عالجت وناقشت الاضطرابات النفسية وتحديدا "اضطراب الشخصية الحدية"، فقد نجحت "هنا الزاهد" في تجسيد شخصية مركبة تمتلئ بالعقد النفسية، وقدمت رحلة المريض النفسي التي تمر بعدة مراحل يتخللها الأذى والندم والشعور بالضحية في بعض الأوقات، لتقدم هنا في هذا العمل أهم أدوارها الفنية.
دواعي السفر.. قراءة إنسانية في الأزمات النفسية لكبار السن وآلام الوحدة
يعد مسلسل دواعي السفر من أهم الأعمال الدرامية مؤخرا والتي ساهمت في مناقشة الأزمات النفسية وشعور الوحدة التي يعيشها كبار السن والشباب على حد سواء، من خلال علاقة درامية كان لها مذاق خاص، نشأت بين "علي" الشاب المحبط المكتئب و جاره القبطان "إبراهيم"، علاقة صداقة بدأت بموقف محرج يكشف عن مدى تدهور الحالة النفسية لـ"علي"، لكن مع "بلوت تويست" هام تتحسن العلاقات بعد إنقاذ علي للقبطان إبراهيم، لتتحول العلاقة في إطار درامي ناعم لتتوطد العلاقة بينهما، ويخرج إبراهيم من حالة الوحدة تدريجيا، بعدما كان يخلق لنفسه حالة وهمية من الألفة، لتتحقق على أرض الواقع، وتتسع دائرة أصدقائه، وفي مسار أخر نجد "على" بات أكثر حبًا للحياة ليخرج من نوبات اكتئابه، تتطور الأحداث في مسار نفسي ناعم.
ميد تيرم.. قدم شرحًا نفسيًا مكثفًا حول أزمات وصراعات جيل Z
من أحدث الأعمال التي عرضت على شاشات المتحدة، كان مسلسل "ميد تيرم"، والذى يعد تجربة شبابية خالصة، لتتصدر الفنانة ياسمينا العبد البطولة المطلقة، بمشاركة جلا هشام، وعدم من الوجوه الجديدة، التي قدمت أداء صادق وتعبير واقعي عن المشكلات التي يتعرض لها جيل Z، فقد رصد صناع العمل، الصدمات النفسية بين الجيل الحالي من الشباب، وتحديدًا في مرحلة من أخطر المراحل العمرية وهي مرحلة التعليم الجامعي، إذ تتشكل الشخصية في تلك المرحلة الهامة وتتبلور في ضوء العوامل النفسية والاجتماعية المحيطة بها، وقد سلط المسلسل الضوء عن أزمات نفسية يتعرض لها أبطال المسلسل وتعبر عن واقع حقيقي يكشف عن مدى الفجوة بين الآباء والأبناء.
ميدتيرم ناقش الكذب اللإرادي وهوس السرقة والطعام بتمكن وصدق
ناقش "ميدتيرم"، أمراض نفسية تناقش لأول مرة، وكان أبرزها مرض الكذب اللا إرداي، الذى قدمته ياسمينا العبد خلال شخصية "تيا"، ونجحت في التعبير بصدق وتمكن عن معاناة أصحاب هذا المرض الذى ينتج عن عوامل نفسية عميقة ترجع للطفولة وانهيار العلاقة الأسرية داخل المنزل، وجاءت الحلقة الأخيرة من المسلسل لتعترف تيا بمرضها وتبدأ رحلة تعافي تكشف أيضا عن مدى خطورة التعب النفسي لاسيما مرحلة الانتكاسات التي قد يصاب بها المريض.
كما تناول هوس السرقة Kleptomania، وهو ما جسدته مريم كرم من خلال شخصية غالية، حيث عبرت عن معاناة المريض وكيف يقوده الحرمان العاطفي والاحتياج للحب للإصابة بهذا الهوس، وهو ما قد يعرضه للفضيحة والتنمر مما يزيد من معاناة المريض، وقدمت غالية أزمة أخرى وهي هوس الطعام.
في حين قدمت أمينة باهي من خلال شخصية "هنا"، معاناة حقيقية حول صدمات الطفولة والتفرقة بين الأبناء وتشويه حقيقي للصورة الذهنية عن الذات وعدم التقدير بسبب الحرمان العاطفي الذى دفعها للتخلي عن شقيقتها نادين في مرضها، لتتصاعد الأحداث بينهما وتنتهي بفتح صفحة جديدة في نهاية أحداث المسلسل.
بينما عبرت شخصية ناعومي التى جسدتها الفنانة جلا هشام، عن معاناة مرضى اضطراب الشخصية الحدية وكشفت عن السبب الحقيقي لهذا الاضطراب الذى قد يدفعنا للدخول في علاقات صداقة مؤذية هرباً من الوحدة والفراغ العاطفي .
حرب أهلية.. تناول الفجوة النفسية بين الآباء والأبناء بعد الانفصال
ومن ميد تيرم إلى حرب أهلية، الذى صدر لأول مرة في 2021، وقدم وجبة نفسية هامة تكشف بعمق عن الفجوة بين الأباء والأبناء، من خلال توتر العلاقة والصدام، الذى بدأ بين مريم "يسرا" وابنتها تمارا "جميلة عوض"، فقد قدمت تمارا شخصية تعاني من اضطرابات نفسية وأزمات عائلية نتيجة انفصال أمها عن ابيها، مما يزيد شحنات الغضب لديها في ظل تحريض أبيها ضد الأم، لتزداد العلاقة توترا مع الأحداث الدرامية، لكن مع توالى الأحداث يحدث انفراجة حقيقة تذهب بتلك العلاقة إلى مسار درامي آخر.
لحظات غضب.. قدم وجبة نفسية هامة عن الشخصية النرجسية وآثارها على العلاقات الزوجية
ومن الأعمال الدرامية النفسية الهامة التي صدرت مؤخرا، كان مسلسل "لحظات غضب"، بطولة الفنانة صبا مبارك، ومحمد شاهين، والذى يروى عن مأساة زوجة شاء القدر لتتزوج من زوج نرجسى والذى يقدمه "محمد فراج" من خلال شخصية شريف، إذ تعاني "يمنى" من سيطرة زوجها وتحكمه في حياتها، الأمر الذى يقودها في لحظة غضب لتتحول من زوجة مهزوزة ومطيعة إلى قاتلة، لتتخلص من زوجها أثناء حفل عيد ميلادها، وتحاول التخلص من جثته بمفردها، وبرغم قدرتها على إخفاء جريمتها، يحدث تحول درامي يجعلها تحت تحكم جارها آسر "على طه" الذى يطالبها بتنفيذ جرائم مختلفة، مقابل عدم فضحه لجريمة القتل التي ارتكبتها وظنت أنها نجت منها.
يغوص المسلسل بقوة عن الشخصية الضعيفة وكيف يمكن أن تتطور في ظل الضغوطات القوية، التي قد تحولها إلى شخصية قاتلة باحتراف، كما يسلط الضوء على الشخصية النرجسية، وكيف تقود العلاقات الزوجية إلى نهايات مؤلمة في كثير من الأحيان.
ولاد الشمس.. دراما جريئة ركزت على معاناة النزلاء بدور الأيتام وكيف يتم استغلالهم
في 2025، عرض مسلسل "ولاد الشمس" الذى حقق جماهيرية وشعبية بعد العلاقة التي كانت بمثابة "تريند" بين ولعة ومفتاح، إذ تناول المسلسل قضية شائكة حول دار أيتام يتخذه مديره ماجد "محمود حميد"، ستارًا لتنفيذ جرائم متعددة، ولن يقتصر الأمر على ذلك بل يستغل أبناء الدار وهما ولعة "أحمد مالك" و مفتاح " طه الدسوقي"، لارتكاب تلك الجرائم، وإجبارهما على السرقة والنصب، يكشف أولاد الشمس الحياة القاسية التي يعيشها المقيمين داخل دور الأيتام، وكيف يعانوا من أزمات نفسية لرفض شريحة من المجتمع لهم والاندماج معهم، بل وتناول الأزمات التي يتعرض لها الأطفال الذين يقع عليهم الاختيار للتبني ثم يتم التخلي عنهم بقسوة.
لام شمسية.. دراما تبعثت إنذارا للمجتمع
ونجح صناع مسلسل "لام شمسية" في تقديم دراما هامة ناقشت ظاهرة التحرش الجنسي بالأطفال، وبعثت بإنذار هام حول هذه الجريمة، وكيف تتشكل شخصية المتحرش وتنمو لتصبح خطر على المجتمع، فضلا عن الآثار النفسية التي يتعرض إليها الطفل من تلك الجريمة القاسية، وقدمت وعي ناضج للجمهور بكيفية التعامل مع الطفل في هذه الحالة، وكيف يمكن كسب ثقته وتخفيف الفجوة بين الإباء والابناء في هذا السن الصغير، لإخبار ذويهم عند وقوع تلك الجريمة، مما يسهم في إنقاذ الطفل بالوقت المناسب.
حقق "لام شمسية" نجاح ملموس، ورد فعل قوي وسريع إزاء تلك القضايا، فبدلا من حرص الإباء على إخفاء الجريمة خوفا من وصمة الطفل، وجدنا ردود أفعال قوية مع وقوع هذه الجرائم على ارض الواقع، وتغير وجهة نظر المجتمع، وتعامل الآباء مع أبنائهم من الضحايا.
جرعات نفسية مكثفة حملت رسائل اجتماعية هادفة، تناولت بجرأة واحترافية ونعومة الأمراض النفسية والترومات التي تنتج من العوامل المجتمعية المحيطة، في صورة أعمال درامية قدمت شخصيات تعلق بها الجمهور ونجحت في توصيل الرسالة بشكل ترفيهي مبهر.