فى قرية بسيطة بمحافظة أسيوط، وتحديدًا قرية عرب مطير التابعة لمركز الفتح، عاش فرحان إدريس قرابة تسعة عقود من عمره وهو يحمل فى داخله حلمًا مؤجلًا، حلمًا لم تسعفه الظروف المحيطة به فى صغره لتحقيقه، لكنه لم يتخلَّ عنه يومًا. فبين قسوة الحياة، وغياب المدارس، وضيق ذات اليد، ظل شغفه بالتعليم حاضرًا، مؤمنًا بأن العلم يرفع بيوتًا لا عماد لها، حتى وإن تأخر تحقيقه إلى ما بعد التسعين.
طفولة بلا مدارس
لم يكن الطريق سهلًا أمام رجل نشأ في زمن لم يكن التعليم فيه متاحًا للجميع، واضطر منذ طفولته للبحث عن لقمة العيش بدلًا من الجلوس فى الفصول الدراسية. ورغم ذلك، لم تنقطع صلته بالعلم، فكان يبحث عن أى كتاب أو معلم لمحو الأمية، يتشبث به كما يتشبث الغريق بطوق النجاة، قبل أن تتوقف رحلته التعليمية طويلًا بفعل الظروف القاسية ومسؤوليات الحياة.
أسرة متعلمة وحلم لم يكتمل
كوّن فرحان إدريس أسرة مكونة من أربعة أبناء، وحرص رغم حرمانه من التعليم على أن يحصل أبناؤه عليه كاملًا. جميعهم التحقوا بالتعليم وأكملوه، باستثناء أحد أبنائه الذي اضطر لترك الدراسة والعمل مبكرًا من أجل توفير سكن وحياة كريمة للأسرة، وهو الابن الذي يقيم فرحان في منزله حاليًا.
العودة إلى مقاعد الدراسة
ومع تقدّم العمر، وبالتزامن مع انتقاله للعيش مع نجله، عاد الحلم القديم يطرق باب فرحان إدريس من جديد، ليجد طريقه هذه المرة عبر فصول محو الأمية. هناك، وبين مقاعد الدراسة، وقف رجل فى التسعين يتحدى الزمن، ويعلن أن التعلم لا يعترف بالعمر.
التعليم كان جوايا من زمان
يقول فرحان إدريس بصوت هادئ يحمل ملامح الرضا: «مكانش على أيامي مدارس زي دلوقتي، كنا بندور على العيش قبل ما ندور على الكُتب، لكن التعليم كان جوايا من زمان». كلمات تختصر رحلة طويلة من الحرمان، لم تُطفئ رغبته في التعلم، بل زادتها اشتعالًا، مؤكدًا أن شغفه بالعلم كان أكبر من أى عائق.
وكانت المفارقة اللافتة في القصة أن حفيدته هاجر ابنة نجله تشرف على أحد فصول محو الأمية بقريتها عرب مطير ليتحول المشهد إلى لوحة إنسانية نادرة تجمع بين الأجيال، حيث يجلس الجد تلميذًا، وتتابعه الحفيدة معلمة.
لحظة التتويج والتكريم
وجاءت اللحظة الفارقة خلال مرور لجنة من مسؤولي هيئة محو الأمية، يرافقهم اللواء دكتور هشام أبو النصر، محافظ أسيوط، حيث خضع فرحان لاختبار مباشر أمامهم، ونال إعجاب الحضور بإجاباته وإصراره، ليقرر المحافظ تكريمه تقديرا لرحلته الملهمة.
تشريف المحافظ وسام على صدرى
وعن هذا التكريم، يقول فرحان إدريس بفخر واضح: المحافظ إنسان محترم وتشريفي منه وسام على صدري حسّيت إن تعبي ما راحش هدر ،ولم يكن التكريم مجرد شهادة أو درع بل اعترافًا رسميا بأن الإرادة الإنسانية قادرة على كسر قيود الزمن وبأن التعلم حق ممكن في أي عمر فالرجل التسعيني الذي تحدى الأمية لم يحصل فقط على شهادة بل أعاد تعريف معنى الأمل ووجه رسالة صادقة لكل من ظن أن الفرصة فاتته ما دام فى العمر بقية فالعلم ممكن.
.jpg)
فرحان إدريس يكتب اسمه على شهادة الأمل
.jpg)
فرحان إدريس يكتب اسمه على شهادة الأمل
.jpg)
فرحان إدريس يكتب اسمه على شهادة الأمل