ليست كل الصور مجرد لقطات جامدة، فبعضها يحمل صوت الرصاص، ورائحة البارود، وصرخات الرجال الذين اختاروا أن يقفوا حتى النهاية.
بعض الصور لا تُشاهد فقط، بل تُعاش، وتعيد فتح أبواب الذاكرة على لحظة فارقة، غيرت مسار التاريخ، ورسخت معنى الشرف الوطني.
من هذا الباب، فتحت جريدة اليوم السابع نافذة واسعة على واحدة من أعظم ملاحم البطولة في تاريخ مصر الحديث، حين وثقت بالصور والوثائق النادرة معركة الإسماعيلية الخالدة في 25 يناير 1952، تزامنًا مع احتفالات وزارة الداخلية بعيد الشرطة الرابع والسبعين، لتؤكد أن التاريخ حين يُروى بالصورة، يصبح أكثر صدقًا، وأشد تأثيرًا.
الإسماعيلية تتحول لساحة مواجهة
في صباح ذلك اليوم الشتوي القاسي، لم تكن مدينة الإسماعيلية تعلم أنها ستتحول بعد ساعات إلى ساحة مواجهة غير متكافئة، بين رجال شرطة محدودي العدد والعدة، وقوات احتلال بريطانية مدججة بالسلاح، جاءت وهي واثقة من الحسم السريع.
إنذار صريح وجهه المحتل إلى رجال الشرطة داخل مبنى المحافظة، طالبهم فيه بتسليم أسلحتهم وإخلاء المبنى.
إنذار حمل في كلماته احتقارًا لقيمة الإنسان، وافتراضًا مسبقًا بالانكسار، لكن ما لم يحسب له المحتل حسابًا، أن رجال الشرطة لم يكونوا مجرد أفراد في زي رسمي، بل كانوا أبناء وطن قرروا أن الكرامة لا تُسلم، وأن السلاح مهما كان قديمًا، يصبح قويًا حين تحمله يد تؤمن بقضيتها.
الوثائق التي تنشرتها اليوم السابع أعادت رسم المشهد بدقة مؤلمة، أوامر عسكرية، مراسلات، خرائط، كلها تحكي كيف تم التخطيط للحصار، وكيف بدأت شرارة الاشتباك الأولى.
أما الصور، فكانت أكثر بلاغة من أي نص، مبنى المحافظة وقد اخترقته القذائف، جدران مثقوبة، نوافذ محطمة، وآثار رصاص تروي كيف دار القتال من غرفة إلى غرفة، ومن طابق إلى آخر، بينما ظل رجال الشرطة متمسكين بمواقعهم، يطلقون الرصاص حتى نفاد الذخيرة.
ومن بين ما لفت الانتباه في هذا التوثيق، عرض الأسلحة الأصلية التي استخدمها أبطال الشرطة في تلك المعركة، بنادق بدائية مقارنة بما كان يحمله الجنود البريطانيون، ذخائر محدودة، لا تكفي لمعركة طويلة، لكنها كانت كافية لتأكيد موقف تاريخي. كل قطعة سلاح حملت معها قصة رجل، وربما قصة استشهاد، وربما صرخة أخيرة قبل أن يسقط الجسد ويبقى الاسم.
الصور لم تكتف بتوثيق الأدوات، بل ذهبت إلى ما هو أعمق، وجوه الأبطال الحقيقيين الذين شاركوا في المعركة، ملامح بسيطة، نظرات ثابتة، لا تعرف الخوف، ولا تبحث عن مجد.
رجال لم يتخيلوا يومًا أن صورهم ستُنشر بعد عقود، أو أن أسماءهم ستُذكر في كتب التاريخ، لكنهم فعلوا ما اعتقدوا أنه الصواب، بعض هذه الصور التُقط قبل المعركة، وبعضها بعدها، حين كان الدخان لا يزال يتصاعد، وحين كان الصمت يلف المكان بعد أن قال الرصاص كلمته الأخيرة.
ومن أقسى اللقطات التي تعيد اليوم السابع نشرها، أسماء الشهداء الذين سقطوا في ذلك اليوم، أكثر من خمسين رجل شرطة ارتقوا شهداء، سقطوا وهم يدافعون عن مبنى لم يكن مجرد مقر إداري، بل رمزًا لسيادة الدولة المصرية.
هؤلاء الشهداء لم يكونوا أرقامًا في بيان، بل أسماء وحكايات وبيوت فقدت أبناءها، وأمهات ودعن أبناءهن على أمل العودة، فعُدن إليهن محمولين على الأكتاف.
استبسال رجال الشرطة في معركة الإسماعيلية
الاستبسال الذي أظهره رجال الشرطة في معركة الإسماعيلية لم يكن لحظة عابرة، بل تعبيرًا عن عقيدة وطنية تشكلت عبر سنوات طويلة من الاحتلال والمعاناة.
معركة غير متكافئة بكل المقاييس، لكنها كانت متكافئة في الشرف، ولهذا، لم تنته المعركة بانتصار عسكري بريطاني، بل بانتصار معنوي مصري ظل صداه يتردد حتى اليوم.
ومن أكثر المشاهد التي لا تزال تثير الدهشة، ذلك القرار التاريخي الذي اتخذه الجنرال البريطاني إكسهام، قائد القوات المهاجمة، حين أمر جنوده بأداء التحية العسكرية لرجال الشرطة المصرية بعد انتهاء القتال.
تحية لم يفرضها بروتوكول، ولم تمليها قواعد اشتباك، بل فرضتها شجاعة الخصم، اعتراف صريح من المحتل بأن من واجههم لم يكونوا مجرد قوة أمنية، بل رجالًا كتبوا درسًا في البطولة، هذه اللحظة، التي وثقتها الصور والوثائق، أصبحت رمزًا نادرًا لاحترام العدو قبل الصديق.
تزامن نشر هذا التوثيق مع احتفالات وزارة الداخلية بعيد الشرطة، ليمنح الذكرى معناها الحقيقي، فعيد الشرطة ليس مناسبة احتفالية عابرة، بل هو استدعاء لذاكرة وطنية، وتذكير بأن ما تنعم به البلاد اليوم من أمن واستقرار، هو امتداد لتضحيات بدأت منذ عقود، ولم تتوقف.
معركة الإسماعيلية كانت حجر الأساس، والدماء التي سالت فيها رسمت خطًا أحمر لا يزال رجال الشرطة يقفون عنده حتى اليوم.
وجاء دور اليوم السابع ليؤكد أهمية الإعلام في حفظ الذاكرة الوطنية، فالتاريخ إذا تُرك للنسيان، يصبح عرضة للتشويه، وإذا لم يُقدم للأجيال الجديدة بلغة العصر، يفقد تأثيره.
الصور التي تنشر لم تكن فقط للعرض، بل كانت رسالة، رسالة تقول إن هذا الوطن لم يُبنِ صدفة، وإن الاستقلال لم يكن منحة، بل ثمنه دماء وأرواح.
هذا التوثيق يعيد ربط الماضي بالحاضر، في لحظة تحتاج فيها الأجيال الجديدة إلى فهم أعمق لمعنى التضحية، فحين يرى الشاب اليوم صورة رجل شرطة في 1952 يحمل سلاحًا بسيطًا ويواجه قوة عظمى، سيدرك أن الشجاعة لا تُقاس بالتكنولوجيا، بل بالإرادة، وحين يرى أن نفس الروح لا تزال حاضرة في مواجهة الإرهاب والجريمة اليوم، سيفهم أن التاريخ ليس فصلًا مغلقًا، بل مسيرة مستمرة.
وفي خضم هذا السرد البصري والوثائقي، تحولت معركة الإسماعيلية من حدث تاريخي إلى قصة إنسانية متكاملة، قصة رجال عرفوا أن الموت واقفًا أهون من الحياة منكسري الرأس، قصة مدينة احتضنت أبناءها في لحظة فارقة، قصة وطن تعلم أن كرامته تُحمى بالدم.
هذه الوثائق والصور تقدم شهادة حية على زمن البطولة، شهادة تقول إن التحية التي أداها الجنرال البريطاني يومًا لرجال الشرطة المصرية، لم تكن نهاية المشهد، بل بدايته.
تحية لا تزال تتجدد في وجدان المصريين، كلما جاء 25 يناير، وكلما وقف رجل شرطة في موقعه، مؤمنًا بأن هذا الوطن يستحق التضحية، مهما كان الثمن.
.jpeg)
وثائق نادرة تحكي بطولة الشرطة في 25 يناير
.jpg)
.jpeg)
.jpg)
.jpeg)
.jpg)
.jpeg)
.jpg)
.jpeg)
.jpg)
.jpeg)
.jpg)
.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)
.jpeg)