أعلن البرلمان الأوروبي تعليق المصادقة على اتفاق تجاري مهم مع الولايات المتحدة تم التوصل إليه في يوليو الماضي، في خطوة احتجاجية مباشرة على محاولات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فرض سيطرته على جزيرة جرينلاند، وما صاحبها من تهديدات جمركية وتصعيد سياسي اعتبرته بروكسل مساسًا خطيرًا بالسيادة الأوروبية.وجرى الإعلان عن قرار التعليق في مدينة ستراسبورج الفرنسية، بالتزامن تقريبًا مع خطاب ألقاه ترامب في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، في مشهد عكس بوضوح عمق التوتر المتصاعد بين الجانبين. وأكد مسؤولون أوروبيون أن الخطوة تمثل رسالة سياسية حاسمة مفادها أن الاتحاد الأوروبي لن يواصل التعاون الاقتصادي في ظل سياسات تقوم على الضغط والتهديد.
تصاعد التوتر حول إعلان ترامب شراء جرينلاند
وجاء القرار بعد أسابيع من تصاعد التوترات التجارية بين واشنطن وبروكسل، إثر إعلان ترامب رغبته في شراء جرينلاند، وهي منطقة تتمتع بوضع خاص ضمن مملكة الدنمارك، ما أثار قلقًا واسعًا في أوروبا وأعاد إلى الواجهة مخاوف اندلاع حرب تجارية جديدة بين الحلفاء التقليديين.
ورغم أن ترامب أعلن لاحقًا التوصل إلى ما وصفه بـ«اتفاق إطار» حول مستقبل جرينلاند وتراجعه مؤقتًا عن فرض رسوم على ثماني دول أعضاء في حلف الناتو، فإن البرلمان الأوروبي اعتبر أن الضرر السياسي وقع بالفعل، وأن الثقة المتبادلة تعرضت لهزة عنيفة.
وقال بيرند لانجه، رئيس لجنة التجارة الدولية في البرلمان الأوروبي، إن تعليق العمل باتفاق يوليو جاء لعدم وجود بديل آخر، مؤكدًا أن استئناف التعاون مرهون بعودة الولايات المتحدة إلى نهج الشراكة بدل المواجهة. كما شدد على أن تصريحات ترامب وإجراءاته تمثل تهديدًا مباشرًا لوحدة الأراضي الأوروبية وسيادة دولة عضو في الاتحاد.
وفي تصعيد لافت، لوّح مسؤولون أوروبيون باستخدام أداة مكافحة الإكراه الاقتصادي، المعروفة إعلاميًا بـ«البازوكا التجارية»، والتي تتيح للاتحاد الأوروبي فرض إجراءات انتقامية واسعة النطاق ضد أي طرف يستخدم الضغوط الاقتصادية لأهداف سياسية.
ويأتي هذا التصعيد في وقت حساس، إذ من المقرر أن ينتهي تعليق الإجراءات الجمركية الأوروبية في السادس من فبراير، ما يعني أن رسومًا أوروبية على منتجات أمريكية بقيمة قد تصل إلى 109 مليارات دولار قد تدخل حيز التنفيذ ما لم يتم التوصل إلى حل سياسي.
في المقابل، حذرت واشنطن على لسان وزير الخزانة الأمريكى من مغبة الرد الأوروبي، داعية إلى التهدئة وعدم التصعيد، إلا أن أصواتًا أوروبية بارزة، وعلى رأسها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أكدت ضرورة الرد الحازم لحماية المصالح والسيادة الأوروبية.
في المحصلة، تعكس هذه الأزمة تحولًا عميقًا في العلاقات الأوروبية-الأمريكية، حيث لم تعد الخلافات محصورة في التجارة، بل امتدت إلى قضايا السيادة والنفوذ الجيوسياسي. وبينما يواصل ترامب سياسة الضغط والتهديد، يبدو أن أوروبا باتت أقرب من أي وقت مضى إلى استخدام قوتها الاقتصادية للدفاع عن نفسها، مهما كانت كلفة المواجهة.