فى تظاهرة ثقافية هى الأضخم عربيا، يسجل معرض القاهرة الدولى للكتاب هذا العام حضورا استثنائيا ومميزا لكتيبة، من كبار مبدعى وكتاب «اليوم السابع»، الذين قرروا أن تكون مشاركتهم هذا العام بمثابة «بصمة فكرية» تتجاوز حدود العمل الصحفى اليومى لتقدم وثائق للتاريخ والذاكرة. يشارك هؤلاء المبدعون بباقة ثرية ومتنوعة من الإصدارات الحديثة التى تشكل جسرا بين الماضى والحاضر، وتتراوح ببراعة بين التحليل السياسى المتعمق، والسير الذاتية الفنية التى تكشف خبايا النجوم، والتوثيق الأمين لمسيرة شخصيات حفرت أسماءها فى الوجدان المصرى.
ولا يكتفى أبناء «اليوم السابع» بالمشاركة التقليدية، بل يقدمون فى الدورة الحالية ما يمكن وصفه بـ«وجبة ثقافية وفكرية دسمة» تليق بذائقة القارئ المصرى النهم للمعرفة، حيث تغوص مؤلفاتهم فى أعماق التاريخ لتستكشف مناطق شائكة ومسكوت عنها، وتعيد قراءة المشهد بجرأة وموضوعية.
تتنوع هذه الإصدارات لتأخذ القارئ فى رحلة عبر الزمن، تارة لفك شفرة عصر الرئيس الراحل أنور السادات وعلاقاته المعقدة بخصومه، وتارة أخرى للبحث عن الوجه الآخر المجهول لـ«فيلسوف الضحك» الضيف أحمد، مرورا برصد المعارك الخفية والشرسة التى خاضها العندليب الأسمر للبقاء على القمة، وصولا إلى استعراض مذكرات «امرأة حديدية» لم تنحنِ يوما أمام العواصف السياسية، وفى السطور التالية نستعرض تفاصيل أبرز هذه الإصدارات، التى تزين أرفف المعرض هذا العام:

- أكرم القصاص يفك شفرة السادات فى «شعرة معاوية»
يشارك الكاتب الصحفى الكبير أكرم القصاص بكتابه الجديد، الصادر عن «منشورات بتانة» تحت عنوان «شعرة معاوية.. السادات وخصومه».
ويطرح «القصاص» فى مؤلفه رؤية مغايرة للتعاطى مع تاريخ الرئيس الراحل، مؤكدا أن هدفه ليس «إنصاف» السادات أو «مهاجمته»، بل المهمة الأصعب وهى «إنقاذ التاريخ» من فخ الاستقطاب الحاد، الذى يحول المواطنين إلى ما يشبه «مشجعى فرق كرة القدم»، فى حين أن العمل السياسى بطبيعته يحتمل تعدد وجهات النظر.

يغوص الكتاب فى تفاصيل رحيل السادات وهو «غاضب من الجميع»، مستعرضا خارطة خصومه التى ضمت من تحالفوا معه ثم انقلبوا عليه، ومن تتلمذوا فى مدرسته، ويخلص «القصاص» إلى أن تأثير السادات لا يزال حاضرا ومستمرا، إيجابا وسلبا، وكأنه لا يزال يعيش بيننا ليرد على خصومه الذين شاركوه حالة الاستقطاب والصراع.

- سعيد الشحات يفتح خزائن أسرار «كمال الطويل».. رحلة بين الصداقة والمعارك الفنية
فى إصدار استثنائى يُعيد قراءة تاريخ الموسيقى المصرية فى عصرها الذهبى، تدفع «دار ريشة للنشر والتوزيع» بكتاب توثيقى جديد يحمل عنوان «كمال الطويل.. طيب يا صبر طيب»، للكاتب الصحفى والباحث الكبير سعيد الشحات.
يرصد الكتاب عبر مادة بحثية دسمة السيرة الإنسانية والفنية للموسيقار كمال الطويل، متتبعا خيوط حياته منذ الطفولة وحتى الرحيل، ليقدم «بورتريه» دقيقا لأحد أهم صناع الأغنية المصرية فى القرن العشرين، وصاحب البصمة المتفردة فى بناء «اللحن الدرامى» وتشكيل الوجدان الوطنى.

يغوص سعيد الشحات فى مناطق غير مطروقة فى حياة «الطويل»، كاشفا النقاب عن أسرار شخصية وموسيقية شكلت محطات مفصلية فى مسيرته، لعل أبرزها دوره المحورى فى اكتشاف العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ وتقديمه للجمهور، وطبيعة العلاقة الشائكة والمعقدة التى ربطته بكوكب الشرق أم كلثوم.
ولا يكتفى الكتاب بالسرد التاريخى، بل يقتحم مناطق «الاشتباك الفنى»، راصدا ما وصفه بـ«المعارك الحادة» مع موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، وهى معارك لم تكن شخصية بقدر ما كانت صراعا بين جيلين ورؤيتين موسيقيتين.
كما يفرد المؤلف فصولا خاصة لتشريح شبكة علاقات الطويل وتقاطعاته الإبداعية مع عمالقة عصره، مثل رفيق الدرب صلاح جاهين، والشاعر عبدالرحمن الأبنودى، والموجى، وبليغ حمدى، واضعا القارئ فى قلب الحالة الثقافية لتلك الفترة، حيث كانت الحدود بين الصداقة والمنافسة، وبين الحب والغيرة الفنية، تخلق مناخا إبداعيا لا يتكرر.

- زينب عبداللاه فى رحلة إنسانية لاستعادة «فيلسوف الضحك»
فى تجربة شديدة الخصوصية والعذوبة، تأخذنا الكاتب الصحفية الكبيرة زينب عبداللاه عبر إصدارها المميز «الضيف.. سيرة أطول من العمر»، الصادر عن «دار ريشة للنشر والتوزيع» إلى مناطق لم تطأها أقلام من قبل فى حياة الفنان الراحل الضيف أحمد.
الكتاب ليس مجرد سرد لسيرة ذاتية تقليدية، بل هو «حفريات إنسانية» فى حياة العقل المدبر لفرقة «ثلاثى أضواء المسرح». تقدم «عبداللاه» قراءة مغايرة للفنان الذى رحل فى ريعان شبابه، متجاوزة الصورة النمطية للكوميديان المضحك، لتكشف عن وجه «المثقف والفيلسوف» الذى توارى خلف قناع البراءة والابتسامة العريضة.

تخوض الكاتبة رحلة استقصائية شاقة وممتعة فى آن واحد، مقتفية أثر «الضيف» من مسقط رأسه وقريته، مرورا بكواليس المسرح، وصولا إلى تفاصيل بيته وعلاقاته الإنسانية، لترسم «بورتريه» متكامل الأركان يمزج بين الشجن والضحك.
يتطرق الكتاب بعمق إلى قصة الحب النادرة التى عاشها الضيف وظلت باقية رغم الغياب، كما يغوص فى فلسفته الخاصة تجاه الحياة والموت، وكأنه كان يستشعر قصر الرحلة، فقرر أن يترك أثرا «أطول من العمر». إنها محاولة جادة لإنصاف موهبة استثنائية ظلمها الرحيل المبكر، وإعادة اكتشاف لفنان ندرك بعد قراءة الكتاب أننا برغم كل هذا الضحك الذى أهداه لنا، لم نكن نعرفه حقا.

عادل السنهورى
- عادل السنهورى يفك شفرة «المقاتل» فى شخصية العندليب
وفى طرح مثير للجدل والنقاش، يقتحم الكاتب الصحفى عادل السنهورى مناطق شائكة فى تاريخ الغناء العربى عبر كتابه «نصف حليم الآخر»، الصادر عن «دار بتانة للنشر والتوزيع». يبتعد «السنهورى» عن الصورة الرومانسية المستقرة لـ«عبدالحليم حافظ» بوصفه اليتيم الحزين المكسور، ليقدم لنا صورة «حليم المقاتل» الذى يمتلك مخالب شرسة يظهرها حين يتعلق الأمر بالدفاع عن عرشه الفنى.
يحلل الكتاب ببراعة «تشريحية» المعارك الفنية الطاحنة التى خاضها العندليب، مؤكدا أن تلك الصراعات لم تكن نابعة من كراهية، بل من رغبة محمومة فى البقاء على القمة، يستعرض المؤلف كيف أدار حليم موهبته بذكاء استراتيجى نادر، مكنه من الوقوف ندا لقمم شامخة، مثل كوكب الشرق أم كلثوم، وموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، وفريد الأطرش، وكيف تعامل مع المنافسين الصاعدين آنذاك، مثل محمد رشدى ومحرم فؤاد.

يقدم الكتاب تفسيرا نفسيا وفنيا لهذه «الشراسة المشروعة»، موضحا كيف استطاع حليم أن يكون صوت «ناصر» والثورة، وصوت العاشق، وصوت الوطن الناهض، محاربا فى كل الاتجاهات ليحجز مكانا فى الذاكرة لا يمحوه الزمن. وينتهى المؤلف إلى حقيقة مؤكدة «مات حليم الجسد، لكن حليم المؤسسة والأسطورة لا يزال حيا»، متربعا على عرشٍ لم يجرؤ أحد على ملئه من بعده، ليظل السؤال معلقا: هل سيأتى من يملأ الفراغ؟ أم أن زمن العمالقة أغلق بابه للأبد؟

- جهاد الدينارى تكتب تاريخ مصر عبر ذاكرة «امرأة لا تنحنى»
وفى توثيق حى لشهادة على العصر، تقدم الكاتبة الصحفية جهاد الدينارى كتاب «امرأة لا تنحنى.. مذكرات فريدة الشوباشى»، الصادر عن «دار ليدرز للنشر والتوزيع»، الكتاب يتجاوز فكرة «المذكرات الشخصية» ليتحول إلى وثيقة تاريخية ترصد تحولات المجتمع المصرى عبر عقود.
بأسلوب سردى شيق، تنقل «الدينارى» على لسان الإعلامية والكاتبة الكبيرة فريدة الشوباشى، تفاصيل دقيقة لمراحل مفصلية فى عمر الوطن، بدءا من أروقة الحكم فى العهد الملكى، مرورا بوهج ثورة يوليو والمد القومى، وصولا إلى التحديات الراهنة والجمهورية الجديدة.

يستعرض الكتاب رحلة «الشوباشى» كنموذج للمرأة المصرية الصلبة التى خاضت معاركها الخاصة والعامة بشجاعة نادرة، رافضة الانحناء أمام العواصف السياسية أو الاجتماعية، وعبر صفحات الكتاب، نرى مصر بعيون «فريدة» مصر الفن والثقافة، ومصر السياسة والصراع، ومصر التى تسقط وتنهض من جديد. إنه كتاب عن «الذاكرة الوطنية» بقدر ما هو عن سيرة امرأة استثنائية، وعمل يربط الأجيال الجديدة بتراث نضالى طويل يستحق أن يُروى.
كما تشارك الزميلة جهاد الدينارى فى معرض الكتاب، بكتاب آخر بعنوان "الوهم الأمريكى".

اسماعيل رفعت
- إسماعيل رفعت يضع خارطة طريق جيوسياسية لـ«أرض الفيروز»
وفى طرح استراتيجى شديد الأهمية، يشارك الكاتب الصحفى إسماعيل رفعت بكتابه «الجغرافيا السياسية لشبه جزيرة سيناء»، الذى يأتى فى توقيت دقيق تفرض فيه الأحداث الإقليمية نفسها، خاصة مع الحرب الدائرة فى غزة على البوابة الشرقية لمصر.
يقدم الكتاب دراسة علمية متخصصة ومعالجة للواقع الجيوستراتيجى لسيناء، متناولا صلابة الموقف المصرى فى مواجهة مخططات التهجير، وكيف استطاعت الدولة «بقوة الحق والتاريخ» كبح جماح المعتدى، بالتوازى مع نجاح «العملية الشاملة 2018» فى تطهير الأرض المقدسة من محاولات الإرهاب التى أرادت تحويلها إلى بؤرة للصراع.

لا يتوقف المؤلف عند الجانب الأمنى، بل يقدم رؤية سياسية وانتخابية مستقبلية، داعيا إلى ترسيم جديد للدوائر الانتخابية فى سيناء بما يتناسب مع طبيعتها الخاصة، ويناقش الكتاب بجرأة آليات انتشال المشهد السياسى السيناوى من «براثن جماعات الإسلام السياسى»، ومواجهة «المال السياسى» والاحتكار، مقدما مقترحات للتحول من البرامج الفردية إلى العمل الحزبى المؤسسى الضامن للمصالح الوطنية.
ينقسم الكتاب إلى فصول تدرس العوامل الجغرافية الطبيعية «الموقع، التضاريس، المياه» والعوامل البشرية «السكان، النقل، النشاط الاقتصادى»، وتأثير كل ذلك على تقسيم الدوائر الانتخابية، ليضع بين يدى القارئ وصانع القرار وثيقة جيوسياسية شاملة عن «أرض الفيروز».

محمد فرج
- محمد فرج أبوالعلا ينبش فى أسرار «مقام العارف» برواية «موتى يتحدثون»
وفى عالم الأدب الروائى، يأخذنا الكاتب محمد فرج أبوالعلا فى رحلة مثيرة تحبس الأنفاس عبر روايته الجديدة «موتى يتحدثون». تدور أحداث العمل فى قرية تبدو هادئة ظاهريا، تحرسها هالة من القداسة تحيط بـ«مقام العارف بالله»، لكن خلف هذه السكينة يختبئ سرٌ عمره أربعين عاما، تواطأت قرية بأكملها على دفنه مع جثة القتيل «شوقى النجار».
تبدأ خيوط اللعبة فى التكشف، عندما يقرر الابن «حسن» النبش فى الماضى بحثا عن حقيقة وفاة والده، ليجد نفسه وسط متاهة معقدة من الخيانات والصمت المريب، ومع كل خطوة يخطوها، يكتشف أن الحقيقة لم تمت، بل ظلت شاهدا صامتا على جدران المقام تنتظر من يفك طلاسمها.
الرواية ليست مجرد قصة بوليسية للبحث عن قاتل، بل هى تشريح دقيق لـ«ضمير القرية»، وصراع مرير بين «كلمة الحق» التى أثقلت كاهل أصحابها، وجريمة الصمت التى تحاول طمس التاريخ، فى مواجهة قوة غاشمة لا تخشى شيئا سوى انكشاف المستور.
