بالأرقام.. إسرائيل تدفع ثمن الحرب على غزة.. 31 مليار شيكل تعويضات.. ضخ ملايين الدولارات لتحسين الصورة بأمريكا.. 1.369 مطالبة عن أضرار بالأراضي الزراعية.. فرض حظر على استيراد البضائع.. وإعادة تأهيل 132 ألف جندي

الخميس، 22 يناير 2026 07:00 م
بالأرقام.. إسرائيل تدفع ثمن الحرب على غزة.. 31 مليار شيكل تعويضات.. ضخ ملايين الدولارات لتحسين الصورة بأمريكا.. 1.369 مطالبة عن أضرار بالأراضي الزراعية.. فرض حظر على استيراد البضائع.. وإعادة تأهيل 132 ألف جندي الاحتلال

كتب رامي محيى الدين – أحمد عرفة

 

** تل أبيب تحتاج إلى 1300 أخصائي اجتماعي إضافي للتعامل مع تداعيات الحرب

** رفض شعبى واهتزاز لصورة كيان الاحتلال

** تل أبيب دفعت ثمن العدوان بــ132 ألف جندي في إعادة التأهيل

** الاحتلال مثقل بالخسائر السياسية والاقتصادية ومحاصر بالرفض الشعبي

** إسبانيا تفرض حظرا كاملا على استيراد بضائع مستوطنات الاحتلال

 

 

لم تعد حرب إسرائيل على غزة مجرد مواجهة عسكرية ذات أبعاد أمنية، بل تحولت مع مرور الوقت إلى عبء سياسي واقتصادي ثقيل تتكشف تداعياته يوما بعد آخر على المستويين الإقليمي والدولي، فمع اتساع رقعة العمليات العسكرية واستمرارها لفترة طويلة، بدأت إسرائيل تدفع ثمنا متصاعدا يتجاوز كلفة السلاح والعمليات الميدانية، ليطال مكانتها السياسية، وشبكة علاقاتها الدولية، واستقرارها الاقتصادي، وصورتها أمام الرأي العام العالمي، هذه الخسائر لم تعد محصورة في نطاق الانتقادات الدبلوماسية أو الإدانات الحقوقية، بل ترجمت عمليا إلى قرارات وإجراءات اتخذتها دول غربية كانت تعد تقليديا من أقرب حلفاء تل أبيب، ما يعكس تحولا لافتا في مستوى التعاطي الدولي مع الحرب وتداعياتها.

سياسيا، وجدت إسرائيل نفسها في مواجهة موجة غير مسبوقة من العزلة والضغط، حيث تزايدت الدعوات داخل برلمانات وحكومات غربية لمراجعة طبيعة الدعم السياسي والعسكري المقدم لها، في ظل تصاعد الاتهامات بانتهاك القانون الدولي الإنساني وارتكاب جرائم بحق المدنيين، هذا المناخ السياسي المشحون أسهم في إضعاف قدرة إسرائيل على تسويق روايتها التقليدية، وقلص هامش المناورة الدبلوماسية الذي لطالما اعتمدت عليه في إدارة أزماتها، كما ألقى بظلال ثقيلة على علاقاتها الثنائية ومتعددة الأطراف، وفتح الباب أمام مسارات قانونية وسياسية باتت تشكل مصدر قلق حقيقي لصناع القرار في تل أبيب.

اقتصاديا، بدأت كلفة الحرب تتجسد بوضوح في مؤشرات التجارة والاستثمار، مع إعلان عدد من الدول الغربية فرض قيود أو تعليق جزئي على تصدير بعض السلع والتقنيات إلى إسرائيل، أو الحد من استيراد منتجات إسرائيلية، سواء بدوافع قانونية أو تحت ضغط الرأي العام ومنظمات المجتمع المدني، وهذه القرارات، وإن بدت في ظاهرها محدودة، إلا أنها تحمل دلالات عميقة على تآكل الثقة بالاقتصاد الإسرائيلي، وتهديد سلاسل التوريد، وتأثر قطاعات حيوية مثل التكنولوجيا المتقدمة، والصناعات العسكرية، والزراعة، فضلا عن انعكاساتها السلبية على تدفقات الاستثمار الأجنبي وسمعة إسرائيل كمركز اقتصادي آمن ومستقر.

في المحصلة، تكشف هذه التطورات أن حرب غزة لم تفرض على إسرائيل استنزافا عسكريا فحسب، بل أدخلتها في دائرة خسائر مركبة يصعب احتواؤها سريعا، حيث يتقاطع السياسي مع الاقتصادي، وتتداخل الاعتبارات الأخلاقية مع الحسابات الاستراتيجية، ومع استمرار الحرب وتزايد الضغوط الدولية، تبدو إسرائيل أمام اختبار بالغ التعقيد، قد يعيد رسم موقعها في النظام الدولي، ويضع نموذجها الاقتصادي والسياسي أمام تحديات غير مسبوقة، تتجاوز حدود ساحة المعركة إلى عمق علاقاتها ومصالحها العالمية.

أرقام خرجت في 7 يناير، تكشف دفع تل أبيب ثمن حرب غزة، عندما أكدت دراسة لمركز "تاوب" للسياسات الاجتماعية، ارتفاع عدد الجنود المستفيدين من خدمات إعادة التأهيل إلى أكثر من 132 ألف جندي، بزيادة 16 ألفا منذ بدء العدوان على القطاع، حيث تواجه وزارة الرفاهية الإسرائيلية أزمة متصاعدة رغم ميزانية 400 مليار شيكل لعام 2024، بزيادة 38 مليارا عن العام السابق وتحتاج إلى 1300 أخصائي اجتماعي إضافي للتعامل مع تداعيات الحرب، فيما قفزت نفقات الضمان الاجتماعي إلى 26 مليار شيكل في 2024، مقارنة بـ1.7 مليار قبل الحرب، بسبب مخصصات جنود الاحتياط، بالإضافة إلى ارتفاع عدد المصنفين كضحايا "أعمال معادية" إلى 32 ألف مصاب جسديا ونفسيا بعد أن كانوا 5 آلاف فقط قبل الحرب.

 

في ذات اليوم، ذكرت صحيفة يديعوت أحرنوت العبرية، أن مؤشر Nature Index لعام 2025 كشف عن تراجع غير مسبوق لمعهد وايزمان للعلوم بخروجه لأول مرة من قائمة أفضل 100 مؤسسة أكاديمية عالميا، وحل المعهد في المرتبة 111 أكاديميا و122 عالميا بعد أن كان ضمن المراتب المتقدمة في السنوات الماضية.

وربطت الصحيفة التراجع بتداعيات 7 أكتوبر 2023، والتصعيد العسكري، والهجمات الصاروخية الإيرانية، إضافة إلى تصاعد المقاطعة الأكاديمية الدولية لإسرائيل بسبب الحرب على غزة، كما أن هناك أضرار مباشرة لحقت بالبنية التحتية البحثية في حرم المعهد برحوفوت، حيث تعطل نحو ربع النشاط البحثي بعد خروج عشرات المختبرات والمباني من الخدمة، والتراجع شمل جامعات إسرائيلية كبرى أخرى، بينها الجامعة العبرية والتخنيون وجامعة بن جوريون، وكشف مراقبون أن سبب الأزمة انخفاض الإنتاج العلمي، وتعطل الأبحاث، وهجرة الكفاءات، والعزلة الأكاديمية المتزايدة.

خسائر الاحتلال البشرية بسبب الحرب
خسائر الاحتلال البشرية بسبب الحرب

 

 

انتحارات وخسائر بالقوات

قبلها وبالتحديد في 13 ديسمبر الماضي، سلطت ذات الصحيفة الضوء على تضرر فئات ومطالبات التعويض المباشر داخل تل أبيب منذ بداية الحرب، حيث إن هناك 529 مطالبة عن أضرار للبنى التحتية والخدمات، ودُفع 361.3 مليون شيكل، و89,128 مطالبة عن أضرار للمباني، البيوت والشقق، بمبلغ تعويضات ضخم بلغ 4.140 مليار شيكل، و30,354 مطالبة عن أضرار للمركبات، ودُفع 518.3 مليون شيكل، و9,661 مطالبة عن معدات ومحتويات، خاصة في المتاجر والمكاتب، ودُفع 374.4 مليون شيكل، و1,369 مطالبة من مزارعين عن أضرار في الأراضي الزراعية والحيوانات في الحظائر والدواجن، ودُفع 61.2 مليون شيكل، و242 مطالبة عن أضرار في المخزون بالمتاجر والمصانع، ودفع 81.5 مليون شيكل، و8 مطالبات في موضوعات أخرى، وقيمة التعويضات 31 مليون شيكل.

 

أما فيما يخص أضرار الحرب مع إيران خلال 12 يوما فقط دفعت ضريبة الأملاك 2.6 مليار شيكل مقابل 56,766 مطالبة وهو عدد غير مسبوق لحدث أمني لم يستغرق أسبوعين، وكان هناك 43,820 مطالبة عن أضرار للمباني والبيوت، و5,917 مطالبة عن أضرار للمركبات، و6,046 مطالبة عن أضرار للمحتويات.

حجم الخسائر الإسرائيلية بسبب الحرب
حجم الخسائر الإسرائيلية بسبب الحرب

 

وذكر إعلام عبري في 5 ديسمبر، أنه منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى نهاية 2025، انتحر 7 جنود في الخدمة الفعلية، وفي عام 2024 انتحر 21 جنديا، وانتحر ما لا يقل عن 20 جنديا في الخدمة الفعلية في 2025، كما أقدم ما لا يقل عن 15 جندياً مسرحين ومن خارج الخدمة الفعلية على الانتحار منذ بدء الحرب، وانتحر ما لا يقل عن 5 عناصر وضباط شرطة بسبب الحرب.

وأبرز القناة 12 العبرية في 13 نوفمبر، أزمة القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي، تحت عنوان "العمود الفقري المستقبلي للجيش في خطر"، موضحة أن الجيش يواجه إحدى أخطر الأزمات التي عرفها في السنوات الأخيرة، حيث آلاف من أفراد الخدمة الدائمة يطلبون تقديم موعد تسريحهم، ولا يرغبون بالاستمرار في الخدمة، وهناك حديث عن ظاهرة واسعة تمتد إلى جميع صفوف القوات في تل أبيب، وتقف خلف هذه الظاهرة مجموعة من العوامل المتراكبة، منها الإرهاق الناتج عن الحرب والظروف التي يعمل تحتها الجنود، والضرر الناتج عن نزع الشرعية والتصريحات الصادرة عن سياسيين.

انهيار جيش الاحتلال خلال الحرب
انهيار جيش الاحتلال خلال الحرب

 

من ينظر إلى الأرقام من الخارج سيجد صعوبة في فهم عمق الظاهرة، لكن الحديث يدور داخل إسرائيل عن ضرر يمس العمود الفقري للجيش في السنوات القادمة، وفي 2 نوفمبر أعلنت صحيفة هآرتس، انتحار ضابط رفيع يعد من أقدم مشغلي المسيّرات في الجيش الإسرائيلي، حيث قال قبل أسابيع من وفاته: "هذه الحرب يجب أن تنتهي، فلها تبعات لا نفهمها بعد"، فيما تمنع الرقابة العسكرية نشر اسمه رغم مرور أشهر على الحادثة، فيما كشفت هيئة البث الإسرائيلية في 28 أكتوبر- أي بعد أسابيع قليلة من اتفاق وقف إطلاق النار بغزة - توثيق 279 محاولة انتحار في صفوف الجيش خلال عام ونصف فقط.

وكشفت إحصائيات إسرائيلية في 23 نوفمبر، تكلفة الإصابات النفسية جراء حرب غزة والتى قد تصل إلى 500 مليار شيكل خلال السنوات الخمس المقبلة، حيث أكدت جمعية "نتال" في تقرير لها أن التكلفة المباشرة وغير المباشرة للإصابات النفسية ارتفاع نسبة من يعانون من أعراض ما بعد الصدمة إلى 29.8%، وهناك نحو 625 ألف شخص معرضون بدرجة عالية لفقدان وظائفهم.


وفي 7 يناير، خرج اللواء احتياط يتسحاق بريك، قائد سرية احتياطية، عبر وسائل إعلام عبرية ليؤكد أن التقييم الصحيح للإخفاقات والإنجازات سيكشف صورة من الهبوط والانحدار، وهذا بالضبط هو الفخ الذي توجد فيه الآن قيادات الدولة والجيش الإسرائيلي، مشيرا إلى أن غياب رؤية استراتيجية واسعة يمنع هذه القيادة من رؤية تراكم نقاط الحضيض السلبية، وعندما نربط كل النقاط فإن النتيجة واضحة التوجه الشامل هو تدهور مستمر في أمن الدولة.

وأضاف أن الاتجاه السلبي النابع من تطورات اختارت القيادات السياسية والأمنية قمعها، يفوق المكاسب العملياتية المؤقتة، لافتا إلى أن الجمهور تعود على رؤية تصفية قادة أو تدمير بنى تحتية نهاية القصة، لكن الحديث لا يدور إلا عن تعديلات مؤقتة فقط في الرسم البياني للانحدار.

وذكرت صحيفة يديعوت أحرنوت، في 10 نوفمبر، احتياج تل أبيب لـ 12 ألف جندي للجيش، من بينهم حوالي 6000-7000 للوحدات القتالية، فيما أكدت صحيفة هآرتس قبلها بأربعة أيام، أن إسرائيل تضخ ملايين الدولارات لتحسين صورتها في الولايات المتحدة، بعد تراجع التأييد الشعبي لها داخل أوساط اليمين المحافظ.

 

منع استيراد أو تصدير لإسرائيل وانهيار تل أبيب

وأحدثت قرارات عدد من الدول الغربية بتقييد أو منع تصدير بعض السلع والتقنيات إلى إسرائيل، أو الحد من استيراد منتجاتها، صدمة واضحة داخل دوائر صنع القرار في تل أبيب، لما تحمله هذه الخطوات من آثار مباشرة وغير مباشرة على المستويات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، فإسرائيل، التي اعتمدت لسنوات طويلة على انفتاح الأسواق الغربية ودعمها، وجدت نفسها أمام واقع جديد يهدد أحد أهم مرتكزات قوتها، والمتمثل في الاندماج العميق بالاقتصاد العالمي وشبكة التحالفات الغربية.

اقتصاديا، تمثل هذه القرارات ضغطا متزايدا على قطاعات حيوية في الاقتصاد الإسرائيلي، وعلى رأسها الصناعات التكنولوجية المتقدمة والصناعات العسكرية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد مكونات حساسة وتصدير منتجات عالية القيمة إلى الأسواق الغربية، وأي قيود على التصدير أو الاستيراد تعني اضطرابا في سلاسل الإمداد، وارتفاعا في تكاليف الإنتاج، وتأخيرا في تنفيذ العقود، ما ينعكس سلبا على تنافسية الشركات الإسرائيلية وقدرتها على الحفاظ على حصصها في الأسواق الدولية، كما تؤثر هذه الإجراءات على قطاعات أخرى مثل الزراعة والصناعات الغذائية، التي تعتمد على التصدير للأسواق الأوروبية والأمريكية، ما يفاقم خسائر المنتجين ويزيد الضغوط على الميزان التجاري.

عدد الصواريخ التى أطلقت على إسرائيل
عدد الصواريخ التى أطلقت على إسرائيل

 

وعلى مستوى الاستثمار، تبعث هذه القرارات برسائل سلبية إلى المستثمرين الدوليين بشأن استقرار بيئة الأعمال في إسرائيل، حيث ترتفع مخاطر الاستثمار في ظل احتمالات توسع القيود التجارية أو تحولها إلى عقوبات أشمل، وهذا المناخ يدفع بعض الشركات متعددة الجنسيات إلى إعادة تقييم وجودها أو خططها التوسعية داخل السوق الإسرائيلية، ويحد من تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، التي تعد عنصرا أساسيا في دعم النمو الاقتصادي وقطاع الابتكار.

سياسيا، تكشف هذه الخطوات عن تآكل غير مسبوق في الغطاء السياسي الذي تمتعت به إسرائيل داخل العواصم الغربية، وتعكس تصاعد الضغوط الداخلية في تلك الدول بفعل الرأي العام ومنظمات حقوق الإنسان، وهذا التحول يضعف قدرة تل أبيب على التأثير في مواقف حلفائها التقليديين، ويقلص هامش الدعم الدبلوماسي لها في المحافل الدولية، ما قد يفتح الباب أمام قرارات أو إجراءات إضافية أكثر صرامة في المستقبل.

كذلك استراتيجيا، تحمل هذه القيود التجارية بعداً يتجاوز الخسائر الآنية، إذ تمس صورة إسرائيل كحليف موثوق وشريك اقتصادي مستقر، وتدفعها إلى البحث عن بدائل وأسواق جديدة قد تكون أقل ربحية أو أكثر تعقيدا سياسيا، وفي ظل استمرار الحرب على غزة وتزايد الانتقادات الدولية، تبدو تل أبيب أمام معادلة صعبة، حيث تتحول القرارات التجارية الغربية من مجرد أدوات ضغط رمزية إلى عوامل مؤثرة في حساباتها السياسية والاقتصادية طويلة الأمد.

وفرضت إسبانيا، مع بداية العام الجديد، وبالتحديد 5 يناير، حظرا كاملا على استيراد بضائع مستوطنات الاحتلال، ليشمل منتجات مستوطنات الضفة الغربية والقدس المحتلة وهضبة الجولان. وبذلك أصبحت ثاني دولة أوروبية تطبق هذا الحظر بعد سلوفينيا، التي بدأت المقاطعة في أغسطس الماضي، في خطوة تعكس توجه الحكومة الإسبانية اليسارية الرافضة لسياسات الاستيطان والإبادة الإسرائيلية في غزة.

خسائر إسرائيل الاقتصادية بسبب الحرب على غزة
خسائر إسرائيل الاقتصادية بسبب الحرب على غزة

 

وفي نفس اليوم خرجت صحيفة "هآرتس"، لتنشر تقارير رسمية تحذر من أزمة غير مسبوقة تضرب البحث العلمي في إسرائيل، وصلت إلى حافة الانهيار بسبب حرب الإبادة على غزة، وكانت الأسباب هو  تصاعد المقاطعة الأكاديمية الدولية، تراجع الدعم الحكومي، توقف المنح البحثية الخارجية، وتسارع هجرة العقول إلى الخارج.

ونشرت الصحيفة العبرية حينها، تقرير الأكاديمية الوطنية للعلوم يكشف انخفاض استثمارات البحث والتطوير بنسبة 4% بين 2014–2023، مقابل ارتفاعها 20% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فيما أكد رئيس الأكاديمية ديفيد هاريل أن تل أبيب باتت دولة منبوذة أكاديميا على المستوى الدولي، موضحا أن الحرب والمقاطعة أدتا لحرمان الباحثين من برامج تمويل كبرى مثل "هوريزون أوروبا"، وإلغاء مؤتمرات علمية وتقليص مشاركة الأكاديميين الإسرائيليين عالميا.

وأشارت الصحيفة إلى أن الأزمة تضرب خصوصا العلوم الإنسانية والاجتماعية، مع تراجع فرص التعاون الدولي وتزايد الضغوط النفسية والمهنية على الباحثين الشباب، في ظل تراجع ملحوظ في عدد الأبحاث المنشورة دوليا، مقابل تسارع نزيف الكفاءات وصعوبة استقطاب باحثين جدد، محذرة من عواقب بعيدة المدى إذا لم يتخذ تدخل عاجل، وبات مستقبل البحث العلمي ومكانة إسرائيل الدولية على المحك.

وقبل نهاية العام، وفي 30 ديسمبر، فرضت وزارة الاستهلاك الإسبانية، على منصات إعلانية سحب الإعلانات التي تروج لأماكن للإيجار لإقامة السياح في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث حُدد 138 إعلانا عن أماكن إقامة سياحية على سبع منصات تقدم هذه الخدمات في إسبانيا.

ووجهت الوزارة خلال بيان لها حينها، تحذير أول لهذه الشركات المتعددة الجنسيات، لإبلاغها بالعثور على محتوى غير قانوني على منصاتها، يتعلق بإعلانات تجارية حول أماكن إقامة تقع في الأراضي الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل، وطلب منها سحبها، أو حظرها فورا، محذرة من عدم الالتزام بالقرار تحت طائلة التعرض لإجراءات لاحقة.

رفض شعوب العالم للاحتلال وملاحقة جنوده خارجيا

في السنوات الأخيرة، لم يعد الموقف الأوروبي من الاحتلال حبيس أروقة الحكومات أو رهين الحسابات الدبلوماسية الباردة، بل خرج إلى الشوارع والساحات العامة، متجسدًا في صوت شعبي متصاعد يرفض الظلم ويستنكر سياسات القهر والعدوان، حيث شهدت العواصم الأوروبية، من لندن وباريس إلى مدريد وبرلين، موجات متتالية من الاحتجاجات والمسيرات الحاشدة التي عبرت بوضوح عن وعي إنساني متقدم، يرى في ممارسات إسرائيل انتهاكا صارخا للقيم التي طالما تغنت بها أوروبا، قيم الحرية والعدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

هذا الرفض الشعبي لم يأت من فراغ، بل كان ثمرة تراكم طويل من الصور الصادمة، والتقارير الحقوقية الموثقة، وشهادات الضحايا التي اخترقت جدار الصمت الإعلامي، وأعادت صياغة الوعي الجمعي الأوروبي تجاه حقيقة ما يجري تحت وطأة الاحتلال، ومع اتساع رقعة المعرفة، تراجع تأثير الخطاب الرسمي المنحاز، وبدأت قطاعات واسعة من الرأي العام الأوروبي في مساءلة حكوماتها عن ازدواجية المعايير، وعن استمرار دعم سياسات تتناقض جوهريًا مع مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي.

ولعل اللافت في هذا الحراك الشعبي أنه تجاوز الانتماءات السياسية والأيديولوجية الضيقة، ليجمع تحت رايته طلابا وأكاديميين ونقابيين وفنانين ونشطاء حقوقيين، توحدهم قناعة أخلاقية راسخة بأن الاحتلال، أيا كان شكله أو مبرراته، لا يمكن تبريره أو التغاضي عنه، وتحولت الجامعات الأوروبية إلى منصات للنقاش والاحتجاج، وارتفعت الأصوات المطالِبة بفرض عقوبات، ووقف التعاون العسكري والاقتصادي مع قوى الاحتلال، في تعبير واضح عن انتقال الرفض من مستوى التعاطف العاطفي إلى مستوى الفعل السياسي والضغط الشعبي المنظم.

رفض الشعوب الأوروبية للاحتلال يعكس تحولا عميقًا في ميزان الوعي العالمي، حيث باتت العدالة قضية عابرة للحدود، ولم يعد من الممكن تسويق الظلم تحت أي غطاء أمني أو سياسي، وهو رفض لا يستهدف دولة بعينها بقدر ما يواجه منظومة فكرية تقوم على إنكار حقوق الآخرين، ويؤكد أن الشعوب، مهما تباعدت جغرافيا، قادرة على الالتقاء حول قيم إنسانية مشتركة، تضع الكرامة البشرية فوق كل اعتبار، وتعلن بوضوح أن زمن الصمت على إسرائيل يقترب من نهايته.

ونظم نشطاء في 5 يناير، وقفات احتجاجية أمام متاجر "تيسكو" في بريطانيا وأيرلندا تضامنا مع عامل تم وقفه عن العمل بعد رفضه التعامل مع المنتجات الإسرائيلية، حيث طالبت حملة "النزول على تيسكو" بإعادته إلى وظيفته وإسقاط الإجراءات التأديبية بحقه، إلى جانب وقف بيع المنتجات الإسرائيلية، داعية الجمهور للمشاركة في الاحتجاجات والحملات الأسبوعية للضغط على المتجر.

وفي ذات اليوم، هتفت جماهير فرقة "نيكاب" الأيرلندية لفلسطين خلال حفل موسيقي أحيته الفرقة في طوكيو، حيث ردد الحضور هتافات داعمة للشعب الفلسطيني، من بينها "فلسطين حرة حرة"، في مشهد يعكس اتساع رقعة التضامن العالمي واستمرار الحراك الشعبي الداعم للقضية الفلسطينية حول العالم.

كما شهدت مدن أمستردام وجوتنبرج وعدد من المدن البلجيكية والأيرلندية ومانشستر مظاهرات تضامنية واسعة، رفع خلالها المشاركون شعارات تندد بالعدوان والانتهاكات بحق الشعبين الفلسطيني والفنزويلي، مطالبين بوقف التدخلات الخارجية ومحاسبة المسؤولين عنها، ومؤكدين استمرار الحراك الشعبي العالمي دعمًا للحقوق والعدالة.

وشهد اليوم ذاته تقدم مؤسسة هند رجب شكوى جنائية في جمهورية التشيك ضد جندي إسرائيلي يدعى "هداي مونسونيجو"، متهمة إياه بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في غزة، وتتضمن الأدلة المرفقة توثيقاً لمشاركة الجندي في تدمير المنشآت المدنية مثل جامعة الأزهر وحصار مجمع الشفاء الطبي.

وفي 18 يناير، أعلنت المؤسسة ذاتها إبلاغ السلطات الكندية بمخاوف جدية بشأن دخول الجندي الإسرائيلي السابق جاي هوشمان إلى البلاد، مشيرة إلى أنها تقدمت بشكوى جنائية، استنادا على أنشطة وتصريحات علنية مرتبطة بالدعاية العسكرية والتحريض على الحرب في غزة، ومشاركة هذا الجندي علنا في منع شاحنات المساعدات الإنسانية المتجهة للقطاع، واعتبرها أسلحة للأعداء، وشجع الآخرين على عرقلة وصولها.

وذكر موقع والا العبري في 25 ديسمبر، إن إسرائيل للمرة الثانية على التوالي، في ذيل المؤشر للدول المرموقة بالعالم، مسجلة انخفاضا غير مسبوق بنسبة 6.1%، ويعود ذلك أساسا إلى المشاعر السلبية تجاه الشعب الإسرائيلي والصورة السلبية السائدة بين شباب العالم.

بينما في 28 أكتوبر، أعلنت ماليزيا والبرازيل تأييدهما لجنوب أفريقيا في الدعوى التي رفعتها أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، والمتعلقة بارتكاب دولة الاحتلال جريمة إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غـزة، حيث تزامن هذا الموقف في إطار اتساع دائرة الدول التي تعلن تأييدها للمسار القانوني الذي تتبعه جوهانسبرج، بهدف محاسبة إسرائيل على انتهاكاتها الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، وجاء الإعلان ضمن بيان مشترك أصدره رئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم، والرئيس الجنوب أفريقي ماتاميلا سيريل رامافوزا، خلال الزيارة الرسمية التي أجراها الأخير حينها إلى كوالالمبور، بالتزامن مع انعقاد القمة السابعة والأربعين لرابطة دول جنوب شرق آسيا "الآسيان".

تنامي الرفض الدولي للاحتلال

ويؤكد الدكتور جهاد أبو لحية، أستاذ القانون الدولى والعلوم السياسية الفلسطيني، أن تنامي الرفض الدولي للاحتلال يعكس حقيقة أن الجرائم الدولية الكبرى لم تعد محمية بجدار الحصانة السياسية أو التواطؤ الدبلوماسي، خاصة أن الإرادة العالمية تتجه نحو تفعيل آليات المحاسبة، بحق كل من تورط أو دعم أو برر هذه الجرائم سواء قادة أو جنود، وملاحقة جنود الاحتلال في بعض الدول رسالة سياسية واضحة بأن الإفلات من العقاب لم يعد أمرا مضمونا، وذاكرة الشعوب صارت جزءا من معادلة العدالة الدولية.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن إسرائيل تواجه تحديات كبيرة في العديد من القطاعات، حيث آثار الحرب على غزة تسبب في خسائر عديدة لإسرائيل في العديد من المجالات الاقتصادية، والسياسية، والمجتمعية، وهو ما جعل تل أبيب تتعرض لهزات استراتيجية غير مسبوقة، وتجسدت في اختراقات أمنية كبيرة أظهرت نقاط ضعف في منظومتها الدفاعية، مما قوض صورة الردع التقليدية التي اعتمدت عليها لعقود، كما تكبد جيشها خسائر بشرية ومادية كبيرة.

ويوضح أن التوثيق المستمر للجرائم الإسرائيلية كان سببا كبيرا في كشف عمليات قتل ممنهج للمدنيين، وفرض حصار وتدمير شامل للبنية التحتية المدنية، وممارسة تجويع جماعي يرقى إلى استخدام الجوع كسلاح حرب، وهو ما يعد انتهاكا صارخا لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولين الإضافيين لعام 1977.

موجات الهجرة من إسرائيلية

لم تعد تل أبيب، التي طالما قدمت باعتبارها مدينة الاستقرار والفرص والأمان، بمنأى عن تداعيات الحرب المتواصلة، إذ بدأت ملامح التحول الديموجرافي والنفسي تظهر بوضوح في شوارعها ومؤسساتها وأسواقها، فبسبب الحرب واتساع دائرة الخطر، تحولت الهجرة من تل أبيب من ظاهرة هامشية إلى مؤشر بالغ الدلالة على عمق الأزمة الداخلية، حيث اختار عشرات الآلاف من الإسرائيليين مغادرة البلاد بحثا عن الأمان والاستقرار في الخارج، تاركين خلفهم فراغا بشريا واقتصاديا يصعب تجاهله.

هذا النزيف البشري لم يكن مجرد حركة سفر مؤقتة، بل حمل في طياته آثارا مباشرة على تل أبيب باعتبارها القلب الاقتصادي والمالي والتكنولوجي لإسرائيل، فقد تراجع الإقبال على الاستثمار، وتباطأت حركة الشركات الناشئة، وبدأت قطاعات حيوية تشكو من نقص الكفاءات، في وقت تشهد فيه المدينة حالة غير مسبوقة من القلق الجماعي وانعدام اليقين بالمستقبل، ومع مغادرة فئات واسعة من الشباب وأصحاب الخبرات، فقدت تل أبيب جزءا من ديناميكيتها التي شكلت لعقود عنصر جذب أساسي للاقتصاد الإسرائيلي.

وعلى الصعيد الاجتماعي، خلفت موجات الهجرة أثرا نفسيا عميقًا داخل المدينة، حيث تراجعت مظاهر الحياة الطبيعية، وازدادت مشاعر الخوف والإنهاك، وتآكلت الثقة في قدرة المؤسسة السياسية والعسكرية على توفير الحد الأدنى من الأمن، ولم تعد الهجرة تعبيرا عن رفاهية الاختيار، بل تحولت إلى قرار اضطراري لكثيرين، يعكس تصدع العقد غير المعلن بين الدولة ومواطنيها، والذي كان يقوم على معادلة "الأمن مقابل الولاء".

أما سياسيا، فقد شكلت الهجرة من تل أبيب رسالة صامتة لكنها شديدة الوضوح، مفادها أن الحرب لم تنتج فقط خسائر عسكرية أو دبلوماسية، بل أصابت العمق المدني والاقتصادي لإسرائيل، وضربت صورة المدينة التي روج لها كواحة استقرار في منطقة مضطربة، ومع كل طائرة تقلع محمّلة بالمغادرين، تتعزز الأسئلة حول مستقبل تل أبيب، وقدرتها على الصمود كعاصمة فعلية للاقتصاد والحياة الحديثة، في ظل واقع أمني هش وحرب طويلة الأمد.

ولم تعد الهجرة مجرد رقم في إحصاءات رسمية، بل أصبحت مرآة تعكس حجم المأزق الذي تعيشه تل أبيب، ودليلًا على أن الحرب، حين تطول، لا تكتفي بتغيير خرائط الجبهات، بل تعيد تشكيل المدن، وتبدل أولويات البشر، وتكشف هشاشة السرديات التي بنيت على وهم الأمن الدائم.

وذكرت صحيفة هآرتس في 23 نوفمبر، أن 30 % فقط من الحريديم يفكرون في الهجرة، مقارنة بـ 39% من العلمانيين، حيث يفكر العلمانيون، وذوو الدخل والتعليم العالي، وناخبو يسار الوسط في مغادرة إسرائيل بمعدلات أعلى من المتدينين، وذوي التعليم المنخفض، بينما يفكر العرب في الهجرة بمعدلات أعلى، موضحة أن الأسباب الرئيسية هي غلاء المعيشة، وغياب مستقبل جيد للأطفال، والوضع الأمني، وجودة الحكومة.

وفي 16 نوفمبر ذكرت صحيفة "ذي ماركر" مقالا بعنوان "هجرة الإسرائيليين"، مشيرة إلى أن نزيف مغادرة إسرائيل، حيث إن معظم المغادرين هم من الشباب والمتعلمين، مع بروز خاص لأولئك الذين يغادرون تل أبيب، وكان معدل الأشخاص الذين يغادرون عام 2024 هو 14٪، مقارنة بمعدل 9.6٪ يغادرون المدينة في عام 2010.

وأوضحت أن عدد الأشخاص الذين يغادرون  تل أبيب أكبر من  القدس، متسائلة :" هل تلقى المغادرون عروض عمل أحلامهم في الخارج أو أنهم سئموا من الحياة هنا؟

ولفتت إلى أن قوات الاحتياط وتقاسم الأعباء غير العادل الذي تصر الحكومة على الحفاظ عليه، وتكلفة المعيشة، والاستقطاب، والهجوم الحكومي المتواصل على المحكمة العليا، والنائب العام، والمسؤولين الحكوميين، ووسائل الإعلام؛ وعدم رغبة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الاعتراف بمسؤوليته عن أكبر فشل وكارثة في تاريخ البلاد، والشعور بأن حتى الاحتجاجات العامة والمظاهرات والصراخ العام لا يوقف التحركات المدمرة التي تقودها الحكومة الحالية أبرز أسباب الهجرة.

وقبلها بـ4 أيام، أعلنت صحيفة ذي ماركر العبرية، ارتفاع معدل الهجرة العكسية في إسرائيل بنسبة 50%، خاصة أن هناك زيادة ملحوظة في عدد المهاجرين من تل أبيب خلال العامين الماضيين، مقابل تراجع حاد في عدد العائدين إليها، موضحة أنه حتى سبتمبر 2025، بلغ عدد المهاجرين 56 ألف شخص، ما يؤكد أن الظاهرة تتفاقم دون حلول حقيقية للحد منها.

وأشارت إلى أن المعطيات تؤكد أن أغلب المهاجرين من فئة المثقفين، ومن بينهم قادمين إلى إسرائيل من أوكرانيا بعد حربها مع روسيا عام 2022، ومن أبرز أسباب ارتفاع الهجرة العكسية هو الانقلاب الحكومي الذي بدأ مطلع 2023، والحرب على غزة وتداعياتها العميقة على المجتمع الإسرائيلي.

وفي ذات اليوم، أكدت صحيفة هآرتس، ارتفاع عدد المواطنين المولودين في إسرائيل الذين غادروا بنحو 50% في الفترة 2022-2024، وتميزت الهجرة خلال هذه الفترة بأشخاص أكثر تعليما، وفقا لمسح جديد نشره المكتب المركزي للإحصاء.

 

تسريبات تهز تل أبيب
 

كان 11 يناير يوما يمثل زلزال داخل إسرائيل، بعدما كشفت صحيفة هآرتس العبرية، أن هناك تسريب لآلاف جهات الاتصال الخاصة بكبار المسؤولين الإسرائيليين، من بينهم رئيس حكومة الاحتلال السابق نفتالي بينيت، ورئيس ديوان مكتب بنيامين نتنياهو، تساحي برافيرمان، ووزيرة العدل السابقة أييليت شاكيد، موضحة أن عشرات الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في قوائم الاتصال، ومن بينهم شخصيات تشغل أو شغلت مناصب حساسة، باتوا عرضة لخطر التجسس من قبل أجهزة استخبارات أجنبية.

وأضافت خلال تقريرها، أن مجموعة القرصنة المسؤولة عن التسريب بدأت بالفعل في مطابقة البيانات المكشوفة وإثرائها عبر الربط مع قواعد بيانات إسرائيلية كبرى جرى الاستيلاء عليها في عمليات اختراق سابقة، لافتة إلى أن خطورة التسريب لا تكمن فقط في حجم البيانات، بل في طبيعتها، إذ أن الوصول إلى أرقام الهواتف الشخصية لمسؤولين حساسين يتيح تتبعهم داخل تل أبيب وخارجها، وربط أرقامهم بحساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وتعقب تحركاتهم باستخدام أدوات وتقنيات متقدمة، وهذه القدرات كانت في السابق حكرا على أجهزة استخبارات الدول، إلا أن تقارير حديثة أظهرت انتقال بعض هذه الأدوات إلى أيدي جهات خاصة، من بينها تقنيات تتبع جغرافي تعتمد على أنظمة إعلانية مفتوحة ومغلقة.

 

أكتوبر الأسود على الاحتلال

كان شهر أكتوبر الماضي شهرا أسود على الاحتلال بسبب الضربات الداخلية والخارجية التي واجهتها، بدأت في 8 أكتوبر، عندما أكد معهد دراسات الأمن القومي "الإسرائيلي"، أن هناك  63%  من الإسرائيليين انخفضت ثقتهم بحكومة نتنياهو منذ بداية الحرب، و 72% عبروا عن عدم رضاهم عن طريقة إدارة الحكومة للعدوان.
وأشار المعهد الإسرائيلي، إلى أن  51% يخشون من تكرار حدث مشابه لهجوم 7 أكتوبر، كما أن غالبية الإسرائيليين ترى أن الوقت حان لإنهاء الحرب في غزة، و 57% يرون أن قرارات الحكومة أثناء الحرب استندت بدرجة منخفضة أو منخفضة للغاية إلى اعتبارات أمنية بحتة.

أزمة نتنياهو في التعامل مع التطورات

ويوضح الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن إسرائيل أصبحت تشهد انقساما كبيرا لدى كل القطاعات والفئات وهو ما يمثل مشكلة كبرى لحكومة نتنياهو ومستقبلها، خاصة أنه لا يوجد مراجعات داخل الاحتلال بسبب الإخفاقات التي تعرض لها.
ويؤكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، في تصريح خاص لـ"اليوم السابع"، أن حكومة نتنياهو تواجه أزمة كبيرة في التعامل مع التطورات التي يشهدها المجتمع الإسرائيلي المنقسم، ولن تستطيع توحيده، خاصة في ظل حرص نتنياهو على التصعيد بشكل مستمر .
بعدها بأسابيع، وبالتحديد في 25 أكتوبر، ذكرت صحيفة "الجارديان" البريطانية، أن المركز الدولي للعدالة من أجل الفلسطينيين يبدأ حملة لرفع دعاوى قضائية ضد بريطانيين قاتلوا في صفوف جيش الاحتلال خلال حربه على غزة، وهو ما يمثل ضربة كبرى لجنود تل أبيب خارجيا، وفي ذات اليوم أعلنت مؤسسة هند رجب أنها تقدمت بشكوى ضد جندي، يحمل الجنسيتين الإسرائيلية والألمانية، خدم في القطاع، واتهمته بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والمشاركة في إبادة جماعية، حيث استندت إلى وثائق منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر مشاركته في تدمير المبان.

بعدها بـ24 ساعة فقط، أكدت القناة 12 العبرية، أنه لا تزال العديد من شركات الطيران تواصل إلغاء الرحلات إلى تل أبيب، فعلى الرغم من وقف إطلاق النار وعودة عدد من الشركات، إلا أن هناك الكثير من شركات الطيران الأجنبية ألغت رحلاتها، لافتة إلى أن بعض هذه الشركات ستنتظر لترى ما إذا كان الهدوء في المنطقة سيستمر، وأخرى ستعيد تخصيص الطائرات فقط في الصيف، وهناك شركات ربما لن تعود إطلاقا.
وفي 27 أكتوبر، ذكرت صحيفة هآرتس،  أن أكثر من ألف حالة مقاطعة أكاديمية لإسرائيل، بسبب الحرب على غزة، معقبة أن هذا الوضع الأخطر الذي مررت به تل أبيب على الإطلاق، خاصة أن حالات المقاطعة الأكاديمية ضد الباحثين الإسرائيليين تضاعفت 3 مرات.

مراكز بحثية إسرائيلية بين التفاؤل والتشاؤم

من جانبها تؤكد الدكتورة وداد العربي، الباحثة المتخصصة في الشأن الإسرائيلي، أن مواقف عدد متزايد من الدول حول العالم، لا سيما في أوروبا وأمريكا اللاتينية، شهدت تحولا لافتا في تعاملها مع إسرائيل عقب الحرب على غزة وما رافقها من اتهامات موثقة بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، موضحة أن هذا التحول لم يعد يقتصر على الإدانات السياسية أو الخطاب الدبلوماسي التقليدي، بل بدأ ينعكس في إجراءات عملية تمس مجالات التسليح والتجارة والعلاقات الثنائية، ما يشير إلى تراجع ملموس في مستوى الغطاء السياسي الذي تمتعت به إسرائيل لسنوات طويلة.
وتضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أنه في أوروبا، برز اتجاه متصاعد لإعادة تقييم العلاقات مع إسرائيل على ضوء الاعتبارات القانونية والإنسانية، حيث اتجهت دول مثل إسبانيا وسلوفينيا إلى فرض قيود صارمة، وصلت في بعض الحالات إلى حظر شبه كامل على تصدير الأسلحة أو منع عبور شحنات عسكرية مرتبطة بتل أبيب، مبررة ذلك بوجود خطر حقيقي من استخدام هذه الأسلحة في ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، موضحة أنه في دول أخرى مثل بريطانيا وبلجيكا، اتخذت الحكومات مسارا أكثر حذرا تمثل في تعليق أو مراجعة تراخيص تصدير محددة، خاصة تلك المتعلقة بمكونات عسكرية يمكن استخدامها في العمليات الجارية في القطاع.
ورغم أن هذه الخطوات لا ترقى إلى مستوى عقوبات شاملة، تؤكد وداد العربي، أن دلالتها السياسية تكمن في كسر أحد أكثر المحرمات ثباتا داخل السياسة الأوروبية، والمتمثل في تحييد العلاقات العسكرية مع إسرائيل عن أي مساءلة.
وتشير إلى أنه بجانب ملف السلاح، بدأت تظهر داخل الاتحاد الأوروبي نقاشات متزايدة حول مستقبل العلاقات التجارية مع إسرائيل، بما في ذلك الدعوات إلى خفض استيراد بعض السلع، أو ربط اتفاقيات الشراكة الأوروبية-الإسرائيلية باحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، ورغم أن هذه النقاشات لم تتحول جميعها إلى قرارات تنفيذية، فإنها تعكس تغيرا نوعيا في النظرة إلى تل أبيب، من شريك محصن سياسيا إلى شريك يمكن مساءلته وربط التعاون معه بشروط واضحة.
وبشأن أمريكا اللاتينية، توضح أن التحول كان أكثر صراحة وحدة، سواء على مستوى الخطاب السياسي أو الإجراءات الاقتصادية، بعدما تبنت دول مثل كولومبيا والبرازيل وفنزويلا خطابا علنيا شديد اللهجة تجاه الحرب على غزة، مستخدمة توصيفات قانونية وأخلاقية غير مسبوقة في علاقتها مع الاحتلال، وكولومبيا ذهبت خطوة أبعد من الخطاب، حين أعلنت حظر تصدير الفحم إلى إسرائيل، وهو مورد استراتيجي يستخدم في قطاع الطاقة، ما منح القرار بعدا اقتصاديا ضاغطا وليس رمزيا فقط.
"حافظت فنزويلا على موقف سياسي متشدد داعم للفلسطينيين، ووصفت الحرب على غزة بالإبادة الجماعية، في امتداد لنهج سياسي قائم منذ أكثر من عقد، ورغم غياب إجراءات اقتصادية جديدة مباشرة، فإن أهمية الموقف الفنزويلي تكمن في حضوره القوي داخل المنظمات الدولية والخطاب السيادي الذي يتحدى الرواية الإسرائيلية بشكل مباشر"، هكذا تشير وداد العربي التي تؤكد أن الموقف البرازيلي كان عامل ضغط إضافي بحكم ثقلها الإقليمي والدولي، وأسهم في تعزيز مناخ سياسي لاتيني أكثر انتقادا للاحتلال وأقل استعدادا لتبني مواقف محايدة.

تدمير البنية التحتية في إسرائيل
تدمير البنية التحتية في إسرائيل


وحول تأثير هذه المواقف والقرارات على إسرائيل، تؤكد أن مواقف مراكز الأبحاث والمؤسسات الاستراتيجية عكست قلقا متزايدا من اتساع نطاق هذه التحولات، بعدما تبنت مراكز بحثية محافظة، مثل مركز بيجن-السادات للدراسات الاستراتيجية (BESA Center)، خطابا دفاعيا يركز على نفي اتهامات ارتكاب جرائم حرب أو إبادة جماعية، واعتبار أن الإجراءات الأوروبية واللاتينية نتاج ضغوط إعلامية وحقوقية ومواقف سياسية مسيسة، كما قللت هذه المراكز من التأثير الفعلي لحظر الأسلحة أو القيود التجارية، مشيرة إلى أن الدعم الأمريكي المستمر ما زال يشكل مظلة استراتيجية تحمي إسرائيل من تداعيات دولية أوسع.
وتوضح أن مراكز بحثية أخرى ذات طابع براغماتي، مثل معهد ميتفيم للسياسات الخارجية الإسرائيلية ومعهد دراسات الأمن القومي (INSS)، تبنت رؤية أكثر تشاؤما، حيث حذرت تقارير صادرة عن هذه المراكز من أن استمرار الحرب من دون أفق سياسي واضح يسرع من تآكل مكانة تل أبيب الدولية، خاصة في أوروبا، ويحول دولا كانت تعد تقليديا محايدة أو صديقة إلى أطراف ضاغطة أو ناقدة.
وربط معهد ميتفيم بين القيود الأوروبية والتحركات اللاتينية وبين فشل الدبلوماسية الإسرائيلية في إدارة صورتها الخارجية، داعيا إلى إعادة صياغة السياسة الخارجية الإسرائيلية وتبني مسار سياسي يخفف من الضغوط القانونية والاقتصادية المتصاعدة، أما معهد INSS، تناول المسألة من زاوية الأمن القومي، محذرا من أن العزلة الدولية، إذا ترسخت، قد تمتد مستقبلا إلى مجالات أكثر حساسية مثل التعاون العسكري والتكنولوجي.

انهيار بجميع القطاعات داخل إسرائيل بسبب الحرب
انهيار بجميع القطاعات داخل إسرائيل بسبب الحرب


وتشدد وداد العربي، على أن هذه التحولات لا تعكس انقلابا كاملا في مواقف المجتمع الدولي تجاه إسرائيل، لكنها تشير إلى تغير تراكمي بطيء من الدعم غير المشروط إلى الدعم المشروط، ومن الحماية السياسية إلى المساءلة التدريجية، فبينما تختبر أوروبا أدوات الضغط القانونية والاقتصادية، تستخدم دول في أمريكا اللاتينية خطابا سياديا وإجراءات اقتصادية مباشرة، مشيرة إلى أن مراكز البحث الإسرائيلية تدرك أن استمرار هذا المسار قد يعيد رسم موقع إسرائيل في النظام الدولي، من دولة تحظى بحصانة سياسية واسعة إلى دولة تواجه حدود القوة العسكرية أمام ضغط القانون والسياسة الدولية.

 

 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة