في كل عام، ومع حلول الخامس والعشرين من يناير، لا يمر عيد الشرطة كذكرى عابرة، بل يعود محمّلًا بدروس التضحية والفداء، منذ معركة الإسماعيلية عام 1952 وحتى معارك الأمن اليومية التي لا تتوقف.
في هذا التوقيت الذي تختلط فيه الذاكرة الوطنية بالفخر، نسترجع رحلة بدأت بحلم صغير لفتاة مصرية أرادت أن تخدم وطنها، وانتهت بمسؤوليات جسام وتجربة إنسانية ومهنية تعتز بها.
اللواء حنان يوسف المدير السابق لوحدة حقوق الإنسان بمديرية أمن القاهرة، واحدة من سيدات هذا الجهاز الوطني، تحمل في قلبها تقديرًا لكل قطرة عرق سالت دفاعًا عن أمن مصر، ولكل شهيد ارتقى وهو يؤدي واجبه.
تقول في حوارها لليوم السابع: منذ سنواتي الأولى، كان حلم الالتحاق بكلية الشرطة يراودني بإلحاح، لم يكن مجرد رغبة في وظيفة، بل إيمان بدور ورسالة. كنت أرى في الشرطة رمزًا للانضباط والتضحية، وكنت أؤمن أن المرأة المصرية قادرة على أن تكون جزءًا أصيلًا من هذه المنظومة. التحقت بالعمل الشرطي وأنا أدرك أن الطريق لن يكون سهلًا، لكنني كنت مستعدة للتحدي، مؤمنة بأن الكفاءة لا تعرف نوعًا ولا تمييزًا.
أضافت: عملت في مجالات متعددة داخل جهاز الشرطة، وكان لملف حقوق الإنسان ومكافحة العنف ضد المرأة نصيب كبير من جهدي واهتمامي، هذا المجال لم يكن بالنسبة لي عملًا إداريًا فقط، بل قضية إنسانية ووطنية. الدفاع عن المرأة وحمايتها من العنف هو دفاع عن المجتمع بأكمله، سعيت، ومعي زملاء شرفاء، إلى ترسيخ ثقافة تحترم الكرامة الإنسانية، وتؤكد أن الأمن الحقيقي يبدأ من حماية الإنسان، خاصة الفئات الأكثر احتياجًا للدعم.
الداخلية تدعم المرأة بجهاز الشرطة
وتابعت: الدعم الذي حظيت به المرأة داخل جهاز الشرطة كان نقطة تحول حقيقية، الدولة آمنت بقدرات المرأة، وفتحت أمامها آفاقًا جديدة، فوجدنا المرأة تعمل في حقوق الإنسان، وفي مكافحة العنف ضد المرأة، وفي قوات الدفاع المدني، بل ووصلت إلى القوات الخاصة، تؤدي مهامًا دقيقة بكل كفاءة واقتدار، لم يعد وجود المرأة استثناءً، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة العمل وتطور التحديات.
واستطردت: تطور عمل المرأة في الشرطة لم يأتِ من فراغ، هناك منظومة تدريب حديثة ومتطورة، تهدف إلى إعداد ضابطة عصرية تليق بالجمهورية الجديدة، تدريبات بدنية ونفسية، وتأهيل علمي وتكنولوجي، وصقل للمهارات القيادية.
المرأة الشرطية اليوم قادرة على التعامل مع أخطر الملفات، ومواجهة أصعب الظروف، دون أن تفقد إنسانيتها أو حسها الوطني.
تضحيات كبيرة للمرأة في جهاز الشرطة
وعندما نتحدث عن التضحيات، لا يمكن أن نغفل أن المرأة المصرية قدمت شهيدات في سبيل هذا الوطن، سقطن وهن يدافعن عن أمنه واستقراره، أسماء مثل اللواء نجوى الحجار ستظل محفورة في الذاكرة الوطنية، شاهدة على أن التضحية لا تفرق بين رجل وامرأة، وأن الوطن يستحق أن نبذل من أجله الأرواح.
وأردفت: تضحيات الشرطة المصرية لم تتوقف عند معركة الإسماعيلية في 25 يناير 1952، تلك المعركة الخالدة التي جسدت أسمى معاني الصمود والكرامة، بل امتدت عبر العقود وحتى يومنا هذا. كل يوم يخرج فيه رجل أو امرأة شرطة إلى عمله، وهو يعلم أن الخطر وارد، لكنه يؤدي واجبه بإخلاص، هذه التضحيات هي التي جعلت مصر اليوم واحة للأمن والاستقرار، رغم ما يحيط بها من تحديات إقليمية ودولية.
وذكرت: على المستوى الإنساني، كنت حريصة على أن أوازن بين عملي كضابطة حاسمة لا تعرف التهاون، ودوري كأم حنونة وست بيت في منزلي. لم يكن الأمر سهلًا، لكنه كان ممكنًا بالإرادة والتنظيم والدعم الأسري، تعلمت أن القوة الحقيقية للمرأة في قدرتها على التوفيق بين أدوارها المختلفة، دون أن تتخلى عن أي منها.
واختتمت حديثها قائلة: في ذكرى عيد الشرطة الـ74، بعدما أوفيت العطاء، أوجه تحية تقدير واحترام لكل العاملين في جهاز الشرطة، رجالًا ونساءً، على ما يقدمونه من تضحيات وجهد متواصل. تحية لكل شهيد، ولكل مصاب، ولكل أسرة صبرت واحتسبت، سيظل جهاز الشرطة أحد أعمدة الدولة المصرية، وسيظل الخامس والعشرون من يناير رمزًا للفداء والعزة الوطنية، ما دامت مصر باقية، وما دام في هذا الوطن من يؤمن بأن الأمن رسالة، وأن خدمة الناس شرف لا يعلوه شرف.