تلجأ عصابات وشبكات دولية منظمة للنصب الإلكتروني على المواطنين، مستخدمة تطبيقات إلكترونية وصفحات وهمية على مواقع التواصل، لإيهام الضحايا بأنهم يستثمرون أموالهم في مشاريع وهمية أو منصات مالية مزيفة مقابل أرباح مالية مغرية.
تبدأ الخطة عادةً بإغراء المواطنين وتحفيزهم على دفع مبالغ تحت مسميات مختلفة مثل المصروفات الإدارية أو رسوم الاشتراك، قبل أن يعقدوا معهم اجتماعات عبر الإنترنت لتقوية مصداقية نشاطهم، ومن ثم الاستيلاء على أموالهم دون أي وجه حق.
كشف لغز منصة CANLOP.. الداخلية تضبط شبكة دولية للنصب الإلكتروني
ولم تقف أجهزة وزارة الداخلية مكتوفة الأيدي أمام هذا التحدي المتنامي، بل تصدت بحزم لهذه الشبكات، وتمكنت من ضبط أخطرها في عملية محكمة، حيث تم القبض على عناصر تشكيل عصابي دولي متخصص في النصب والاحتيال، استخدم منصة مزيفة تحمل اسم CANLOP لاستدراج المواطنين وطلب مبالغ مالية منهم مقابل وعود بأرباح تصاعدية.
كيف استهدفت العصابات الإلكترونية المواطنين؟
وفقًا للتحريات والمعلومات التي حصل عليها قطاع الأمن العام والإدارة العامة لمكافحة جرائم تقنية المعلومات، ضم التشكيل العصابي 15 شخصًا، من بينهم ثلاثة يحملون جنسية إحدى الدول الأجنبية، متخصصين في استقطاب المواطنين عبر منصات إلكترونية وصفحات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، وإقناعهم بأن استثمار أموالهم في هذه المنصة يضمن لهم أرباحًا مالية منتظمة.
كما كان أعضاء العصابة يقومون بإعداد ندوات ولقاءات افتراضية وحقيقية مع العملاء لإضفاء الشرعية على أنشطتهم وزيادة المصداقية أمام الضحايا، مستخدمين أساليب إغراء نفسية وتقنيات تسويقية إلكترونية حديثة لإقناع الضحايا بإيداع أموالهم.
وعقب تقنين الإجراءات بالتنسيق مع الجهات المعنية، تمكنت أجهزة الأمن من القبض على جميع المتهمين، وعُثر بحوزتهم على عشر محافظ إلكترونية تحتوي على مبالغ مالية بالعملتين المحلية والأجنبية، و47 هاتفًا محمولًا، وخمسة أجهزة تابلت، وثلاثة أجهزة لابتوب، بالإضافة إلى 253 شريحة هاتف محمول، وبانرات وأوراق دعاية تحمل اسم المنصة. وتقدر القيمة المالية للمضبوطات بحوالي 9 ملايين جنيه، وهو ما يمثل جزءًا من الأموال التي تم التحصل عليها من الضحايا.
النيابة العامة تولت التحقيق مع المتهمين فور ضبطهم، واتخذت الإجراءات القانونية اللازمة، مع توجيه تهم النصب والاحتيال الإلكتروني وإهدار المال العام، وهو ما يعكس الجدية التي تتعامل بها الدولة مع الجريمة المنظمة، خصوصًا في المجال الإلكتروني الذي أصبح أحد أهم التحديات أمام الأمن القومي والمجتمع المدني.
إشادة بجهود الداخلية في ملاحقة الجرائم الالكترونية
خبراء أمنيّون أشادوا في تصريحات لجريدة اليوم السابع بجهود الداخلية في إسقاط هذه الشبكات المنظمة.
وأكد اللواء عمرو الشرقاوي، الخبير الأمني، أن العصابات الإلكترونية تعتمد على تقنيات متطورة للغاية في تنفيذ جرائمها، لكن أجهزة الداخلية قادرة على مجاراتها باستخدام خطط حديثة للرصد والضبط، مما يضمن حماية الأموال والمواطنين من الوقوع فريسة لهذه الشبكات.
كما أوضح اللواء خالد يحيى، خبير أمني، أن الداخلية توجه ضربات حاسمة للعصابات المنظمة وتتصدى للجريمة الإلكترونية بحسم، مؤكداً أن حماية المال العام وحفظ حقوق المواطنين تأتي على رأس أولويات الأمن القومي.
ودعا المواطنين إلى توخي الحذر عند التعامل مع الإنترنت وعدم التعامل مع أشخاص مجهولين، وعدم الانسياق وراء وعود الأرباح السريعة، كما شدد على أهمية الإبلاغ الفوري عن أي محاولات نصب أو استدراج إلكتروني إلى الجهات الأمنية المختصة.
من الناحية القانونية، يعاقب القانون بشدة على النصب والاحتيال، سواء كان في التعاملات التقليدية أو عبر الوسائط الإلكترونية. وتتراوح العقوبات بين السجن والغرامة المالية، مع إمكانية مضاعفة العقوبة إذا شمل الفعل استهداف أموال المواطنين بشكل جماعي أو عبر شبكة منظمة، كما هو الحال في هذه الجريمة.
قانون مكافحة جرائم الإنترنت يعطي الجهات المعنية صلاحيات واسعة للتحقيق ومصادرة الأدوات المستخدمة في ارتكاب الجريمة، بما في ذلك الأجهزة الإلكترونية والبرمجيات المستخدمة في عمليات النصب والتسويق الوهمي.
تؤكد هذه العملية الأمنية الناجحة على جدية الدولة في مكافحة الجريمة الإلكترونية وحماية المواطنين، كما تعكس أهمية وعي الجمهور في التعامل مع الإنترنت والتمسك بالمصادر الموثوقة قبل الانخراط في أي تعاملات مالية عبر المنصات الرقمية. العمليات التي نفذتها الأجهزة الأمنية تظهر كيف أن التخطيط والتنظيم، المدعومين بالتكنولوجيا، يمكن أن يوقعا الضحايا في الأموال الوهمية، لكن الردع القانوني والرقابة الأمنية الحديثة قادران على تقليص هذه المخاطر بشكل كبير.
كما يشير الخبراء الأمنيون إلى أن العصابات الدولية لا تتوقف عند حدود دولة واحدة، فهي تنشط عبر الحدود وتستهدف المواطنين من مختلف الجنسيات باستخدام تقنيات معقدة مثل التزييف الرقمي والتسويق الإلكتروني المدفوع، وهو ما يجعل عملية الرصد والتتبع مهمة معقدة لكنها قابلة للتحقيق عندما تتضافر جهود الإدارات المختصة.
هذه الواقعة الأخيرة ليست مجرد ضبط شبكة نصب، لكنها تحذير مهم لكل مستخدمي الإنترنت، خاصة أولئك الذين يسعون وراء فرص استثمارية سريعة وغير موثوقة. وهي تذكرنا أن الأمن الإلكتروني ليس رفاهية، بل ضرورة لحماية الاقتصاد والمجتمع، وأن الدور الوقائي للمواطنين لا يقل أهمية عن الدور الأمني في حماية أنفسهم وأموالهم من الوقوع فريسة النصب والاحتيال.
تؤكد أجهزة الأمن أن جهود مكافحة الجريمة المنظمة مستمرة، وأن العمل الشرطي الرقمي أصبح جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي، بحيث يضمن المواطن حمايته المالية والقانونية، ويحافظ على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للدولة، فيما يظل المواطن الواعي أكثر قدرة على حماية نفسه من الانخداع والعرضة للنصب عبر المنصات الرقمية الوهمية.