في كل مرة يحل فيها عيد الشرطة، لا يمر اليوم بالنسبة لي كذكرى عابرة أو مناسبة رسمية، بل يعود كفيلم طويل مليء بالمشاعر، تختلط فيه دموع الفقد بفخر لا ينكسر.
هكذا تحدثت السيدة صفاء سليمان، أرملة الشهيد البطل اللواء ياسر عصر في حوار خاص لـ اليوم السابع.
عيد الشرطة الرابعة والسبعين
تقول: أتحدث اليوم بقلبي قبل لساني، في ذكرى عيد الشرطة الرابعة والسبعين، تخليدًا لمعركة الإسماعيلية في 25 يناير 1952، تلك المعركة التي صنعت معنى التضحية، ورسخت في وجدان المصريين أن هذا الوطن لا يُحمى إلا بالدم.
كان زوجي يؤمن أن العمل في الشرطة ليس وظيفة، بل رسالة حياة أو موت، لم يكن يومًا يبحث عن منصب أو شهرة، كان يبحث فقط عن راحة الناس وأمنهم، كان يعود إلى البيت متعبًا، يحمل هموم العمل في صمته، لكنه لا يشتكي، كان يقول لي دائمًا إن ضابط الشرطة الحقيقي هو من يشعر بالمواطن قبل أن يسمع صوته. أحب عمله حتى آخر لحظة في عمره، ودافع عن وطنه بإيمان لا يعرف التراجع.
سنوات من القلق الممزوج بالفخر
وأضافت أرملة البطل: عشت معه سنوات من القلق الممزوج بالفخر، كنت أعرف أنني متزوجة من رجل اختار طريقًا صعبًا، طريقًا مليئًا بالمخاطر، لكنني كنت أراه يعود كل يوم بعينين ثابتتين وقلب مطمئن لأنه أدى واجبه، وحين جاء خبر استشهاده، شعرت أن روحي انكسرت، لكنني في اللحظة نفسها شعرت بشموخ لم أعرفه من قبل.
نعم، بكيت، وما زلت أبكي، لكنني فخورة به حيًا وشهيدًا، فخورة باسمه، وبسيرته، وبكل خطوة خطاها دفاعًا عن هذا الوطن.
أحدثه كثيرًا، أوجه له رسائل لا يسمعها إلا قلبي، أقول له إنك لم ترحل، أنت حاضر في كل بيت آمن، وفي كل شارع مطمئن، وفي كل طفل يذهب إلى مدرسته بلا خوف.
أقول له إن أبناءك كبروا وهم يحملون اسمك على أكتافهم كوسام شرف، وإنهم اختاروا أن يكملوا المسيرة، لا بدافع التحدي، بل بدافع الإيمان بما كنت تؤمن به.
وتابعت: بعد استشهاده، لم يهرب أبناؤه من الطريق، بل دخلوه بثبات، التحقوا بالشرطة، واختاروا العمل في الحماية المدنية، يواجهون النيران كما كان والدهم يواجه الخطر.
كنت أخاف عليهم، ولا أنكر ذلك، لكنني كنت أرى في عيونهم نفس العزيمة التي رأيتها في عيون أبيهم.
أحدهما شارك في إخماد حريق سنترال رمسيس، وكان يحكي لي عن اللحظات الصعبة، عن الدخان والنار، وعن إنقاذ الأرواح، في تلك اللحظة شعرت أن دموع الفقد تحولت إلى دموع فخر مضاعف.
تقول: الشرطة لم تتوقف يومًا عن تقديم التضحيات، من معركة الإسماعيلية وحتى الآن، التاريخ يشهد، والواقع يؤكد، أن رجال الشرطة يقفون دائمًا في الصفوف الأولى، يدفعون أرواحهم ثمنًا لأمن هذا الوطن.
الاستقرار ثمن الدماء الطاهرة
ما نراه اليوم من استقرار وأمان لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة دماء طاهرة سالت، وتضحيات جسيمة قدمها شهداء بسطاء لم يبحثوا عن مقابل.
ما يخفف عني الألم، ويمنحني طمأنينة، هو الاهتمام الحقيقي الذي يوليه الرئيس لأسر الشهداء، لم يكن هذا الاهتمام مجرد كلمات، بل رعاية صادقة وشعور دائم بأن الدولة لا تنسى أبناءها. كذلك التواصل المستمر من وزارة الداخلية معنا كأسر شهداء، السؤال الدائم، والدعم المعنوي والإنساني، كلها أمور تجعلنا نشعر أن تضحيات أزواجنا لم تذهب هباءً.
اليوم، حين أنظر حولي، أرى مصر أكثر أمنًا واستقرارًا، واحة أمان وسط منطقة تموج بالتحديات، أعلم جيدًا أن هذا الأمن له ثمن، وأن هذا الثمن دفعه شهداء مثل زوجي، وضباط وجنود لم يعرفهم الناس، لكنهم معروفون عند الله والوطن.
في عيد الشرطة، لا أطلب شيئًا سوى أن نتذكر، أن نحكي لأولادنا، أن نغرس فيهم معنى التضحية والانتماء، زوجي لم يكن استثناء، بل كان نموذجًا لرجل اختار أن يعيش من أجل وطنه، واستشهد ليحيا غيره.
وسيظل اسمه في قلبي، وفي قلب أبنائه، وفي ذاكرة هذا الوطن، شاهدًا على أن مصر لا تُهزم، لأنها تُنجب أبطالًا.

محرر اليوم السابع يحاورأرملة الشهيد اللواء ياسر عصر

الزميل محمود عبد الراضى وزوجة اللواء الشهيد ياسر عصر