عام 2025.. حين قال الفلسطينيون "لن تتكرر النكبة" شعب اختار البقاء رغم الإبادة.. ذاكرة 1948 تستيقظ وغزة تصمد تحت النار.. القدس تدافع عن هويتها والضفة والمخيمات تحول الصمود إلى فعل مقاومة تاريخى

الجمعة، 02 يناير 2026 06:00 م
عام 2025.. حين قال الفلسطينيون "لن تتكرر النكبة" شعب اختار البقاء رغم الإبادة.. ذاكرة 1948 تستيقظ وغزة تصمد تحت النار.. القدس تدافع عن هويتها والضفة والمخيمات تحول الصمود إلى فعل مقاومة تاريخى غزة

كتب أحمد عرفة

 

لم يكن عام 2025 عاما عاديا في التاريخ الفلسطيني، بل شكل لحظة فاصلة أعادت تعريف معنى الصمود وحدود الاحتمال، وإرادة البقاء في مواجهة مشروع اقتلاع متجدد، ففي هذا العام، ومع اشتداد العدوان الإسرائيلي على غزة واستمرار سياسات التهجير القسري في الضفة الغربية والقدس، وجد الفلسطينيون أنفسهم مرة أخرى أمام السؤال الوجودي ذاته الذي فرض على آبائهم وأجدادهم عام 1948 "الرحيل أم البقاء؟"، لكن الإجابة هذه المرة جاءت أكثر وضوحا وقسوة ووعيا بالتجربة التاريخية "لن نغادر، ولن تتكرر النكبة".

غزة
غزة

 

ذاكرة 1948 الجرح ما زال مفتوحا 

منذ نكبة عام 1948، لم تكن فكرة التهجير مجرد حدث تاريخي عابر في الوعي الفلسطيني، بل جرحا مفتوحا وذاكرة جمعية تنتقل من جيل إلى جيل، حيث علم التاريخ الفلسطينيين أن الخروج المؤقت قد يتحول إلى لجوء دائم، وأن الوعود الدولية بالعودة غالبا ما تبقى حبرا على ورق، لذلك حين عادت مشاهد القصف والتدمير الجماعي في غزة، وظهرت تصريحات إسرائيلية تلمح إلى إخلاء السكان أو دفعهم نحو الهجرة، استحضر الفلسطينيون على الفور دروس النكبة الأولى، أدركوا أن الرحيل، مهما بدا مخرجا من الموت الآني، قد يعني فقدان الأرض والهوية إلى الأبد.

ويؤكد المواطن الفلسطيني، عاهد الريس، أن الأهالى تعبثوا كثيرا من حياة الخيام، والبعض يعيش في منزله المدمر فوق الأنقاض افضل من الذهاب إلى الخيام خاصة في منطقة خان يونس، حيث يضعون شوادر بلاستيكية أو قماش في الجزء من المنزل المدمر الذي يتواجدون فيه كي تسترهم تلك الأقمشة.


ويضيف عاهد الريس لـ"اليوم السابع"، أن أهل غزة مستعدون لعمل المعجزات من أجل البقاء في بيوتهم وارضهم رغم الدمار الذي ألحقه الاحتلال في قطاع غزة، لافتا إلى أن إقدام بعض الأهالى على وضع شوادر أو قماش على الأنقاض أفضل من العيش في خيام بمخيمات النزوح التي يعد العيش فيها أمرا صعبا للغاية.

غزة.. البقاء تحت النار
 

في غزة، حيث تحولت الأحياء السكنية إلى ركام، والمستشفيات إلى أهداف، والمدارس إلى ملاجئ مؤقتة، تجسدت معادلة قاسية، فالموت في البيت أو النجاة خارجه بثمن الوطن، ورغم ذلك، اختار مئات الآلاف البقاء فوق الأنقاض، داخل مدن مدمرة لا تتوفر فيها مقومات الحياة الأساسية.

ويقول "جمال إبراهيم"، في تصريحات لـ"اليوم السابع"، إن منزله تعرض مع بداية حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، لتفجير خلال اجتياح الاحتلال لشمال القطاع، متابعا:" منزلنا المكون من 4 طوابق والواقع في جباليا، لعمليات حرق وتفجير وذلك خلال الاجتياح الإسرائيلي المتكرر للمنطقة".

ويضيف، جمال إبراهيم أن يفقد الانسان منزله أمرا صعبا، ففيه تجتمع الأمنيات والذكريات الجميلة التي قد مسحت تماما بعمليات الحرق والتفجير التي تعرض لها المنزل، فلا نجد وصف لهذا الواقع المرير الذي نعيشه اليوم"، موضحا أن الاحتلال مارس بحق الفلسطيني كل أشكال الإبادة في محاولة لتحقيق أهدافه كالتهجير والتشريد والسيطرة على الأرض لكنه اليوم فشل أمام صمود الناس وتمسكهم بأرضهم.

ويوضح أنه منذ بدء الحرب الدموية على غزة قدم الشعب الفلسطيني، كوكبة من شهداء العائلة، ورفض أن يخرج من شمال قطاع غزة لأنها أرضنا ولن نقبل أن تكرر النكبة مرتين، متابعا :"اليوم نؤكد للعالم الصامت على جرائم الاحتلال النازي بأننا لن نقبل مشاريع التصفية للقضية الفلسطينية ولن نرحل، بل نتمسك بحقوقنا في الحرية والعودة وتقرير المصير، وهذا مكفول دوليا لشعبنا الفلسطيني".

عائلات كاملة رفضت النزوح خارج القطاع، رغم فتح المعابر بشكل محدود وضغوط غير مباشرة للهجرة، لم يكن هذا القرار نابعا من غياب الخيارات فقط، بل من وعي جمعي تشكل عبر عقود من اللجوء والحرمان، كان البقاء فعل مقاومة، ورسالة سياسية وأخلاقية في آن واحد "نحن هنا ولن نكون لاجئين مرة أخرى".

ويؤكد الصحفي الفلسطيني عماد زقوت، المقيم في شمال قطاع غزة، أن النسبة الأكبر من منازل القطاع أصبحت مدمرة بشكل كبير للغاية وبعضها مدمر بشكل جزئي، إلا أن المواطنين الفلسطينيين يحاولون بقدر الإمكان ترميم ما يمكن ترميمه من منازلهم .

ويضيف "زقوت"، في تصريحات لـ"اليوم السابع"، أن هناك إصرار للمواطن الفلسطيني أن يبقى على أرضه وفي منزله وترميم ما يمكن ترميمه من خلال استخدام النايلون أو الشوادر وما يستطيع جلبه من بعض الأشياء التي يستطيع من خلالها أن يستر بها نفسه وأسرته داخل منزله المدمر.

 

غزة المنهارة
غزة المنهارة

 

الضفة الغربية.. تهجير صامت ومقاومة يومية

بينما في الضفة الغربية، لم يكن المشهد أقل خطورة، وإن اتخذ شكلا مختلفا، حيث توسعت المستوطنات، وتصاعدت اعتداءات المستوطنين، وازدادت عمليات هدم المنازل، خصوصا في مناطق الأغوار والقدس ومخيمات اللاجئين، فسياسة التهجير هنا لم تكن عبر القصف المكثف، بل عبر التضييق الاقتصادي والأمني والمعيشي.

ورغم ذلك، أصر الفلسطينيون على البقاء في قراهم وأحيائهم، حتى في المناطق المصنفة "ج" التي تتعرض لأكبر قدر من الانتهاكات، أعاد الأهالي بناء منازلهم المهدمة بأيديهم، ونصبوا الخيام فوق الركام، في تحد واضح لسياسة الأمر الواقع، كان البقاء في الضفة فعل صمود يومي، بلا شعارات، لكنه لا يقل بطولة عن الصمود تحت القصف.

القدس.. معركة الوجود والهوية
 

في أحد أقدس الأماكن، القدس، أصبح عام 2025 عاما مكثفا من الصراع على الهوية والوجود، فعمليات سحب الهويات، وفرض الضرائب الباهظة، وإغلاق المؤسسات الفلسطينية، كلها أدوات استخدمت لدفع المقدسيين إلى الرحيل بصمت، لكن المقدسيين، الذين يحملون ذاكرة نكبة مضاعفة، رفضوا الاستسلام، وتمسكوا ببيوتهم المهددة بالمصادرة، وبمقدساتهم المستهدفة، وبحقهم في المدينة رغم محاولات العزل والطمس، وكان البقاء في القدس فعل تحدٍّ مباشر لمشروع التهويد، ورسالة بأن المدينة ليست مجرد عقار قابل للتفاوض.

الاحتلال يدمر غزة
الاحتلال يدمر غزة

 

المخيمات.. حين رفض اللاجئون نكبة جديدة
 

في مفارقة تاريخية مؤلمة، كان اللاجئون الفلسطينيون، أبناء النكبة الأولى، من أكثر الفئات رفضًا لتكرار التهجير، ففي مخيمات غزة والضفة، رفع اللاجئون شعارا بسيطا وعميقا "لن نهجر مرة أخرى"، فهؤلاء الذين ولدوا في مخيمات اللجوء، وكبروا على حلم العودة، رأوا في التهجير الجديد محاولة لشطب حق العودة نهائيا، لذلك تمسكوا بأرضهم الحالية، رغم قسوتها، باعتبارها خط الدفاع الأخير عن ذاك الحق التاريخي.

وما يميز عام 2025 عن محطات سابقة، هو مستوى الوعي الجمعي الفلسطيني، فلم يعد الفلسطيني ينظر إلى التهجير كحدث مؤقت أو كخيار إنساني لتفادي القتل، بل كجزء من مشروع سياسي طويل الأمد، وهذا الوعي، الذي تشكل عبر التجربة والخذلان الدولي، جعل قرار البقاء قرارا واعيا، لا مجرد رد فعل عاطفي، وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي، والشهادات الحية، وتوثيق الجرائم، في تعزيز هذا الوعي، وربط الفلسطينيين داخل الوطن وخارجه بسردية واحدة "الأرض لا تحمى إلا بمن عليها".

المجتمع الدولي وصمت يعيد إنتاج النكبة
 

رغم التعاطف الشعبي العالمي الواسع مع الفلسطينيين، بقي الموقف الرسمي الدولي عاجزا عن توفير حماية حقيقية، هذا الصمت، أو الاكتفاء ببيانات الإدانة، أعاد إلى الأذهان مشهد 1948، حين ترك الفلسطينيون لمصيرهم تحت شعارات دولية فارغة، لكن الفارق في 2025 أن الفلسطينيين لم ينتظروا إنقاذا خارجيا، حيث أدركوا أن البقاء بات مسؤوليتهم وحدهم، وأن صمودهم هو خط الدفاع الأخير عن قضيتهم.

البقاء كفعل مقاومة تاريخي
 

في عام 2025، تحول البقاء نفسه إلى شكل من أشكال المقاومة، لم يعد السلاح وحده رمز الصمود، بل الجسد الذي يرفض الرحيل، والبيت الذي يبنى من جديد، والطفل الذي يذهب إلى مدرسة مدمرة، والأم التي تطهو على نار الحطب داخل خيمة فوق ركام منزلها، وكان الفلسطينيون يدركون أن وجودهم الجغرافي هو التحدي الأكبر للمشروع الاستعماري، وأن مجرد بقائهم يفشل الرهان على التهجير كحل نهائي.

عام كتب في الذاكرة الفلسطينية
 

ويسجل عام 2025 في الذاكرة الفلسطينية كعام قال فيه الشعب، بكل مكوناته، "لا" بصوت واحد، حيث لا للتهجير، لا لتكرار النكبة، لا لتحويل المأساة إلى قدر أبدي، ورغم الألم الهائل والخسائر الفادحة، خرج الفلسطينيون من هذا العام وهم أكثر تمسكا بأرضهم، وأكثر وعيا بحقيقة الصراع، ولم يكن الانتصار في 2025 انتصارا عسكريا، بل انتصارا وجوديا وأخلاقيا، حيث شعب قرر أن يموت واقفا على أرضه، لا أن يعيش منفيا عنها.

بعد عام 2025، لم يعد السؤال الفلسطيني هو "هل سنهجر؟" بل "كيف سنبقى؟"، وهذا التحول في السؤال يعكس نقلة عميقة في الوعي الوطني، فالبقاء لم يعد خيارا اضطراريا، بل استراتيجية حياة ومقاومة طويلة الأمد، وبين ركام البيوت، وتحت سماء مثقلة بالطائرات، كتب الفلسطينيون فصلا جديدا من تاريخهم عنوانه "هنا بقينا ولن تتكرر النكبة".


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة