مع دقات منتصف الليل وبداية عام 2026، تحولت عواصم أوروبا إلى مسارح مفتوحة للاحتفال، حيث أضاءت الألعاب النارية سماء مدن كبرى مثل باريس ولندن وبرلين وروما، فى مشهد حمل دلالات رمزية عميقة لشعوب عاشت عامًا مثقلًا بالأزمات السياسية والاقتصادية، لكنها اختارت استقبال العام الجديد بروح من التفاؤل والأمل، وفى الوقت نفسه، هناك العديد من القضايا المثيرة للجدل والقلق لدى أوروبا، والتي من أهمها حرب أوكرانيا والهجرة.
احتفالات أوروبية بليلة رأس السنة
في العاصمة الفرنسية باريس، احتشد مئات الآلاف في جادة الشانزليزيه وساحة الكونكورد لمتابعة العروض الضوئية والموسيقية التي امتزج فيها الفن بالتكنولوجيا، بينما غطّت الألعاب النارية سماء المدينة بألوان زاهية. واعتبر كثيرون أن احتفالات هذا العام تمثل رسالة وحدة واستعادة للثقة بعد أشهر من التوترات الاجتماعية والضغوط الاقتصادية.
أما في لندن، فقد توافد الآلاف إلى ضفاف نهر التايمز لمتابعة العد التنازلي الشهير تحت ساعة بيغ بن، قبل أن تنطلق عروض نارية ضخمة رافقتها مقطوعات موسيقية حملت رسائل عن السلام والتنوع والتعايش. وأعرب مشاركون عن أملهم في أن يكون 2026 عامًا أكثر استقرارًا على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.
وفي عواصم أوروبية أخرى، تنوعت أشكال الاحتفال. فقد ركزت برلين على الطابع العائلي والفعاليات المجتمعية المفتوحة، بينما شهدت روما ومدريد احتفالات جمعت بين الموسيقى التقليدية والعروض الحديثة. وفي أوروبا الشرقية، اكتسبت الاحتفالات معنى إضافيًا، حيث رأى كثيرون في بداية العام الجديد فرصة لتعزيز الاستقرار بعد سنوات من القلق الجيوسياسي.
أزمات وتحديات تواجه القارة العجوز
ورغم الاحتفالات وحالات التفاؤل والأمل، فإن مع دخول عام 2026، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه في مواجهة واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا منذ تأسيسه، حيث تتقاطع الضغوط الجيوسياسية مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، في وقت لا تزال فيه الخلافات الداخلية بين الدول الأعضاء تلقي بظلالها على قدرة التكتل على اتخاذ قرارات موحدة وحاسمة.
الحرب فى أوكرانيا… اختبار مستمر لوحدة أوروبا
تظل الحرب الروسية-الأوكرانية التحدي الجيوسياسي الأبرز للاتحاد الأوروبي. فبعد سنوات من الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي لكييف، يواجه التكتل الأوروبي إرهاقًا متزايدًا، سواء على مستوى الميزانيات الوطنية أو الرأي العام، الذي بات أكثر حساسية لتكاليف الحرب وتداعياتها المعيشية.
وفي الوقت نفسه، تظهر تباينات واضحة بين الدول الأعضاء حول مستوى الدعم المستقبلي لأوكرانيا، وحدود التصعيد مع موسكو، ما يضعف أحيانًا صورة الموقف الأوروبي الموحد.
اقتصاد هش وضغوط معيشية متصاعدة
اقتصاديًا، يستقبل الاتحاد الأوروبي 2026 وسط نمو ضعيف وتباطؤ في بعض الاقتصادات الكبرى، خاصة ألمانيا وفرنسا، ورغم تراجع معدلات التضخم مقارنة بذروة الأعوام السابقة، فإن الأسعار لا تزال مرتفعة نسبيًا، ما يزيد الضغط على الطبقات المتوسطة والفقيرة.
كما تمثل سياسات الفائدة المرتفعة، الهادفة إلى كبح التضخم، عبئًا إضافيًا على الاستثمارات وسوق العمل، بينما تتخوف بعض الحكومات من عودة شبح الركود في حال استمرت الأزمات العالمية.
الطاقة والتحول الأخضر.. معادلة صعبة
لا تزال قضية الطاقة أحد الملفات الحساسة، فبينما نجح الاتحاد في تقليل اعتماده على الغاز الروسي، جاءت هذه الخطوة بتكلفة مرتفعة، سواء من حيث الأسعار أو الحاجة إلى بدائل سريعة.
وفي المقابل، يواصل الاتحاد دفع أجندة التحول الأخضر، لكن تطبيق السياسات البيئية الصارمة يثير غضب قطاعات واسعة، خاصة المزارعين والصناعات الثقيلة، التي ترى في تلك الإجراءات تهديدًا مباشرًا لقدرتها التنافسية.
الهجرة والانقسام السياسي
ويبقى ملف الهجرة يبقى من أكثر القضايا الخلافية داخل الاتحاد الأوروبي. فالدول الواقعة على حدود البحر المتوسط تطالب بتقاسم عادل للأعباء، بينما ترفض دول أخرى استقبال أعداد إضافية من المهاجرين.
هذا الانقسام يغذي صعود الأحزاب اليمينية والشعبوية في عدة دول، ما ينعكس على المشهد السياسي الأوروبي ويزيد صعوبة التوصل إلى حلول جماعية.
مستقبل الدور الأوروبي عالميًا
في عالم يتجه نحو تعددية قطبية، يواجه الاتحاد الأوروبي تحديًا آخر يتمثل في تحديد موقعه بين الولايات المتحدة والصين وقوى صاعدة أخرى. فبينما يسعى لتعزيز استقلاله الاستراتيجي، لا يزال يعتمد أمنيًا على حلف الناتو، واقتصاديًا على علاقات تجارية معقدة مع شركاء قد يكونون خصومًا سياسيين.
2026.. عام القرارات الصعبة
خلاصة المشهد تشير إلى أن عام 2026 سيكون عامًا حاسمًا للاتحاد الأوروبي، حيث لم يعد ممكنًا تأجيل القرارات الكبرى. فإما أن ينجح التكتل في تجاوز انقساماته وتعزيز وحدته السياسية والاقتصادية، أو يواجه خطر التراجع التدريجي لدوره وتأثيره على الساحة الدولية، في وقت لا يرحم فيه العالم الكيانات المترددة.