خلال ما يقرب من عام مر على تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة، وبالتحديد في 20 يناير 2025، أصبح واضحا أن العالم لم يعد كما كان قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض مرة أخري، فالرئيس الأمريكي الذي جاء محملا بشعار "أمريكا أولا" لم يتعامل مع الرئاسة باعتبارها منصبا تقليديا، بل كمنصة لإعادة صياغة النظام الدولي وفق رؤية قومية صدامية، تعطي الأولوية المطلقة للمصلحة الأمريكية، ولو على حساب الحلفاء قبل الخصوم، وخلال عام 2025 شهد العالم تحولات عميقة في موازين القوى، وطبيعة التحالفات، وقواعد الاقتصاد العالمي، وحتى في مفاهيم الدبلوماسية ذاتها.

دونالد ترامب
عودة منطق القوة بدل التعددية
منذ الأيام الأولى لتوليه الحكم، اتجه ترامب إلى تفكيك كثير من المسلمات التي حكمت السياسة الخارجية الأمريكية لعقود، فبدلًا من دعم المؤسسات الدولية والعمل الجماعي، تبنى نهجًا أحاديًا يُفضل الصفقات الثنائية، ويضغط بقوة على الحلفاء قبل المنافسين، حيث أعاد الاعتبار لاستخدام العقوبات الاقتصادية كسلاح سياسي، موسعًا نطاقها ضد خصوم واشنطن، ومهددًا بها شركاء تقليديين في حال تعارضت سياساتهم مع الرؤية الأمريكية.
هذا التوجه أحدث تصدعًا داخل النظام الدولي، وأضعف دور المؤسسات متعددة الأطراف، مثل الأمم المتحدة، ومنظمة التجارة العالمية، اللتين بدا أنهما فقدتا جزءا من تأثيرهما لصالح منطق القوة والمساومة المباشرة.
أوروبا بين القلق والبحث عن الاستقلال
كانت القارة الأوروبية من أكثر المناطق تأثرا بسياسات ترامب بعدما أعاد فتح ملفات شائكة تتعلق بحلف شمال الأطلسي، مطالبًا الدول الأوروبية بزيادة إنفاقها الدفاعي، ومشككًا أيضًا في التزام واشنطن التلقائي بالدفاع عن حلفائها.
هذا الخطاب خلق حالة من القلق داخل العواصم الأوروبية، ودفع بعض الدول إلى التفكير بجدية في تعزيز استقلالها الدفاعي، وإعادة تقييم اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة، ومع مرور الوقت، بدأت تظهر ملامح توجه أوروبي يسعى إلى بناء قدرات استراتيجية ذاتية، وهو تحول قد تكون له تداعيات طويلة الأمد على شكل التحالف الغربي التقليدي.

الرئيس الأمريكي
الصين صراع مفتوح على قيادة العالم
في مواجهة الصين، واصل ترامب سياسة المواجهة المباشرة، معتبرًا بكين تمثل التحدي الأكبر للهيمنة الأمريكية، ولم يقتصر الصراع على الجانب التجاري، بل امتد ليشمل التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والنفوذ الجيوسياسي في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
كما فرضت واشنطن قيودا إضافية على الشركات الصينية، وسعت إلى تقليص اعتمادها على الصناعات القادمة من الصين، في محاولة لإعادة توطين الإنتاج داخل الولايات المتحدة، بينما سرعت بكين خطواتها نحو تعزيز الاكتفاء الذاتي، وبناء تحالفات اقتصادية بديلة، ما جعل العالم أقرب إلى الانقسام بين كتلتين اقتصاديتين كبيرتين، بدلا من سوق عالمية واحدة مفتوحة.
سياسة ترامب تجاه فنزويلا في 2025: عودة نهج الضغط الأقصى بصيغة أكثر صرامة
فيما اتسمت سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه فنزويلا خلال عام 2025 بالعودة الواضحة إلى نهج الضغط الأقصى القائم على تشديد العقوبات الاقتصادية، وتوسيع العزلة الدبلوماسية للنظام الحاكم في كاراكاس، مع ربط أي انفتاح محتمل بشروط سياسية وأمنية صارمة، وقد تعاملت الإدارة الأمريكية مع الملف الفنزويلي باعتباره جزءا من معركة أوسع ضد ما تصفه بالأنظمة المعادية للنفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية.

واصلت إدارة ترامب خلال 2025 استخدام العقوبات المالية والنفطية كأداة رئيسية للضغط، مستهدفة مؤسسات الدولة الفنزويلية وشخصيات بارزة في دوائر الحكم، في محاولة لتجفيف مصادر التمويل وإضعاف قدرة النظام على الاستمرار، وفي المقابل، أبقت واشنطن على سياسة العقوبات المشروطة، التي تلوح بتخفيف محدود مقابل خطوات سياسية محددة، من بينها فتح المجال أمام تسوية سياسية أو إصلاحات انتخابية.
كما أولت إدارة ترامب اهتمامًا خاصًا بدعم قوى المعارضة الفنزويلية، سياسيا وإعلاميا، مع الضغط باتجاه توحيد صفوفها بعد سنوات من الانقسام، حيث ركز الخطاب الأمريكي على ضرورة إنتاج قيادة بديلة قادرة على الحكم وتحظى بشرعية داخلية ودعم دولي، باعتبار ذلك شرطا أساسيا لأي انتقال سياسي محتمل، وانتهى الأمر باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في الثالث من يناير الجاري، وتحويلهم للمحاكمة في نيويورك.


روسيا بين الاحتواء والتصعيد
ورغم الخطاب المتذبذب تجاه موسكو، اتسمت سياسة ترامب تجاه روسيا بقدر كبير من البراجماتية المشوبة بالحذر، فمن جهة، أبقى على أدوات الضغط والعقوبات، ومن جهة أخرى، فتح قنوات تفاوض في ملفات أمنية حساسة، خصوصًا تلك المتعلقة بالتسلح والنفوذ في مناطق النزاع، وهذا النهج أوجد حالة من عدم اليقين لدى حلفاء واشنطن، الذين رأوا أن العلاقة مع موسكو باتت محكومة بحسابات شخصية وصفقات محتملة، أكثر من كونها استراتيجية واضحة المعالم.

ترامب
الاقتصاد العالمي وعودة اهتزاز الأسواق
على الجانب الاقتصادي، أحدثت سياسات ترامب الحمائية هزات واضحة في الاقتصاد العالمي، حيث رفع الرسوم الجمركية، وإعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية، وتقييد حركة الاستيراد، كلها خطوات أعادت للأذهان أجواء الحروب التجارية.
ورغم أن هذه السياسات لاقت قبولًا لدى شريحة من الداخل الأمريكي، خاصة في قطاعات صناعية معينة، إلا أنها أدت في المقابل إلى ارتفاع التوتر في الأسواق العالمية، وزيادة حالة عدم اليقين لدى المستثمرين، ما انعكس على سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
تراجع القوة الناعمة
على مستوى الصورة الذهنية، تراجعت القوة الناعمة الأمريكية بشكل ملحوظ، فخطاب ترامب الصدامي، وقراراته المثيرة للجدل، أضعفت من جاذبية النموذج الأمريكي في أعين كثيرين حول العالم، وفتحت المجال أمام قوى أخرى لمحاولة ملء الفراغ الرمزي والسياسي، ولم تعد الولايات المتحدة تُنظر إليها باعتبارها قائدا أخلاقيا للنظام الدولي، بقدر ما أصبحت ترى كقوة تسعى لتحقيق مصالحها المباشرة دون اكتراث كبير بالتداعيات العالمية.

عالم أكثر انقساما وأقل استقرارا
وبعد ما يقرب من عام على تولي ترامب الحكم، يمكن القول إن العالم بات أكثر انقساما وأقل استقرارا، حيث تصاعدت النزعات القومية، وتراجعت الثقة في النظام الدولي القائم على القواعد، وازدادت احتمالات الصدام الاقتصادي والسياسي بين القوى الكبرى، بينما أجبرت سياسات ترامب العديد من الدول على إعادة التفكير في مواقعها وتحالفاتها، والسعي إلى تنويع خياراتها الاستراتيجية، بدل الاعتماد على قوة واحدة مهيمنة.
وكشفت شهور قليلة من بداية الولاية الجديدة لحكم ترامب أنه لا يسعى إلى إدارة النظام الدولي كما هو، بل يحاول إعادة تشكيله وفق منطق القوة والمصلحة الضيقة، وبينما يرى أنصاره أن هذا النهج أعاد للولايات المتحدة هيبتها، يرى منتقدوه أنه دفع العالم نحو مزيد من الفوضى وعدم اليقين، ومع استمرار هذه السياسات، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح ترامب في فرض نظام عالمي جديد أكثر ملاءمة للمصالح الأمريكية؟.. أم أن العالم سيتجه إلى مزيد من التعددية والتكتلات المضادة؟.
