- حقيقة رفض المنشاوى قراءة القرآن أمام عبدالناصر ومنع «شعيشع» من الإذاعة
- وسام الاستحقاق للشيخ مصطفى إسماعيل فى عيد العلم.. والشيخ الحصرى كان وراء موافقة الزعيم على تأسيس إذاعة القرآن الكريم
- ناصر يسأل عن تسجيلات الشيخ رفعت ويوجه بالبحث عن الأسطوانات ..و«البنا» يسجل المصحف المرتل للإذاعة بناء على طلب عبدالناصر
دولة التلاوة فى مصر لم تنقطع صلتها بالزعماء والملوك والرؤساء منذ بدايات القرن العشرين مع ظهور الإذاعات الأهلية ومع بدء إرسال الإذاعة الرسمية فى عام 34، زعماء وكبار دولة التلاوة المصرية لم يغيبوا عن التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التى جرت فى مصر منذ ثورة 19 وحتى ثورة يوليو 52.
سنوات الخمسينيات والستينيات كانت فترة التألق والألق لدولة التلاوة وعلاقة كبار قرائها بزعيم ثورة يوليو جمال عبدالناصر، توهجت العلاقة مع تأسيس ناصر إذاعة القرآن الكريم فى 29 مارس عام 1964، بهدف مكافحة الأفكار المتطرفة وحماية القرآن من التحريف، وسجلت أولى التلاوات للقرآن الكريم بصوت القارئ الشيخ محمود خليل الحصرى برواية حفص عن عاصم، كما أنشأ الإذاعة لتكون أول تسجيل صوتى شامل للقرآن الكريم، ومنحت فرصة أكبر لشهرة أشهر قراء مصر مثل الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، ومحمد المنشاوى، ومصطفى إسماعيل، وغيرهم.. كانت الإذاعة هى أول تسجيل صوتى كامل للقرآن الكريم، بهدف حمايته وتوزيعه عالميا، وساهمت فى زيادة شهرة العديد من القراء المصريين، حيث اعتمدت على أصواتهم فى بث تلاواتهم يوميا، وسمحت الإذاعة بإتاحة قراءات القرآن لأكبر شريحة من الناس فى مصر والعالم الإسلامى.
ولا ننسى أن جمال عبدالناصر هو أول حاكم مسلم يتم فى عهده جمع القرآن الكريم مسموعا «مرتلا ومجودا» فى ملايين الشرائط والأسطوانات بأصوات القراء المصريين.
فى كتابه عن «عبدالناصر والمثقفون والثقافة.. هيكل يتذكر» يذكر الأديب يوسف القعيد، على لسان الأستاذ أن: «ناصر كان متدينا فى غير مغالاة، كان شديد الإعجاب بالشيخ محمود شلتوت، وكان يستمع إلى الكثير من الشيخ أحمد حسن الباقورى، لفت نظره الشيخ مصطفى إسماعيل فى أول مرة سمعه، والشيخ عبدالباسط عبدالصمد أيضا أحدث عنده نفس الأثر، فالاثنان كانا الأقرب إلى قلبه.
كان جمال عبدالناصر حريصا على أداء فريضة صلاة الجمعة مع المواطنين فى المساجد الكبرى طيلة عهده والاستماع إلى تلاوات كبار القراء فى مساجد الأزهر والحسين والسيدة زينب وغيرها.
عبدالناصر وأسطوانات الشيخ محمد رفعت
ذات مرة سأل الرئيس جمال عبدالناصر عن تسجيلات الشيخ محمد رفعت، واكتشف وجود تسجيلات قليلة جدا له فى الإذاعة، وأبدى دهشته لهذا الأمر واندهش أكثر عندما علم أن الشيخ رفعت، الذى توفى فى 9 مايو عام 1950، رفض تسجيل القرآن الكريم كاملا بصوته بعد أن اقترحت السيدة أم كلثوم عليه الفكرة، فقد كان الشيخ رفعت يعتقد أن تسجيل القرآن كله بصوته قد يؤدى إلى الاستغناء عنه من الإذاعة المصرية، وكان يحصل على أعلى أجر لقارئ قرآن.. سؤال عبدالناصر عن تسجيلات الشيخ رفعت الذى كان يعشق صوته والاستماع إليه هو الذى فجر قضية البحث عن هذه التسجيلات واتضح أن كل المتوفر عبارة عن بقايا تسجيلات بالإذاعة وتسجيلات بعض الهواة والمحبين للشيخ رفعت مثل زكريا باشا مهران.
الحصرى وإذاعة القرآن الكريم
ولد الشيخ محمود خليل الحصرى، فى 17 سبتمبر لعام 1917، بقرية شبرا النملة بمحافظة الغربية، وأصبح فيما بعد من أبرز قراء القرآن الكريم، وله العديد من المصاحف المسجلة بروايات مختلفة، كما أجاد قراءة القرآن بالقراءات العشر، وعقب انتقاله إلى القاهرة صار شيخا بعموم المقارئ المصرية، ثم رئيسا للجنة تصحيح المصاحف ومراجعتها بالأزهر الشريف، كما عين خبيرا لعلوم القرآن والسنة بمجمع البحوث الإسلامية.
اقترب الشيخ محمود خليل الحصرى من القمة السياسية، فكان يدعى فى المناسبات الوطنية والقومية والإسلامية، ورافق الرئيس جمال عبدالناصر فى بعض رحلاته أو سبقه إلى البلدان التى قرر زيارتها ليقرأ هناك، وهناك صور تظهر فضيلة الشيخ الحصرى مع الرئيس جمال عبدالناصر فى أحد اللقاءات مع مسلمى الهند، عندما زار الهند سنة 1960م، حيث يقول الشيخ الحصرى إنه زار الهند وباكستان مرافقا للرئيس جمال عبدالناصر، وزار بلدانا إسلامية أخرى برفقة شيخ الأزهر محمود شلتوت، وللشيخ الحصرى الفضل الكبير فى تأسيس إذاعة القرآن الكريم، حيث كان الشيخ أول من جمع القرآن بصوته مرتلا للإذاعة الوليدة، فقبل أن تبدأ الإذاعة برامجها كان وراء إنشائها قصة بين الرئيس جمال عبدالناصر والشيخ، رحمهما الله.
كان لقرار نشأتها ظروف وملابسات سبقته ودعت إلى اتخاذه، ففى أوائل الستينيات من القرن الماضى ظهرت طبعة مذهبة من المصحف، ذات ورق فاخر، وإخراج أنيق، بها تحريفات خبيثة ومقصودة لبعض آياته، منها قوله تعالى: «وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ {85}»(سورة آل عمران). وطبعوها مع حذف كلمة «غير» فأصبحت الآية تعطى عكس معناها تماما، وكانت هذه الطبعة رغم فخامتها رخيصة الثمن، وكان تحريفها خفيا على هذا النحو، لكن الله تولى حفظ كتابه حيث يقول سبحانه: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ»(سورة الحجر) ومن ثم يهيئ من الوسائل ما يحقق هذا الحفظ.
فقد كان الشيخ الحصرى بحكم مهمته كشيخ للمقارئ المصرية يسافر إلى العديد من دول العالم لنشر القراءة الصحيحة والسليمة، وبحكم منصبه المختص بمراجعة المصحف كان يتحرى الدقة فى آيات الله المطبوعة بالمصاحف، فوجد هذه الأخطاء التى تغير معنى الآية وهى قد لا تلفت نظر المسلم العادى ومن هنا جاءت فكرة التسجيل والحفظ الصوتى للقرآن.
واتفق علماء الأزهر الشريف على تسجيل صوتى للمصحف المرتل برواية حفص عن عاصم بصوت القارئ الشيخ محمود خليل الحصرى، على أسطوانات توزع نسخ منه على المسلمين فى أنحاء العالم الإسلامى، وكل المراكز الإسلامية فى العالم، باعتبار ذلك أفضل وسيلة لحماية المصحف الشريف من الاعتداء عليه، وكان هذا أول جمع صوتى للقرآن الكريم بعد أول جمع كتابى له فى عهد خليفة رسول الله أبى بكر الصديق.
ووافق الرئيس جمال عبدالناصر على إنشاء إذاعة القرآن الكريم، ليذاع فيها تسجيل صوتى للمصحف المرتل برواية حفص عن عاصم بصوت القارئ الشيخ محمود خليل الحصرى، مع عدد كبير من القراء والمشايخ.
وفى حوار صحفى سئل الشيخ الحصرى عن حكاية تسجيله المصحف المرتل، فقال إن السبب الذى جعله يلجأ لتسجيل المصحف المرتل هو إسرائيل، لأنها حاولت فى السنين الأخيرة أن تطبع نسخا من القرآن بها كثير من الأخطاء بقصد تضليل المسلمين الذين لا يحفظون القرآن، خاصة فى البلاد الأفريقية، وأضاف: «عندما علم سيادة الرئيس عبدالناصر بذلك أمر بتسجيل المصحف مرتلا، وأن تخصص له إذاعة خاصة موجهة إلى هذه البلاد حتى لا يحدث أى تحريف فى كلام الله، وعلى الفور تم اختيارى لهذه المهمة بعد مسابقة وقمت بتسجيل القرآن الكريم بعد بروفات وإعادات استغرقت منى عاما كاملا».
ناصر والشيخ محمود على البنا
يظل القارئ المصرى الشيخ محمود على البنا - ابن قرية شبرا باص مركز شبين الكوم بالمنوفية - واحدا من أشهر سفراء وقرّاء القرآن الكريم فى مصر والعالمين العربى والإسلامى، ما جعله يطوف الأرض شرقا وغربا لتلاوة كتاب الله.
سجل «البنا» المصحف المرتل للإذاعة المصرية بناء على طلب الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وقرأ القرآن فى الحرمين الشريفين والحرم القدسى والمسجد الأموى ومعظم الدول العربية، فضلا عن زيارته للعديد من الدول الأوروبية على مدار نحو 40 عاما، انتقل إلى القاهرة عام 1945، وذاع صيته، ودرس علوم المقامات والموسيقى على يد الشيخ درويش الحريرى، واختير قارئا لجمعية الشبان المسلمين عام 1947، وكان يفتتح كل الاحتفالات التى تقيمها الجمعية.
فى عام 1948 استمع إليه عدد من كبار الأعيان الحاضرين فى حفل الجمعية، وطلبوا منه الالتحاق بالإذاعة المصرية، وبالفعل التحق الشيخ البنا بالإذاعة عام 1948، وكانت أول قراءة له على الهواء فى ديسمبر فى العام نفسه من سورة «هود»، وخلال سنوات قليلة أصبح أحد أشهر القراء فى مصر، سطع نجم الشيخ البنا، وجعل كبار رجال الدولة يوجهون له الدعوة للمشاركة فى إحياء مأتم والد الزعيم الراحل جمال عبدالناصر عام 1965، فاتصل به رئيس الإذاعة فى ذلك الوقت ليطلب منه السفر إلى الإسكندرية مع الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، للقراءة فى سرادق العزاء، وبعد انتهاء العزاء، قال له الرئيس جمال عبدالناصر والذى أصبح بعد ذلك من أصدقائه المقربين: «ممكن أسمعك فى المرتل..؟» ففعل، وبعدها أصبح للشيخ محمود البنا مصحف مرتل عام 1968.

محمود علي البنا
كان الشيخ محمود على البنا صاحب رؤية سياسية وصاحب موقف ومعجبا بانحياز ناصر إلى الفقراء وظل حريصا على قراءة القرآن فى بيت الزعيم فى مناسبة الاحتفال بذكراه كل عام.
وعقب هزيمة 5 يونيو 67 اقترح الشيخ محمود على البنا أن يشارك كبار القراء فى حملات المجهود الحربى، وأن يسافر وفد منهم إلى كل الدول الإسلامية فى آسيا وأفريقيا لجمع تبرعات لصالح المجهود الحربى وإزالة آثار العدوان إلا أن الاقتراح لم يتم قبوله.
ترك الشيخ محمود على البنا للإذاعة ثروة هائلة من التسجيلات، إلى جانب المصحف المرتل الذى سجله عام 1967، والمصحف المجوّد فى الإذاعة المصرية والمصاحف المرتلة التى سجلها لإذاعات السعودية والإمارات.
حصل الشيخ البنا على العديد من الأوسمة وشهادات التقدير، وتسلم من الرئيس عبدالناصر هدية تذكارية عام 1967، وحصل على ميدالية تذكارية من القوات الجوية فى عيدها الخمسين عام 1982، وحصل على درع الإذاعة فى الاحتفال بعيدها الذهبى عام 1984.

الشيخ عبد الباسط عبد الصمد
عبدالباسط عبدالصمد مع الزعيم
الشيخ عبدالباسط عبدالصمد كان شاهدا على العديد من الأحداث، وأرّخ بصوته تاريخا خاصا به شاهدا على أحداث مصر، أبرزها قراءة القرآن فى الاحتفالات الرئاسية، وفى جنازة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.
وكما يذكر ابنه الشيخ طارق عبدالباسط عبدالصمد، أن والده أحب الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، وربطتهما علاقة ود، الأمر الذى جعل الزعيم الراحل يطلب منه الحضور فى جميع الاحتفالات والمناسبات، والتى كان أهمها حفل افتتاح السد العالى، الذى حضره ملك المغرب محمد الخامس، وأبدى إعجابه بصوت والدى، حتى إنه عرض عليه منحه الجنسية المغربية، لكن الشيخ عبدالباسط رفض، وشكره على هذا التكريم.
نال الشيخ عبدالباسط بعد التحاقه بالإذاعة شهرة واسعة، داخل مصر وخارجها، وانهالت عليه دعوات الزيارة من ملوك وأمراء الدول العربية، وكانت أول زيارة له خارج القطر المصرى إلى المملكة العربية السعودية، وظلت من أكثر الدول التى زارها فى حياته، وأحبها إلى قلبه، كما سافر إلى كل الدول العربية، ومعظم دول قارتى آسيا وأوروبا مثل: الهند، وباكستان، وماليزيا، وفرنسا، لخدمة كتاب الله.
وفى سن الـ23 طلبت منه السلطات السعودية، أن يسجل القرآن الكريم بصوته، وبالفعل ذهب إلى الإذاعة هناك، وسجل بعض الأجزاء، ثم سافر إلى سوريا، وكان أول قارئ يزور جنوب أفريقيا فى ظل اندلاع الحرب الأهلية هناك بسبب التفرقة العنصرية، فى فترة غاب فيها أى تمثيل دبلوماسى لمصر فى جنوب أفريقيا والعكس، وارتبط بعلاقات صداقة قوية بينه وبين القراء، ودوما كان يرى فى الشيخ محمد رفعت القدوة والمثل الذى يجب عليه الاحتذاء به، وأكثر القراء قربا منه هم: الشيخ الحصرى، والشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ البنا، وكانوا يتبادلون الزيارات بينهم بشكل دائم. وجمعته صداقة بالعديد من الفنانين، وعلى رأسهم عبدالحليم حافظ، وكان حريصا على حضور أغلب حفلاته الغنائية، واعتاد دندنة أغانيه.

جمال عبد الناصر وطه الفشني
الفشنى وهدية عبدالناصر
ولد القارئ والمنشد طه الفشنى، بمحافظة بنى سويف فى مركز الفشن عام 1900، ورحل عن دنيانا علم 1971، التحق بالأزهر الشريف بغرض أن يتعلم فنون القراءات، وحصل على إجازة علم القراءات على يد الشيخ عبدالحميد السحار، وأتقن علوم التجويد.
فى إحدى الليالى بحى الحسين عام 1937، كان فى حفلة يحضرها سعيد باشا لطفى، رئيس الإذاعة المصرية، وكانت هناك علاقة خاصة تجمع بين الشيخ على محمود والشيخ طه الفشنى، لأنه يعتبره تلميذه وامتدادا له، وأعطى الشيخ على محمود الفرصة له أن يقرأ أمام رئيس الإذاعة، وبدأ يقرأ القرآن فأعجب به رئيس الإذاعة وقرر إلحاقه بالإذاعة المصرية، وقال له: «يا شيخ طه بكره لازم تكون عندنا فى الإذاعة المصرية، وصوتك لازم يأخذ فرصته ويستمع له الناس فى كل بر مصر».
ظل الشيخ طه الفشنى منذ عام 1943 وحتى قيام ثورة 1952 يقرأ القرآن الكريم بقصر عابدين بالقاهرة وقصر رأس التين بالإسكندرية لمدة 9 سنوات، ويستمع الملك فاروق إلى تلاوته التى تمتد إلى 45 دقيقة، فضلا عن الدعوة الملكية للشيخ طه الفشنى لتناول طعام الإفطار على المائدة الملكية فى شهر رمضان كل عام.
عقب قيام ثورة يوليو، أصبح الشيخ الفشنى القارئ المفضل للزعيم الراحل، الذى أهداه طبقا من الفضة الخالصة ممهورا بتوقيعه.

الشيخ مصطفي إسماعيل
عبدالناصر والشيخ مصطفى إسماعيل
كانت هناك علاقة تقدير واحترام بين جمال عبدالناصر والشيخ مصطفى إسماعيل، حيث منحه الرئيس جمال عبدالناصر وسام الاستحقاق عام 1965، تقديرا لموهبته فى تلاوة القرآن الكريم، وهى المرة الأولى التى يُمنح فيها هذا الوسام لأحد قراء القرآن فى مناسبة عيد العلم.
العلاقة بين الزعيم والشيخ لم تكن صداقة شخصية عميقة، بل كانت علاقة مهنية ورسمية تدل على تقدير الدولة لمواهب الشيخ وقراءاته المميزة، فقد كان ناصر يقدر تلاواته المتقنة.
اشتهر الشيخ مصطفى إسماعيل - المولود عام 1905 فى قرية ميت غزال بالسنطة محافظة الغربية - بقارئ القصر الملكى، وزار 25 دولة عربية وإسلامية، وقضى ليالى شهر رمضان المعظم وهو يتلو القرآن الكريم بها، كما سافر إلى جزيرة سيلان، وتركيا وماليزيا، وتنزانيا، وزار أيضا ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية، كما زار الشيخ مصطفى إسماعيل مدينة القدس عام 1960، وقرأ القرآن الكريم فى المسجد الأقصى فى إحدى ليالى الإسراء والمعراج.
«البهتيمى» قارئ القصر الجمهورى
الشيخ كامل يوسف البهتيمى هو صاحب الحنجرة الفولاذية الذى يعرفه كل محب لإذاعة القرآن الكريم وأحد أعلام دولة التلاوة. ولد البهتيمى فى عام 1922 بعزبة إبراهيم بك التابعة لمركز بهتيم بشبرا الخيمة بالقليوبية، حفظ القرآن فى كُتاب القرية، فوالده كان مقرئا ومحفظا لكتاب الله حتى صار هو الوريث بعده، اتسعت آفاق شهرة الشيخ كامل يوسف البهتيمى فى عام 1937عندما ساقه القدر لفرصة ذهبية، إذ كان يقرأ فى سرادق عزاء وتصادف وجود الدكتور أمين زاهر مفتش بيطرى بتفتيش بهتيم، والذى أعجب بصوته فعرّفه على الإذاعى الشهير محمد فتحى الذى ساعده فى أن يشق طريقه عبر الإذاعة المصرية ثم تلقفته إذاعة فلسطين ثم محطات لندن وسوريا ودلهى بالهند وغيرها من الإذاعات العربية والعالمية.
عقب قيام ثورة يوليو تعاقدت معه الإذاعة فى أول نوفمبر عام 1953، وتم تحديد مبلغ أربعة جنيهات شهريا مقابل التسجيلات التى يقوم بتسجيلها للإذاعة، وتم تعيينه بعد ذلك قارئا للسورة يوم الجمعة بمسجد عمر مكرم بميدان التحرير بالقاهرة.
وعقب تولى الرئيس جمال عبدالناصر منصب رئيس الجمهورية أصدر قرارا بتعيين الشيخ كامل يوسف البهتيمى، مقرئا للقصر الجمهورى، حيث كان الشيخ البهتيمى محبوبا من كل القيادات وقتها ويحيى الحفلات التى تقام بمقر الرئاسة.
وظل الشيخ البهتيمى يقرأ القرآن بمسجد عمر مكرم بالقاهرة حتى توفى وهو يصلى فى السادس من فبراير عام 1969، وذلك عن عمر يناهز 47 عاما.
ارتبط البهتيمى والزعيم جمال عبدالناصر بصداقة من نوع خاص، جعلت الشيخ محل اهتمام وذا كلمة نافذة، إذ يقال إنه عندما توفى شقيق جمال عبدالناصر فى الإسكندرية قرأ الشيخ كامل يوسف البهتيمى فى سرادق العزاء، ثم كان يقطع القراءة فيجلس بجواره جمال عبدالناصر ويحدثه بحديث هامس، وأحيانا كان الشيخ يتناول الغداء مع عبدالناصر فى مكتب الرئيس، وبعد الغداء أو وجبة العشاء كان يتلو ما تيسر من القرآن الكريم على أذن عبدالناصر فقط، وقد يسمعه مدير مكتبه سامى شرف أو بعض موظفى مقر الرئاسة مصادفة.
رحل الشيخ البهتيمى وترك تراثا غنيا، فقد سجل نصف خاتمة المصحف المرتل للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ويوجد بالإذاعة أرشيف من تلاواته للمصحف، وكانت جنازته مهيبة وصاحبتها دراجات من رئاسة الجمهورية بأمر من الرئيس جمال عبدالناصر، وقرأ جميع القراء بقيادة الشيخ الحصرى القرآن الكريم على روحه، واستمروا فى القراءة حتى لحظة دفنه.
أكذوبة رفض المنشاوى القراءة أمام عبدالناصر
من بين الأكاذيب والشائعات التى أطلقها البعض وصدقها ورددها وتداولها البعض الآخر، أكذوبة رفض الشيخ محمد صديق المنشاوى قراءة القرآن أمام الرئيس جمال عبدالناصر، عندما حمل الدعوة إلى المنشاوى أحد الوزراء - كما يتردد - قائلا: سيكون لك الشرف الكبير بحضورك حفلا يحضره الرئيس عبدالناصر.. فردّ عليه «المنشاوى» قائلا: «لماذا لا يكون هذا الشرف لعبدالناصر نفسه أن يستمع إلى القرآن وبصوت محمد صديق المنشاوى؟! ورفض الشيخ المنشاوى أن يُلبى الدعوة قائلا: لقد أخطأ عبدالناصر حين أرسل إلىّ أسوأ رسله.
فما حقيقة رفض المنشاوى؟
بداية.. عندما انطلق البث الأول للتليفزيون المصرى فى تمام السابعة مساء بتاريخ 21 يوليو 1960، بدأ الإرسال بتلاوة آيات من القرآن الكريم بصوت الشيخ محمد صديق المنشاوى، ثم ظهر الإذاعى الكبير صلاح زكى كأول مذيع تليفزيونى ليعلن مولد التليفزيون العربى من القاهرة.
احتوى البث على حفل افتتاح مجلس الأمة وخطاب الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وذلك احتفالا بالعيد الثامن لثورة يوليو، وتم تشغيل نشيد «وطنى الأكبر»، وتلى ذلك نشرة الأخبار، وانتهى البث بتلاوة آيات من القرآن الكريم، واستمر البث لمدة 6 ساعات يوميا.
وكما يؤكد عدد من الباحثين أن قصة الرفض ذكرها موقع ويكيبيديا العربى وهو موقع غير موثوق به، ونقلتها غالبية المواقع المصرية عنه دون تحديد تاريخ، والقصة غير مقبولة لأسباب عقلية ونقلية، أولها خلو القصة من تحديد تاريخ. ثانيا، خلال إعلان الوحدة مع سوريا فى عام 1959 قرأ الشيخ محمد صديق المنشاوى فى المسجد الأموى فى دمشق بحضور الرئيس عبدالناصر والرئيس شكرى القوتلى. ثالثا، فى عام 1965 وقبل وفاة الشيخ المنشاوى بـ4 سنوات قرأ فى المسجد الحسينى بحضور عبدالناصر والرئيس العراقى عبدالسلام عارف.
رابعا، وهو الأهم، أن شقيقة الشيخ وابنه صديق نفيا القصة، وأكدا أنه فى شهر أكتوبر عام 1968 فى عزاء والد جمال عبدالناصر قرأ الشيخ محمد صديق المنشاوى بالسرادق، وبسبب إعجاب عبدالناصر بتلاوة الشيخ طلب الرئيس من القارئ عمل مصحف مرتل وقامت الإذاعة بتجميع ما تمت تلاوته واستكمال الباقى ومات الشيخ بعدها بعام واحد فى عام 1969.
عبدالناصر هو الذى اختار الشيخ المنشاوى ليقرأ المصحف كاملا فى إذاعة القرآن الكريم مع الشيخ الحصرى وعبدالباسط والبنا ومصطفى إسماعيل وكانت هذه رغبة جمال عبدالناصر.
وتشير المصادر إلى أن الرئيس جمال عبدالناصر التقى الشيخ محمد صديق المنشاوى فى مناسبات عديدة، أبرزها حفل الوحدة مع سوريا عام 1959، وحفل فى الجامع الأحمدى بطنطا، وعزاء والد عبدالناصر عام 1968، حيث تأثر عبدالناصر بشدة بتلاوة الشيخ، وبعد انتهاء الليلة طلب منه أن يبيت بالحجرة المجاورة له، وفى الصباح طلب منه عبدالناصر سماع فن الترتيل مما أدى إلى تكليف الإذاعة بتسجيل المصحف المرتل بصوته، وهى القصة التى تؤكد وجود علاقة احترام وتقدير بينهما.
باختصار، العلاقة كانت قائمة على التقدير الفنى والروحانى، وظهرت جليا فى تقدير عبدالناصر لتلاوة الشيخ وتكليفه بتسجيل المصحف، رغم الروايات المتضاربة حول تفاصيل المواقف الشخصية.
أكذوبة منع الشيخ شعيشع
الشيخ أبو العينين شعيشع قال فى أحد الحوارات الصحفية إن «ثوار يوليو منعوه من القراءة فى الإذاعة، لأنه كان قارئ الملك فاروق قبل الثورة..!
ويذكر الأستاذ محمود السعدنى، فى كتابه «أصوات السماء» أن شعيشع لم يكن قارئا للملك، ولكنه أحيانا كان يقرأ فى السرادق الملكى داخل قصر عابدين فى شهر رمضان، بالاشتراك مع العشرات من كبار القراء، وإذا كان أحد يستحق هذا اللقب - قارئ الملك - فهو الشيخ مصطفى إسماعيل الذى كان قارئ الملك بحق ثم أصبح قارئا لثورة يوليو وزعيمها.
ويلفت «السعدنى» إلى واقعة مرض الشيخ شعيشع فى الستينيات عندما أصيب الشيخ بمرض خطير أصاب أحباله الصوتية، فلم يستطع القراءة.. هنا قرر الرئيس عبدالناصر الاستمرار فى إذاعة أشرطة الشيخ القديمة مع الاستمرار فى صرف نفس مكافآته المالية التى كان يتقاضاها وهو قادر على العطاء، وظل الأمر ساريا حتى توفى الرئيس عبدالناصر عام 70.

ذكرى ميلاد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر