تشهد الساحة السياسية والاقتصادية في الاتحاد الأوروبي توترًا متزايدًا مع اقتراب موعد توقيع الاتفاقية التجارية العابر للقارات بين الاتحاد الأوروبي وتكتل ميركوسور في 17 يناير المقبل في العاصمة الباراغوانية أسونسيون، وسط احتجاجات واسعة من المزارعين الذين حذروا من أن الاتفاق سيهدد مستقبل الزراعة الأوروبية وسبل عيشهم، بينما تتزايد الانقسامات داخل بروكسل بشأن جدواه الاقتصادية والاستراتيجية.
ما هي اتفاقية ميركوسور الاتحاد الأوروبى؟
اتفاقية ميركوسور الاتحاد الأوروبي هي اتفاق تجاري بين أوروبا ودول أمريكا الجنوبية مثل البرازيل والأرجنتين وأوروجواي وباراجواي، وتهدف إلى تسهيل التجارة بين الجانبين، بحيث تُصبح السلع كاللحوم والحبوب والمنتجات الزراعية أسهل في الدخول إلى الأسواق الأوروبية، وفي المقابل تُسهل على الشركات الأوروبية تصدير سيارات وآلات ومنتجات صناعية إلى دول أمريكا الجنوبية.
الفكرة الأساسية من الاتفاقية هي فتح الأسواق وتشجيع التجارة، مع وضع بعض القواعد لحماية البيئة والاستثمار وضمان المنافسة العادلة، كما تتضمن بنودًا تتعلق بحماية الاستثمارات، والملكية الفكرية، والمعايير البيئية، وقواعد المنافسة، ما يجعلها إطارًا اقتصاديًا شاملًا وليس مجرد اتفاق تجاري تقليدي.
25 عاما على أكبر اتفاقيات التجارة الحرة
الاتفاقية طويلة المدى، التي تم التفاوض عليها لأكثر من 25 عامًا، تمثل أحد أكبر اتفاقيات التجارة الحرة في العالم، من شأنها ربط أسواق الاتحاد الأوروبي (بما يقرب من 700 مليون مستهلك) بأسواق بلدان أمريكا الجنوبية، بما في ذلك البرازيل والأرجنتين وأوروجواي وباراجواي، في منطقة تجارة حرة واسعة تؤدي إلى إزالة الرسوم الجمركية وتشجيع حركة السلع.
التطلعات الاقتصادية
لكن هذه التطلعات الاقتصادية تصطدم بخوفات شديدة من قطاع الزراعة الأوروبي. يرى المزارعون في عدة دول مثل فرنسا وبولندا وإيرلندا وبلجيكا أن الاتفاق سيفتح الأسواق أمام واردات أرخص بكثير من السلع الزراعية من أميركا الجنوبية، والتي تنتج بظروف تكلفة أقل ومعايير بيئية وصحية تختلف عن المعايير الأوروبية الصارمة، ما قد يدفع العديد من المزارعين الأوروبيين إلى الخروج من المنافسة أو إغلاق أعمالهم.
تصاعد الاحتجاجات فى دول الأوروبية
في العاصمة الفرنسية باريس، تصاعدت الاحتجاجات هذا الأسبوع بعد أن قاد المزارعون مجددًا جراراتهم إلى الشوارع وحاصروا مناطق مركزية بالقرب من البرلمان الفرنسي وساحة الشانزليزيه، في محاولة لإيصال رسالة قوية إلى الحكومة الفرنسية وإلى بروكسل أن الاتفاقية غير مقبولة في شكلها الحالي وأنها تهدد الأمن الغذائي المحلي.
الاحتجاجات لم تقتصر على فرنسا فقط ففي بلجيكا، أوقف المحتجون الطرق الرئيسية المحيطة بالمقار الأوروبية في بروكسل، فيما نظم المزارعون في إيرلندا مظاهرات مماثلة، حاملة شعارات لا لميركوسور واحموا الزراعة الأوروبية، في سلسلة من التحركات التي تُظهر اتساع الرفض الشعبي لاتفاق التجارة الحرة.
الأزمة بلغت أيضًا بعض الأزمات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي نفسه. رغم أن أغلبية الدول وافقت بشكل مؤهل على تمرير الاتفاق، إلا أن فرنسا أعلنت رفضها الرسمي في التصويت، وهددت بمواصلة المعارضة داخل البرلمان الأوروبي، فيما عبرت حكومات أخرى مثل بولندا والنمسا والمجر وإيرلندا عن تحفظات مشابهة، مؤكدين أن الاتفاق في شكله الحالي لا يوفر الحماية الكافية لاقتصادياتهم الزراعية أو لضمانات بيئية وصحية لمنتجاتهم.
من جهتها، المفوضية الأوروبية بقيادة أورسولا فون دير لايين تحاول تلطيف الخلافات من خلال إدخال بعض البنود التي تقول إنها تعزز أدوات المراقبة والحماية ضد تدفق السلع الزراعية الرخيصة، وتمنح بعض الدول فرصًا لتفعيل فرامل طوارئ إذا شهدت خسائر جسيمة، بالإضافة إلى تخصيص مليارات يورو لدعم التكيف الزراعي في حال دخول الاتفاق حيز التنفيذ.
لكن هذه التدابير لم تُقنع المحتجين، الذين يؤكدون أنها غير كافية خصوصًا في مواجهة الفجوة الكبيرة في تكلفة الإنتاج والمعايير التنظيمية بين أوروبا ودول ميركوسور، كما نُظمت اعتراضات أخرى في اليونان واليونان والعديد من المناطق الريفية، حيث قطع المزارعون الطرق وسجلوا اعتراضاتهم على الواردات الرخيصة التي يرون أنها ستُفقدهم القدرة على المنافسة.
في طليعة الخلافات، يبدو أن المزارعين الأوروبيين سيواصلون احتجاجاتهم حتى بعد توقيع الاتفاق إذا تم التصديق عليه في برلمان الاتحاد الأوروبي، حيث أعلنوا عن خطط لتنظيم تظاهرات جديدة في ستراسبورج وغيرها من العواصم في الأسابيع المقبلة.
تبرز أزمة ميركوسور–الاتحاد الأوروبي التوتر الكامن بين الرغبة في تعزيز التجارة الدولية وتوسيع الأسواق، وبين الحاجة إلى حماية القطاعات المحلية الحساسة مثل الزراعة، ما يجعل 17 يناير القادم — موعد التوقيع الرسمي — نقطة محورية في مستقبل السياسات الاقتصادية والاجتماعية في الاتحاد الأوروبي، وعاملاً محوريًا في النقاش حول كيفية موازنة المصالح الاقتصادية الكبرى مع حماية المجتمع المحلي وحقوق المزارعين.