"وليمة الرصيف" المسكوت عنه فى ملف الكلاب الضالة.. كيف تمول مخلفات المطاعم الكبرى «جيوش الأنياب» فى شوارع القاهرة؟.. كيلو واحد من بقايا البروتين يوميا يكفى لجذب قطيع من 5 إلى 7 كلاب وتثبيتهم فى منطقة سكنية واحدة

الأربعاء، 14 يناير 2026 08:00 ص
"وليمة الرصيف" المسكوت عنه فى ملف الكلاب الضالة.. كيف تمول مخلفات المطاعم الكبرى «جيوش الأنياب» فى شوارع القاهرة؟.. كيلو واحد من بقايا البروتين يوميا يكفى لجذب قطيع من 5 إلى 7 كلاب وتثبيتهم فى منطقة سكنية واحدة كلاب ضالة

تحقيق منال العيسوى

• وليمة الرصيف".. كيف تمول مخلفات المطاعم الكبرى "جيوش الأنياب" فى شوارع القاهرة؟

• قنبلة موقوتة في "أكياس سوداء".. هل يربح أصحاب المطاعم من "نهش" أجساد أطفالنا؟

• "جريمة منتصف الليل".. تحقيق يكشف: لماذا تفشل الرقابة وتتوحش الكلاب في الأحياء الراقية؟

• كيلو واحد من بقايا البروتين يومياً يكفي لجذب قطيع من 5 إلى 7 كلاب وتثبيتهم في منطقة سكنية واحدة"

• من الساعة 12 منتصف الليل وحتى 6 صباحاً ..تغيب الرقابة.. وتحضر الوليمة

في سكون ما بعد منتصف الليل، بينما تنطفئ أنوار واجهات المطاعم البراقة في أحياء القاهرة الراقية، والتجمع والعاشر من رمضان، وتبدأ الموسيقى الهادئة في التلاشي، تبدأ حياة أخرى في الكواليس الخلفية، هنا، في ممرات "التجمع" الضيقة وخلف أسوار "المعادي" المشجرة، يخرج "كيس القمامة الأسود" ليكون البطل الأول في دراما ليلية متكررة، بطلٌ لا يحمل مخلفات فقط، بل يحمل صكاً مجانياً لاستيطان "جيوش نباحة" تحت نوافذ البيوت.

 

لقد اعتدنا لسنوات أن ننظر إلى ملف "الكلاب الضالة" كأزمة "طب بيطري" أو "أمن عام"، لكن الحقيقة التي كشفها هذا التحقيق تقع في مكان آخر تماماً، إنها تقع في "الأطباق الفائضة"، تلك البقايا من البروتين الدسم والعظام التي تلقى بإهمال على الأرصفة، ليست مجرد نفايات، بل هي "وقود حيوي" رفع معدلات خصوبة الكلاب الضالة في هذه الأماكن إلى مستويات غير مسبوقة، وحولت غريزتها من البحث المسالم عن الطعام إلى "شراسة دفاعية" مرعبة لحماية "المورد الغني" الذي منحه إياها إهمال أصحاب المنشآت.

 

في جولة اليوم السابع الميدانية التي استمرت لشهر كامل، تتبعنا مسار "كيس المطعم" من لحظة خروجه من المطبخ، وحتى تمزيقه تحت أنياب "مجموعات السيطرة" من الكلاب، اكتشفنا أن ما يوفره صاحب المطعم من بضعة آلاف من الجنيهات بالتهرب من التعاقد مع شركات تدوير "المخلفات العضوية"، يدفعه المواطن من أمنه وسلامة أطفاله كل صباح.

 

نحن لا نتحدث هنا عن أزمة نظافة عابرة، بل عن "جريمة بيئية منظمة"، حيث تتحول الأرصفة إلى "مطاعم مفتوحة" تدار بوقود من الإهمال الرقابي وجشع التوفير.

 

في السطور التالية، نكشف بالخرائط والوثائق وشهادات الشهود، كيف تحولت مخلفات طعامنا إلى "قنبلة موقوتة" تنبح في شوارعنا، ولماذا يكمن حل أزمة الكلاب في "مصانع الكومبوست" وليس في "طلقات الرصاص".


في الداخل، حيث الأضواء الخافتة ورائحة التوابل التي تملأ الأجواء، ينتهي "الزبون" من وجبته الفاخرة تاركاً خلفه بقايا عظام ولحوم، يظن أنها رحلت إلى الأبد بمجرد رفع الطبق من أمامه، لكن الحقيقة تبدأ خلف الأبواب المغلقة، في "الممر الخلفي" للمطعم، حيث تحشر تلك البقايا في أكياس بلاستيكية سوداء ضعيفة، تُلقى على الرصيف في انتظار قدرها المحتوم.

 

قبل أن تصل سيارة جمع القمامة بساعات، تبدأ "الدورية الليلية" عملها، هنا في شوارع المعادي والتجمع ووسط البلد، ومدينة العاشر من رمضان يتحول الرصيف إلى "مطعم مفتوح" لجيوش من الكلاب الضال، التي اعتادت على مواعيد خروج الفضلات العضوية بدقة تفوق دقة الساعات السويسري، و هذه ليست مجرد قمامة، بل هي "وقود حيوي" لانفجار سكاني من الحيوانات الضالة، وصراعات دموية على "نخاع العظام" تنتهي غالباً بصرخة طفل أو عضة مارٍ لم يكن يدري أن "وليمة الرصيف" هي من صنعت شراسة مهاجمه.

 

في هذا التحقيق الاستقصائي، نقتحم المناطق الرمادية في منظومة تداول المخلفات العضوية بالقاهرة وداخل مدينة العاشر من رمضان، نتتبع رحلة "كيس القمامة" من المطبخ إلى الرصيف، ونكشف بالوثائق والشهادات كيف تتهرب مطاعم كبرى من دفع تكاليف "التدوير الآمن"، لتمنح الكلاب الضالة "منحة بقاء" مجانية، تاركةً للمواطن المصري دفع الفاتورة من أمنه وسلامة أطفاله.

 

اعترافات "الخُطّاف الحديدي".. عم فتحي يكشف أسرار "منجم الزفارة" وصراعات البشر والكلاب

في زاوية مظلمة بجوار حاوية قمامة ضخمة بأحد شوارع "التجمع"، التقينا بـ "فتحى"، الرجل الخمسيني الذي يقضي ليله في التنقيب بين أكياس القمامة السوداء، بيده "خطاف" حديدي وعين خبيرة تعرف جيدا ما تحتويه الأكياس قبل فتحها.


أنا: "يا عم فتحى، أنت بقالك سنين في الشغلانة دي، ليه دايماً بنلاقي أكياس المطاعم هي اللي متبهدلة أكتر حاجة في الشارع؟".


فيرد فتحى بضحكة سخرية وهو يمسح يده في خرقة متسخة قائلا: "أكياس المطاعم دي يا أستاذة هي المنجم، الكيس من دول وزنه تقيل، مش زي أكياس البيوت كلها ورق ومناديل. كيس المطعم جواه (كنز) بلاستيك وكنزات ومواسير عضم ولحم، بس المشكلة في (الزفارة)".

 

أنا: "يعني إيه المشكلة في الزفارة؟"

فتحى: "المطاعم بترمي كله على بعضه، تلاقي علب البلاستيك غرقانة في صوص اللحمة والدهون، أنا عشان آخد علبة السمنة الفاضية أو ازايز المياه لازم أشق الكيس من طوله، أول ما بشق الكيس، الريحة بتضرب في مناخير الكلاب اللي واقفه مستنية ورايا طوابير".

 

- أنا: "والكلاب بتعمل إيه وقتها؟"


فتحى يرد بتلقائية شديدة : "بنتخانق سوا الكلب مش عايز البلاستيك، هو عايز "الهبر"، أنا بطلع اللي يلزمني وبسيب الكيس مفتوح، العضم واللحم بيقعوا على الرصيف، المطعم لو فصل البلاستيك في كيس وبواقي الأكل في كيس تاني، لا أنا هشق كيس الأكل ولا الكلاب هتتلم على كيس البلاستيك، لكن هما بيسهلوا على نفسهم ويرموا 'الوليمة' كلها في كيس واحد."

أنا: "مش بتخاف من الكلاب اللي بتتجمع دي؟"


فتحى: "بخاف طبعاً، بس هعمل إيه؟ ده رزقي. الكلاب هنا في المنطقة دي (مفتريّة) لأن أكلها كله بروتين ولحمة من المطاعم، فبقت قوية وشرسة، الكلب هنا لو شم ريحة الكيس بيعتبره بتاعه، ولو حاولت أقرب منه ممكن ينهشني، إحنا والكلاب والقطط عايشين على 'فتات' المطاعم اللي بتترمى كل ليلة، بس في الآخر كلنا بنتراضى انا باخد الكنز، والكلب بياكل وصاحب المطعم مابيدفعش كتير لنقل مخلفاته".

 

كانت هذه الجملة الأخيرة لى بمثابة تلخيص للحكاية التى بدأت من التحايل على القانون والجرى وراء المكسب دون اعتبار للتبعيات التى تترتب عليها هى طرف الخيط الذى ينكر فى هدوء وصمت بعيد عن عين الرقابة.

 

إن شهادة "عم فتحى" (النبّاش) لم تكن مجرد حكاية عن كسب الرزق، بل كانت كشفاً فنياً لثغرة قاتلة، فإصرار المطاعم على خلط "الكنوز الصلبة" (بلاستيك ومعادن) بـ "السموم العضوية" (بقايا البروتين) هو الذي يضمن بقاء أكياس القمامة "مفتوحة على البحري" طوال الليل. المطعم يهرب من تكلفة الفرز، والنتيجة هي "دعوة عشاء مفتوحة" لكلاب الشوارع، تتحول مع الوقت إلى "ارتباط شرطي" يجعل من الرصيف السكني ملكية خاصة لتلك القطعان.

المواجهة رقم 1 اقتصاديات "الهدر".. 50 ألف جنيه توفيراً سنوياً لكل مطعم مقابل "رعب" المواطنين

انتقلنا من الأرصفة المظلمة إلى صالات الطعام الفاخرة، ليس لتقييم جودة الوجبات، بل لتقصي مصير "ما يتبقى منها"، وجهنا أسئلتنا لمديري تشغيل 5 مطاعم كبرى في مناطق (المعادي وشرق القاهرة والعاشر من رمضان )، وكانت هذه هي الحصيلة الصادمة.

 

السؤال الأول: "أين يذهب الـ30% أو 40% من الطعام الذي يتبقى في أطباق الزبائن يومياً؟"

وكانت الإجابة الصادمة: "بقايا الطعام الرجوع هي كابوس يومي"، هكذا بدأ أحد المديرين حديثه، وأضاف: "الزبون يترك في المتوسط ثلث الوجبة، خاصة العظام وبقايا الصلصات. هذه الكميات تذهب فوراً إلى 'سلة واحدة' كبيرة خلف المطبخ، حيث يختلط المنديل الورقي بقشر البرتقال بعظام الدجاج، لا أحد لديه وقت للفرز".

 

تحليلى انا الاستقصائي: هذا "الخلط العمدي" هو الخطوة الأولى في صناعة الأزمة، فالطعام المخلوط بالورق والبلاستيك يصبح "مخلفات بلدية" عادية في نظر القانون، مما يسمح للمطعم بالتملص من كونه "منتجاً لنفايات عضوية خاصة".

 

السؤال الثاني: "هل لديكم تعاقد مع شركة مرخصة لنقل (المخلفات العضوية) بشكل منفصل؟"

وكانت الإجابة المتلعثمة: "لدينا تعاقد مع متعهد لجمع القمامة"، هكذا أجاب أغلبهم. وعندما ضيقنا الخناق حول ما إذا كان المتعهد "مرخصاً لإدارة المخلفات العضوية"، جاءت الإجابة: "المتعهد يأتي في سيارة ربع نقل، يأخذ الأكياس السوداء ويرحل، لا نسأله أين يذهب بها، المهم أن الرصيف أمامنا يصبح نظيفاً قبل الافتتاح".

 

والحقيقة المرة: هذه المطاعم تضخ يومياً ما لا يقل عن 200 إلى 500 كيلوغرام من البروتين الصافي في عروق "الجمع غير الرسمي"، الذي يفرغ الأكياس في المقالب العشوائية أو يتركها للكلاب والنباشين.

 

السؤال الثالث الذى كشف المستور: "كم تبلغ تكلفة التعاقد الرسمي مقابل 'رميها' للجامع غير الرسمي؟"

- هنا كشفنا "الدافع المادي للإهمال"، فالتعاقد الرسمي يتطلب دفع مبلغ شهري لشركة تدوير (تتراوح بين 3000 إلى 7000 جنيه شهرياً حسب الكمية)، بالإضافة لتكلفة توفير صناديق محكمة وفصل المخلفات.

 

والجمع العشوائي سواء "النباش" أو "الجامع غير الرسمي" قد يأخذ القمامة مجاناً أو مقابل "إكرامية" بسيطة، لأنه سيربح من بيع البلاستيك والكرتون الموجود داخلها.

 

والنتيجة ان المطعم يوفر سنوياً ما يقرب من 50 ألف جنيه بمجرد إلقاء "وليمة الكلاب" على الرصيف، بينما تتحمل الدولة والمواطن ملايين الجنيهات لعلاج حالات العقر، ومكافحة الأوبئة، وتنظيف الشوارع.

 

هذه الفقرة بالذات ستمثل "صدمة الأرقام" للقارئ، فالمواطن الذي يدفع فاتورة وجبة بـ 1000 جنيه، لا يعرف أن المطعم "يبخل" بدفع جنيهات معدودة لضمان ألا تتحول بقايا هذه الوجبة إلى "عضة كلب" في ساق طفله في اليوم التالي.

 

مواجهة رقم 2

في مكتب ضيق يعج بالأوراق بأحد أحياء القاهرة الكبرى، جلسنا أمام "م. س"، أحد المسؤولين عن الرقابة البيئية والمتابعة الميدانية، كان يتحدث بفخر عن "حملات النظافة الصباحية" و"محاضر الإشغالات"، لكننا قررنا سحب بساط الحديث إلى منطقة "الظل" التي لا تصل إليها الكشافات.


- انا :كل ما ذكرته يحدث والناس مستيقظون، لكن ماذا عن "الوجه الآخر" للمدينة؟ هناك مطاعم كبرى تفرغ أحشاء مطابخها من بقايا اللحوم والعظام في أكياس واهية وتلقيها على الرصيف في تمام الثانية صباحاً، لتتحول المنطقة إلى "ساحة قتال" بين الكلاب الضالة، سؤالي لك وبكل صراحة: كم مرة قمت أنت أو فريق التفتيش التابع لك بفحص صناديق القمامة خلف تلك المطاعم بعد الساعة 12 منتصف الليل؟.

 

- صمت لثوانٍ، حاول فيها المسؤول ترتيب أوراقه قبل أن يجيب بمزيج من الارتباك والدفاع).


المسؤول: "نحن نعمل وفق جداول محددة، والحملات الليلية تتطلب تنسيقاً أمنياً، وغالباً ما ينصب تركيزنا على الضوضاء وإشغال الطريق".

 

- أنا: مقاطعه له "لكن 'الوليمة' لا تبدأ إلا بعد منتصف الليل، أليس غريباً أن القانون رقم 202 لسنة 2020 يُلزم المطاعم بالتخلص الآمن، بينما الرقابة 'تنام' في الوقت الوحيد الذي تُرتكب فيه المخالفة؟ هل نعتبر أن شوارع القاهرة بعد منتصف الليل هي مناطق حرة للمطاعم للتخلص من فضلاتها وجذب الحيوانات الضالة لتهديد أمن السكان؟".

- المسؤول (محاولاً تدارك الموقف): "نحن نعتمد على البلاغات".

 

- أنا: "المواطن يبلغ عن 'الكلب' الذي عضه، ولا يعرف أن 'المطعم' هو من أطعم هذا الكلب وصنع شراسته، ألا ترى أن غيابكم الليلي هو السبب الحقيقي وراء فشل محاولات السيطرة على ظاهرة الكلاب الضالة في الأحياء الراقية؟".

 

فى هذه المواجهة التى لم تتعد 15 دقيقة مع مسؤل عن تطبيق القانون ومتابعة الرقابة على المطاعم فى احد القاهرة، انكشف الستار عن جزء من الحقيقة، وهى أن القاهرة' منطقة خارج السيطرة البيئية، وأن المطاعم تملك الضوء الأخضر لتحويل الأرصفة بعد منتصف الليل لمقالب قمامة تجذب الكلاب الضالة وتعرقل حياة المواطنين؟".

 

"الاعتراف الضمني" بالتقصير الرقابي الليلي وفشل منظومة تداول المخلفات العضوية، والصدمة الحقيقية هنا لم تكن في شراسة الكلاب، بل في "برود الأرقام"، فعندما يعترف المسؤول الرقابي ضمنيا بأن تفتيش "خلفيات المطاعم" بعد منتصف الليل يكاد يكون صفراً، فهو يقرّ بأن الدولة تترك "إدارة المشهد الليلي" لأطراف غير رسمية، المطعم يلقي بالفاتورة على الرصيف، والنبّاش يجهز المائدة، والكلب يفرض سيطرته بالأنياب، والمسؤول ينتظر "بلاغ عقر" في الصباح ليبدأ التحرك.

 

مثلث الموت.. رحلة "البروتين الضال" من غرف التبريد إلى أنياب الشوارع

بعد أسابيع من التتبع الميداني في شوارع القاهرة ومدينة العاشر من رمضان، اكتملت لدينا أضلاع "المثلث القاتل" الذي يغذي أزمة الكلاب الضالة ويمنحها استدامة مرعبة، هذا المثلث الذي يبدأ بجشع "منشأة"، ويمر بـ "خطاف نبّاش"، وينتهي بـ "سبات رقابي" عميق، ففي ختام رحلتنا بين أزقة القاهرة والعاشر من رمضان وخلف كواليس مطاعمها الفاخرة، اكتشفنا أن أزمة الكلاب الضالة ليست "قضاءً وقدراً" بيئياً، بل هي معادلة من صنع البشر، أطرافها الثلاثة: جشع، وحاجة، وغياب.


لقد رأينا "عم فتحى" النباش، الذي يفتح بمطواته الصدئة "علبة باندورا" بيئية، ليس لأنه يريد تلويث الشارع، بل لأن المطاعم أجبرته على البحث عن "رزقه البلاستيكي" وسط أكوام من اللحوم والعظام التي كان من المفترض أن تكون داخل مصنع للسماد لا على الرصيف. ورأينا في "صمت المسؤول" بروداً إدارياً جعل من الساعات التي تلي منتصف الليل "منطقة حرة" لكل من أراد التخلص من أوساخه بعيداً عن أعين القانون، وكأن الرقابة تنتهي بانتهاء مواعيد العمل الرسمية، بينما تبدأ "ولائم الشوارع" في تلك اللحظة تحديداً.

 

أوراق اللعب في يد "الأباطرة".. 4 ثغرات قانونية تمنح المطاعم "صك التلوث"

1. ثغرة "العقد الصوري"

حيث يتعاقد المطعم مع شركة جمع مخلفات مرخصة "ورقياً" فقط لاستخراج التراخيص، لكنه في الواقع يسلمها كميات ضئيلة جداً، بينما يتم التخلص من 90% من المخلفات العضوية في "أكياس سوداء" عادية مع القمامة المنزلية في وقت متأخر من الليل، ولو طلبت رؤية إيصالات الاستلام للشهور الثلاثة الأخيرة، وقارنت الكميات المسلمة بحجم مبيعات المطعم اليومي، ستدرك ذلك بسهولة.

2. غياب "كود الفرز" الإلزامي

قانون المخلفات رقم 202 لسنة 2020 يلزم بالفرز، لكن "اللائحة التنفيذية" قد لا تكون صارمة في تحديد شكل الحاويات المنفصلة للمطاعم داخل المطبخ. فيتحجج صاحب المطعم بأن "عامل النظافة هو من يخلطها بالخارج، لكنهم نسوا ان حاويات المطعم الخلفية، إذا كان "الزيت واللحم والبلاستيك" في حاوية واحدة، فالمسؤولية هنا تقع مباشرة على الإدارة وليس على عامل النظافة.

3. ثغرة "النباشين"
(كبش الفداء)

عند مواجه صاحب احد المطاعم بوجود أكياس مفتوحة تجذب الكلاب، رد قائلا :" أنا أخرجتها مغلقة، والنباشون من جامعي البلاستيك هم من مزقوها"، ونسى أنه لم يستخدم حاويات محكمة الغلق بدلاً من الأكياس البلاستيكية الضعيفة، وأنه لا يوفر المطعم غرفة تبريد للمخلفات العضوية لحين استلامها كما تنص اشتراطات الصحة.

4- الفرق بين "المخلفات البلدية و التجارية"

الوضع لم يكن قاصرا على المطاعم الكبيرة، فهناك بعض المطاعم الصغيرة تعتبر نفسها "نشاطاً منزلياً" وتدفع رسوم النظافة على فاتورة الكهرباء، وبالتالي تتهرب من التعاقد الخاص مع شركات التدوير اصلا، ملقية بالعبء على منظومة جمع القمامة العادية غير المؤهلة للتعامل مع كميات ضخمة من مخلفات البروتين.

سؤال يبحث عن إجابة"

كم مرة قام المراقبين من رؤساء الأحياء أو ما ينوب عنهم بالتفتيش على صناديق القمامة الخلفية للمطاعم بعد الساعة 12 منتصف الليل؟" الحقيقة ولا مرة، وهنا يكمن الدليل القاطع على أن أزمة الكلاب الضالة ليست "ظاهرة طبيعية"، بل هي "خطأ إداري" ناتج عن غياب التفتيش الليلي.

 

خارطة الطريق.. 6 حلول عاجلة لـ "تجميد" التراخيص وتجفيف منابع "شراسة الأرصفة"

وقبل ان نترككم دعونا نختم التحقيق بوضع "خارطة طريق" عملية ومنطقية، هذه التوصيات ليست مجرد مطالب، بل هي حزمة حلول نضعها على طاولة محافظ القاهرة ووزير الاسكان ووزيرة البيئة، بصيغة "نداء عاجل"، وتكون بمثابة توصيات "تحقيق وليمة الرصيف": نحو مدن آمنة وخالية من بؤر التلوث العضوي.

 

بناءً على ما رصده التحقيق من ثغرات، نوصي بالآتي:

1. تفعيل "الوردية الليليلة" للرقابة البيئية، بإنشاء "وحدة تفتيش ليلية" مفاجئة تابعة للأحياء وجهاز إدارة المخلفات، تبدأ عملها من الساعة 11 مساءً وحتى 4 صباحاً، وتختص حصرياً بمراقبة آلية خروج المخلفات من المطاعم والمنشآت التجارية في النقاط الساخنة .

2- "الباركود البيئي" لكل مطعم، وربط تجديد تراخيص المطاعم والمنشآت الغذائية بتقديم "سجل تداول رقمي" مربوط بباركد يثبت تسليم المخلفات العضوية لجهات معتمدة مثل مصانع كومبوست أو بروتين حيواني، وليس لشركات جمع القمامة العادية.

3- إلزامية "الحاويات المبردة والمحكمة"، وتعديل الاشتراطات البيئية للمطاعم الكبرى لتشمل وجود "حاوية مبردة" داخلية لتخزين الفضلات العضوية من اجل حماية الطعام من التعفن وجذب الحيوانات، حتى لحظة وصول سيارة النقل المعتمدة، ومنع وضع "الأكياس السوداء" على الأرصفة نهائياً تحت طائلة الغرامة الفورية.

4- تحويل "مخلفات الطعام" إلى "أسمدة"، والتوسع في إنشاء محطات "الكومبوست" الصغيرة بالقرب من تجمعات المطاعم الكبرى، لتقليل مسافة النقل وتحويل هذه الأطنان من "جاذب للكلاب" إلى "سماد عضوي" يدعم خطة الدولة لزيادة الرقعة الخضراء.

5- تطبيق مبدأ "الملوث يدفع"، بفرض رسوم "أثر بيئي" إضافية على المطاعم التي لا تلتزم بالفرز من المنبع، وتوجيه حصيلة هذه الرسوم لتمويل حملات "التعقيم والتطعيم" للكلاب الضالة في تلك المناطق، لتكون المنشأة مسؤولة عن علاج النتائج البيئية لإهمالها.

6- الرقابة المجتمعية الرقمية، وإطلاق خاصية داخل تطبيق "مبادرة صوتك مسموع" أو تطبيق "منظومة الشكاوى الحكومية" تسمح للمواطنين بتصوير "إلقاء مخلفات المطاعم ليلا، وإرسال الموقع الجغرافي فوراً لاتخاذ إجراء قانوني ضد المنشأة في وقتها.


"إن أزمة الكلاب الضالة في القاهرة ليست قضية حيوانات لا مأوى لها، بل هي أزمة إدارة مخلفات بامتياز. إن نجاحنا في تجفيف منابع الغذاء على الأرصفة سيعيد هذه الحيوانات إلى طبيعتها غير الشرسة ويقلل معدلات تكاثرها تلقائياً، الكرة الآن في ملعب الجهات التنفيذية، فهل ستستمر الرقابة في النوم مبكراً بينما تظل شوارعنا مطاعم مفتوحة تحت تهديد الأنياب؟، و أزمة الكلاب الضالة هي "أزمة إدارة" قبل أن تكون "أزمة حيوانات"، إن جبال العظام خلف كبرى المطاعم هي "المفاعل الحيوي" الذي يمد هذه الظاهرة بالطاقة، و لن يفلح السم ولا الرصاص في المواجهة ما دامت "صناعة الجوع والشراسة" مستمرة برعاية الإهمال، وإن الحل يبدأ بقرار جريء، "تجميد" تراخيص المطاعم التي لا تملك "تجميداً" لمخلفاتها، وتفعيل الرقابة في الساعات التي تنام فيها العيون.. وتستيقظ فيها الأنياب.

 

إننا اليوم، ومن قلب هذا التحقيق، لا نكتفي برصد الأزمة، بل نحولها إلى "مطلب شعبي" وقانوني واضح نضعه أمام صُناع القرار، فلماذا يظل ترخيص المطعم في مصر مقتصراً على اشتراطات الدفاع المدني والصحة، ولا يتم ربطه بوجود حاوية تبريد إجبارية للمخلفات العضوية، ومنظومة تتبع (GPS) ذكية تضمن عدم تسرب "الولائم الضالة" إلى أرصفتنا؟.

 

لقد حان الوقت لنتوقف عن مطاردة "النتائج" ونبدأ في علاج "الأسباب"، فالقاهرة والعاشر من رمضان يستحقا ليلة هادئة، والمواطن يستحق رصيفاً آمناً، والمطعم الذي يربح من جيوبنا، عليه أن يتوقف عن إطعام "الخطر" الذي ينهش أرواحنا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة