حين ينصت الشعر إلى ذاته، ويستعيد الأكاديمي صوته الداخلي، يولد هذا النوع النادر من الحوارات، حوار لا يجريه السؤال بقدر ما تقوده التجربة، ولا تمليه المناسبة بقدر ما تستدعيه المسيرة، مع الدكتور أحمد بلبولة، عميد كلية دار العلوم جامعة القاهرة، لا نقف أمام شاعرٍ محتفى به فحسب، ولا أمام أكاديمى مشغول بالمنهج والمعرفة، بل أمام نموذج ثقافى متكامل، استطاع أن يعبر بين ضفتى الإبداع والدراسة، دون أن يفرط في حرارة القصيدة أو صرامة الفكرة، واختياره "شخصية العام" لمهرجان الشارقة للشعر العربي بدورته الـ22 لم يكن لحظة تكريم عابرة، بل علامة على مشروع شعري طويل النفس، ظل يعمل في هدوء، ويراكم أثره بعيدًا عن الضجيج، حتى التفت إليه الضوء من أوسع نوافذه العربية.
في هذا الحوار نتتبع مع الدكتور أحمد بلبولة معنى التكريم حين يتحول إلى مسئولية، ودور مهرجان الشارقة، ونقترب من رؤيته لحال القصيدة العربية اليوم، وعلاقتها بالتحولات الرقمية، وبالجامعة، وباللغة ذاتها.. إلى نص الحوار..

الدكتور أحمد بلبولة خلال مهرجان الشارقة للشعر العربى
ــ بدايةً.. كيف استقبلتم اختياركم شخصية العام لمهرجان الشارقة للشعر العربي؟ وماذا يعني لكم هذا التكريم على المستوى الإنساني والإبداعي؟
كانت مفاجأة لم تخطر ببالى، فأن أكون شخصية العام الثقافية المكرمة في مهرجان الشارقة للشعر العربي معناه أنني قطعت شوطا مقدرا في مشروعي الشعري له صدى في العالم العربي، وأصدقك القول إن انغماسي في العمل الأكاديمي وتركيزي الشديد فيه وارى شخصية الشاعر كثيرا، لكن الشعر الحقيقي عابر للتاريخ والجغرافيا، يعطيك بقدر ما تعطيه، استقبلت الخبر بالسعادة والامتنان والشكر لله سبحانه وتعالى وللشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي رئيس المجلس الأعلى وحاكم الشارقة، خاصة أن سموه صاحب ثقافة واسعة وقد أقر ترشيحي لهذه الجائزة، أما على المستوى الإبداعي فهي مسئولية كبيرة لا بد أن أكون على قدرها وأن أعطي للشعر أضعاف ما كنت أعطيه، وأن أقوم بواجبي نحو هذا الفن الخالد الذي يمثل عصب الثقافة العربية.
ــ مهرجان الشارقة للشعر العربي بات واحدًا من أهم المنصات الشعرية في العالم العربي.. من موقعكم كشاعر وأكاديمي كيف تقيمون دوره في خدمة القصيدة العربية اليوم؟
من خلال حضوري له لاحظت أنه يستضيف شعراء مختلفي المشارب ومتفاوتو الأعمار، كل شاعر له شخصيته المستقلة، ولا شك أن هذا يعطي مؤشرا كبيرا عن ثراء المشهد الشعري، كما أنه على الجانب الآخر يتيح فرصة لتبادل الخبرات بين الأجيال المختلفة ويعزز مسيرة الشعر، ويحفظ بقاءه، الجمهور نوعي جدا؛ ولذلك يستفز الشعراء في أن يقدموا أفضل ما لديهم، المهرجان مضمار متفرد يتبارى فيه الشعراء، ومناخ ملهم بالجمال والابتكار والإبداع.
ــ في رأيكم.. ما الذي يميز مهرجان الشارقة للشعر العربي عن غيره من الملتقيات والمهرجانات الشعرية العربية؟
ما يميزه أنه يأتي برعاية كريمة من الشيخ الدكتور سلطان القاسمى، حاكم الشارقة، ولقد اندهشت كثيرا حين دعانا إلى دارته، وكرم الشعراء بنفسه، واستمع إلى قصائدهم، ووجه رسالة لهم، وأحاطهم برعاية كاملة فأعلن عن طباعة ديوان لكل شاعر حضر المهرجان، وبدأ المسئولون عن بيت الشعر يراسلون الشعراء، ويتلقون مخطوطات الدواوين، الاهتمام هنا اهتمام دولة وليس اهتمام أفراد، ومنذ استقبال الشعراء وهم يعاملون معاملة الدبلوماسيين، وهذا يعكس مدى الوعي بدور الثقافة الفاعل في الأمة العربية.
ــ إلى أي مدى تمثل الجوائز والتكريمات عنصرًا فارقًا في مسيرة الشعراء والمبدعين؟ وهل تصنع شاعرًا أم تُنصف تجربة ناضجة؟
الجوائز لا تصنع شاعرا، ولكنها تعطي الثقة، وتكون أحيانا صك اعتراف بقيمته، وأحايين أخرى تكون قبلة حياة، ومحفزا على العطاء والاستمرار.
ــ كيف تنعكس مثل هذه المهرجانات الكبرى على الحياة الإبداعية للشاعر نفسه سواء على مستوى الكتابة أو الحضور أو المسؤولية الثقافية؟
على المستوى الشخصي كنت أكتب ما أكتب لأصحابي، صحيح أنني لي مشاركات في مصر والعالم العربي، لكن هذا الجائزة ستوسع دائرة قرائي، وستعدل من أدائي الذي كان يستهدف قارئا خاصا، إلى أن يستهدف قراء من جميع أنحاء الوطن العربي، سأذاكر من جديد لأحل هذه المعادلة الصعبة.
ــ من خلال متابعتكم للمشهد الشعري العربي.. كيف ترون حال الشعراء اليوم؟ وهل القصيدة العربية تعيش أزمة أم مرحلة تحول؟
القصيدة تعيش أزهى عصورها، ولا أبالغ إذا قلت إن مواقع التواصل الاجتماعي أسهم بشكل كبير في ازدهارها؛ لأنه وفر المنبر المجاني الذي من خلاله يطرح الشاعر نفسه في فترة مبكرة، ويعرف على الأقل للمهتمين بالشعر؛ لدينا الآن شعراء بالمئات؛ يكتبون أنماطا مختلفة من الشعر، والشعر يتسيد المشهد الثقافي في الدول العربية.
ــ بصفتكم أكاديميًا.. كيف ترون العلاقة بين الشعر والدراسة الأكاديمية؟ وهل يمكن للمنهج الأكاديمي أن يقيد الإبداع أم يفتح له آفاقًا أعمق؟
بعض الشعراء يستغرقهم العمل الأكاديمي فينهزم الشعر، وبعضهم يستطيع حل المعادلة، بتطوير طريقة الكتابة، وسط أعبائي الكبيرة طورت طريقة حتى أظل موصولا بالشعر، وحتى أحافظ على كنزه الثمين، حين تأتيني القصيدة، أكتب ما يرد علي للوهلة الأولى حتى وأنا منهمك في العمل، ثم أديرها في رأسي وأنا في طريقي إلى البيت، ثم أكتبها في ورقة، وأستعيدها، فأضيف إليها بيتا أو بيتين، وهكذا حتى تكتمل شريطة أن أكملها وأنا تحت وطأة الحال الذي يعرض لكل شاعر، أما في التجارب التي تحتاج إلى قراءة فتأخذ مني وقتا أطول صار يمتد إلى العام والعامين والثلاثة، هي محنة للشعر لكن يمكن أن تتحول إلى منحة، خاصة أنها تمنحك تجارب تميزك عن الشعراء الآخرين.
ــ اللغة العربية هي الوعاء الأول للشعر كيف تقيمون وضعها اليوم في ظل التحولات الرقمية والتغيرات الثقافية المتسارعة؟ وما دور الشاعر في حمايتها وتجديدها؟
اللغة العربية بخير، محفوظة بكتاب الله سبحانه، ما يطرأ عليها من تشوهات ليس إلا غبار على جسد هائل، ما يلبث أن ينفض هذا الغبار، أما عن الشعر فدوره كبير في تجديد شباب اللغة، اللغة تحتاج إلى إنعاش لا يفعله إلا شاعر ذو خيال خصب، لقد أوشك الشعر أن يموت حتى جاء محمود سامي البارودي، وبعثه من جديد، وجاء من بعده شوقي الذي حرك السكون، واستفز طاقات الكتابة، فوجدنا أصداءها في المقالات الأدبية، والمقالات السياسية والتاريخية والفلسفية، ولا أبالغ إذا قلت في كتب الجغرافيا وغيرها من المؤلفات العلمية التي كانت تكتب باللغة العربية، الشعر يمثل المركز الملهم الذي تقوم من حوله دوائر كثيرة، حتى السينما تحتاج إليه للنهوض بأدائها، والاضطلاع برسالتها، وكذلك الموسيقى والفن التشكيلي.
ــ نود أن نقترب من تجربتكم الإبداعية الراهنة.. ما أحدث أعمالكم الشعرية أو البحثية؟ وما القضايا التي تشغلكم في كتاباتكم الأخيرة؟
أعكف الآن على كتابة ديوان شعري أظنه يمثل نقطة تحول في طريقتي في الكتابة، وأتمنى من الله أن أنتهي منه قريبا، فأنا أكتب فيه منذ سنة، تشغلني فيه قضايا الأمة العربية وأخطاءنا المتكررة، وأحاول أن أجد الدور الحقيقي للمثقف، والشاعر في معالجة هذه المعضلات، أما البحوث فأعمل على كتاب أبحث فيه عن تصالح الأشكال الشعرية.
ــ أخيرًا.. ما الرسالة التي توجهونها للشعراء الشباب خصوصًا أولئك الذين يحلمون بالحضور والتأثير في مشهد شعري مزدحم ومتغير؟
أقول لهم: أيها الشعراء الشباب، كونوا أنفسكم، وثقوا جدا فيما لديكم، ولا تندفعوا وراء التحقق السريع، الفن صعب ويحتاج إلى مذاكرة تاريخه، والتسلح بأدواته، لغة ووزنا، القراءة ثم القراءة في كل شيء، والانفتاح على الفنون الأخرى كالموسيقا، والمسرح، والدراما، والفن التشكيلي، لا تكتبوا إلا تجاربكم، وعليكم أن تعرفوا أنفسكم من البداية، وأن تعلموا أنكم أصحاب رسالة، فليس كل جميل بالضرورة جليلا.