- رئيس مجلس النواب يؤكد أن الموضوعية المتوازنة هي الإطار الحاكم للأداء الرقابي
- "بدوي" يؤكد أن رئاسة المجلس "مظلة تنظيمية" للجميع ودورها "الإنصات" لهم
في ثمانية دقائق، وعقب إعلان فوزه رسميًا برئاسة مجلس النواب للفصل التشريعي الثالث، جاء الخطاب السياسي الأول للمستشار هشام بدوي رئيس المجلس، خطاباً واضحا، حاسماً، حدد فيه "القواعد" و"المحددات" الرئيسية لفلسفته في إدارة هذا الفصل التشريعي الهام، بعد اكتمال المجلس الذي جاء بعد أطول ماراثون انتخابي في التاريخ النيابي.
وبلغة هادئة، ومصطلحات دقيقة محددة، استطاع هذا الخطاب أن يعكس فلسفة الإدارة البرلمانية المتوقعة خلال هذا الفصل، إذ تبدو المنهجية للوهلة الأولى تنبئ باعتماد المؤسسية في كل الملفات، هكذا بدت الصورة من الكلمات شديدة التوجيه التي نطق بها رئيس مجلس النواب الجديد، ومن مجمل ما قال يمكن للمراقب أن يخرج بقراءة قريبة من الدقة.
روح طمأنة القاعة ومن فيها
يمكنك أيضًا أن تقرأ من تحليل خطاب المستشار هشام بدوي، رئيس مجلس النواب الجديد، أنه لم يأت بوصفه إعلان فوز أو انتصار، بل بدا منذ جمله الأولى أقرب إلى بيان "تحمل مسؤولية"، يضع المنصب في إطاره الصحيح، وأنه تكليفًا ثقيلًا، في مرحلة دقيقة، قبل أن يكون تشريفًا سياسيًا، حتى أن لغة الخطاب نفسها كانت شاهدة على هذا المعنى، فجاءت هادئة، موزونة، وجهت حروفها نحو روح طمأنة القاعة ومن فيها، وقد غلبت هذه الروح على الخطاب، فبدت رسالة طمأنة، لا رسائل خطابة.
«وأمرهم شورى بينهم».. لن تحتاج لمزيد من الوقت حتى تحلل من استعانة المستشار هشام بدوي بهذه الآية الكريمة حرصًا على عدم انفراده بأي شيء، ورؤيته للأمر بوضوح على أنه أمانة تحملها، وليست صلاحيات عليه أن يستخدمها، إذ لم يكن توظيفًا عابرًا، بل إشارة رمزية تكاد تقرأ فيها فلسفة إدارة المرحلة المقبلة، حيث الشورى منهج عمل، وليست شعارًا.
التوافق حول التشريع لا يقل أهمية عن النجاح في إقراره
في تحليل المضمون سياسيًا، وإن شئت الدقة ونظرت إليه من شرفة كل حزب سياسي على حدة، تستطيع أن ترى أن الخطاب لم ينحز لفصيل، ولم يغازل كتلة بعينها، بل تعمد التأكيد على "الإنصات" لجميع الأصوات داخل القاعة، مستقلة كانت أو حزبية، في رسالة سياسية واضحة مفادها أن رئاسة المجلس مظلة تنظيمية للجميع، وهو ما يعني إدراكا من رئيس مجلس النواب بأن التوازن داخل البرلمان لا يقل أهمية عن إنتاج التشريع نفس، أو إدراك لحقيقة أن التوافق حول التشريع لا يقل أهمية عن النجاح في إقراره، والحقيقة لو سارت الأمور في هذه الزاوية تحديدًا على ما بدت عليه من كلمات يوم أمس، فإنها ستكون سنة حسنة، إذ تحمل فهمًا مختلفًا لفلسفة التشريع.
بكلمات لا تحتمل التأويل، وبلغة مباشرة، تتضح رؤية المستشار هشام بدوي بشأن دور المجلس، ذلك أنه عندما أعاد التذكير بالثنائية الدستورية الأساسية، التشريع والرقابة، لم يفصل بين الدورين، ولم يقدم أحدهما على حساب الآخر، بل بدا واضحًا في طرحه أنه يراهما مسارين متوازيين، في التوقيت والأهمية، ولا يكتمل أحدهما دون الآخر، وهي نقطة جديرة بالذكر، يتأسس عليها الكثير، ويمكن قراءتها وتحليلها سياسيًا، إذ تعكس وعيًا بطبيعة اللحظة، وبشكل العلاقة مع السلطة التنفيذية.
رقابة.. لا صدام
وفي هذا السياق، لم يكن الحديث عن التعاون مع مؤسسات الدولة نقيضا للرقابة، بل إطارا لها، فقد شدد على "الموضوعية المتوازنة"، رافضا منطق المغالاة أو التقصير، وكأنه يضع حدا مبكرا لأي محاولة لتحويل الرقابة إلى صدام، أو تفريغها من مضمونها.
لا مغالاة، ولا تهوين، ولا تهويل.. ضمن ما يمكن أن يقرأ في خطاب المستشار هشام بدوي، ما بدا من كلماته بشأن رؤيته لطبيعة العلاقة مع باقي مؤسسات الدولة، وباقي السلطات، إذ يبدو أن رئيس المجلس يملك بالفعل منهجًا للتعامل في هذه الملفات، انطلاقًا من قاعدة التعاون بين الجميع، أو التناغم في دورة عمل مؤسسية، تتعدد فيها الجهات المشاركة، لكن تسير جميعها في مسار واحد، يبغي المصلحة العامة، ويستهدف الهدف الأسمى من العمل كله، وهو رضا الجمهور.
تحميل الذات قبل تحميل الآخرين.
بوضوح تحدث المستشار هشام بدوي عن رضا المواطن عن عمل المجلس، والأداء البرلماني العام للفصل التشريعي الذي يترأسه، إذ حضر المواطن في الخطاب بوصفه الغاية النهائية، فجاء حديثه عن طموحات الشعب، ومستقبل أبنائه، ودور النواب كصوت حقيقي للمواطنين، متسقا مع الروح العامة للخطاب، التي تميل إلى تحميل الذات قبل تحميل الآخرين.
"ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى».. يقيني أنها كانت خاتمة تتسق مع مجريات الخطاب من البداية، ومعانيه ورسائله، ولم تكن مجرد اقتباس، بل قناعة ويقين يعلنه صاحبه، ويقول للجميع فيه إن العمل هو الفيصل، والتجربة وحدها هي الحكم وهي المشروع.