نهاد أبو القمصان بعد تهديدها إلكترونيا بالقتل: أواجه هجوم لكسرى الصورة النمطية للحقوقية المطلقة العلمانية.. وتنتقد تنفيذ "قيم الأسرة": يطبق على فتيات تيك توك ويتجاهل محرضى الكراهية.. ومصر بلد يحترم النساء

الإثنين، 12 يناير 2026 03:00 م
نهاد أبو القمصان بعد تهديدها إلكترونيا بالقتل: أواجه هجوم لكسرى الصورة النمطية للحقوقية المطلقة العلمانية.. وتنتقد تنفيذ "قيم الأسرة": يطبق على فتيات تيك توك ويتجاهل محرضى الكراهية..  ومصر بلد يحترم النساء نهاد أبو القمصان

كتبت أميرة شحاتة

لم يكن حوارنا معها مجرد نقاش حقوقي عابر، بل جاء في قلب "معركة رقمية" انتصرت فيها لتوها؛ فخلال الأيام الماضية، اهتز هاتف نهاد أبو القمصان برسالة تهديد صريحة بالقتل عبر تطبيق 'واتساب'، وبدلاً من الحظر أو التجاهل، قررت المحامية الحقوقية تحويل الواقعة إلى درس قانوني عملي، فقدمت بلاغاً رسمياً ضد شخص حاول ترهيبها عقب إعلان تضامنها مع فتاة واقعة "المترو" الشهيرة؛ تلك الواقعة التي بدأت بمقطع فيديو لمسن من صعيد مصر يُعنف فتاة بسبب وضعها ساقاً فوق ساق أمام عينه، وفي أقل من 24 ساعة، كان المتهم بإرهاب "أبو القمصان" في قبضة العدالة.

في هذا الحوار، تفتح المحامية الحقوقية نهاد أبو القمصان صندوق أسرار الهجمات الممنهجة التي تتعرض لها، وتكشف لـ "اليوم السابع عن كواليس اللجان الإلكترونية التي تحاول تزييف الوعي العام المصري، كما تضع "روشتة" قانونية للبنات لمواجهة الابتزاز، وتنتقد بطء إجراءات التقاضي، مؤكدة أن سلاحها في وجه ما وصفته بـ "ناموس" السوشيال ميديا هو وعي 3 ملايين متابع، وفصلها التام بين صخب المحاكم وهدوء المنزل.

 

- بصفتك واحدة من أبرز المدافعات عن حقوق المرأة، كيف تطور شكل العنف الإلكتروني ضدكِ عبر السنوات؟

تسترجع نهاد أبو القمصان بدايات المعركة، موضحة أن ساحة المواجهة اتسعت وتوحشت؛ فتقول: "العنف الرقمي تطور مع تزايد المنصات.. في البداية كان "فيسبوك" هو الساحة الوحيدة، لكن الآن تعددت المنصات مما ساعد على انتشار الأذى بشكل أوسع".
وبنبرة كاشفة لتفاصيل "الخديعة الرقمية"، تضيف: "أخطر أشكال العنف الآن هو 'الفبركة الممنهجة'؛ حيث يتم وضع تصريحات مكذوبة لي على صور حقيقية، مع استخدام لوجو منصات إعلامية معروفة لإيهام الناس بأن الخبر حقيقي، بل وتوجد صفحات تنتحل صفة منصات إخبارية لنشر هذه الأكاذيب، مما يعطي زخماً وانتشاراً واسعاً لتصريحات لم أنطق بها".

وتنتقل "أبو القمصان" للحديث عن سلاح "الاجتزاء" الذي يُمارس ضدها، فتقول بأسف: "يأخذون كلمة واحدة من فيديو طويل ويوظفونها في سياق مشوه.. فبينما أكون بصدد شرح آية قرآنية أو رأي قانوني، يفاجئني البعض بتغيير الحقيقة، مثل قضية "الست مش ملزمة بالرضاعة"؛ هذا بالأساس مبدأ في فقه الإمام أبي حنيفة ومبنى عليه نص في القانون المصري، لكنهم يصنعون منه "تريندات" ويقتصون كلامي لتشويه صورتي".

وبنظرة ملهمة رغم الصعوبات، توضح " أنا بعتبر أن ذلك إساءة ، إلا أن الميزة هي توسع القاعدة الجماهيرية الواعية عندي؛ فالناس الآن أصبحت تفهم أن هذا شكل من أشكال الإساءة، وعلى قد ما الموضوع مزعج، على قد ما بكمل في بلاغاتي وبحاول اتصدي له، لأني شايفة إنه على الأقل بقى نموذج عملي للبنات، يعلمهم إنهم لا يستسلموا للسكوت أبداً على العنف الرقمي".

 

- هل أصبح الهجوم أكثر تنظيماً أم أنه مجرد ردود أفعال عشوائية؟

لم تتردد نهاد أبو القمصان لحظة، بل أجابت بلهجة حاسمة وقاطعة: "هو بالأساس عمل منظم؛ فلو كان الأمر مجرد شخص يعبر عن رأيه لظل في نطاق محدود، إنما أن يتحول الأمر إلى "تريند" جارف، فهذه لجان إلكترونية موجهة."

تكشف "أبو القمصان" عن كواليس الصدمة التقنية التي رصدتها قائلة: "تخيلي عندما أجد هجوماً مكثفاً على صفحتي بـ 8000 بلاغ (Report) في وقت واحد، والمفاجأة أن جميعها قادمة من 'شرق آسيا' من حسابات وهمية! هذا يثبت أننا لسنا أمام مجرد غضب عشوائي".

وبنبرة تملؤها الرغبة في حماية الأخريات، تربط نهاد بين الهجمات وبين وقائع بعينها: "الأمر دائماً مرتبط بحدث ما، حيث يطبقون على سيدة بعينها كل وسائل الترهيب لتخويف باقي النساء. أتذكر حين نشرت فيديو لدعم سيدة استخدموها فريسة لمجرد أنها رقصت على مركب في رحلة عادية.. كانوا يريدون ذبحها معنوياً".

وتستطرد بحدة تعكس إيمانها بالقضية: "عندما أقرر الدفاع عن سيدة في موقف كهذا، فأنا لا أدافع عن شخصها فحسب، بل أقف أمام فكرة إرهاب النساء في الحياة العامة، وأتصدى للأفكار التي تتعامل مع المرأة كـ 'شيء'. الأمر في رأيي ليس صراعاً بين الرجال والنساء، بل هي مجموعات منظمة سياسياً تستهدف المرأة بالأساس لتفرض أفكارها المتطرفة على المجتمع، وتمارس إرهابها الفكري عبر الشاشات".

 

- بالحديث عن بلاغكِ الأخير وسرعة استجابة وزارة الداخلية.. ما هي الأخطاء الشائعة التي تقع فيها بعض المناصرات للمرأة وتؤدي لضياع حقهن القانوني؟

بلهجة "الخبير" الذي اختبر دهاليز المحاكم، بدأت نهاد أبو القمصان بتفكيك الأخطاء التقليدية قائلة: "أكبر خطأ تقع فيه النساء هو الاكتفاء بأخذ 'سكرين شوت' ثم حذف الرسالة.. الحقيقة هي أن 'السكرين شوت' وحده ليس له أي حجية قانونية قاطعة في المحاكم".

وتنتقل "أبو القمصان" لتقديم نصيحة تخالف الشائع، وبحماس من انتصر للتو في معركة قانونية توضح: "الكثيرون ينصحون الضحية بعدم الرد على المعتدي، لكنني أقول العكس تماماً! في واقعة التهديد الأخيرة التي تعرضتُ لها، قمت بالرد فوراً على الشخص قبل تقديم البلاغ.. لماذا؟ لأن أهمية الرد تكمن في إثبات 'القصد الجنائي'".

وتشرح نهاد هذه النقطة القانونية بذكاء: "في المحكمة، يتعلل الكثير من المتهمين قائلين: "والله ما كنت أعرف.. أسيء فهمي"، لكن عندما ترد الضحية قائلة: ما تفعله جريمة وأنا أحذرك، ثم يستمر المعتدي في تجاوزاته، هنا يصبح متعمداً للإساءة أمام القاضي، مما يضمن له أقصى عقوبة".

وتختتم نصائحها "الذهبية" بتوجيه عملي لكل امرأة: "عند تقديم البلاغ، يجب أن يكون الهاتف بحوزتكِ، لن يصادروه منكِ ولكن المهندس الفني يحتاجه ليتأكد أن الرسالة غير مفبركة وأنها وصلت بالفعل للجهاز ببياناتها الأصلية.. إتمام الإجراءات بهذا الشكل هو الوحيد الكفيل بردع الجناة واستعادة الحقوق".

WhatsApp Image 2026-01-05 at 5.07.58 PM
 
WhatsApp Image 2026-01-05 at 5.07.59 PM
 

 

- ما تقييمك لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الحالي في مصر؟ وهل هو كافٍ لحماية النساء من "الإرهاب الإلكتروني"؟

انتقدت المحامية الحقوقية الوضع القانوني، قائلة: "القانون في حد ذاته جيد جداً كنصوص، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في التطبيق! فنحن نواجه منظومة عدالة بطيئة لا تتناسب مع سرعة الفضاء الرقمي".
وتشبه "أبو القمصان" الجريمة الرقمية بتشبيه بليغ يعكس خطورتها: "الجريمة الإلكترونية عاملة زي "النزيف"... تحتاج تحركاً فورياً ووقفاً قوياً، لكن الواقع يقول إن البلاغ يستغرق من 6 أشهر إلى سنة، وخلال هذه الفترة يظل المسيء حراً بلا رادع". وبنبرة مطالبة بالتغيير تضيف: "نحن بحاجة ماسة لشرطة متخصصة بالمعنى الحقيقي، ونيابة ودوائر قضائية متخصصة؛ فكل الجرائم التقليدية انتقلت للفضاء الافتراضي وتوحشت".
وعند الحديث عن نصوص القانون، تكشف "أبو القمصان" عن التناقض في التنفيذ، قائلة: "القانون يغطي الكثير، بل وأحياناً أكثر مما يجب! فهو يحتوي على ألفاظ مرنة جداً ومطاطة لا نعرف معايير تطبيقها، وعلى رأسها مصطلح 'قيم الأسرة المصرية'".
وتستطرد منتقدة ازدواجية المعايير: "للأسف، لا نرى هذا المصطلح يُطبق إلا في الغالب على البنات اللاتي يرقصن على تيك توك، بينما جرائم الكراهية والتحريض والعنف الرقمي الممنهج، لم نرَ المادة (25) من القانون تُطبق ضد مرتكبيها! يركز مع 'كم عيلة بيرقصوا' مع ترك الترهيب الرقمى الذى يحدث، وهذا يجعل تطبيقات القانون سيئة جداً".
وتوضح: "البطء هو الذي خلق حالة غير صارمة في تطبيق القانون؛ لدرجة أننا عندما نصل للمحكمة بعد عام، يكون المجرم نفسه قد نسي جريمته ويسأل: (أنتم بتحاكموني على إيه)"

- كثير من النساء يترددن في الإبلاغ بسبب خوفهن من تعرضهن للوم أو عدم أخذ بلاغهن بجدية.. ما هي النصيحة القانونية والعملية التي تقدمينها لتشجيعهن على كسر حاجز الخوف؟

بصوت يملؤه التفهم والواقعية، بدأت نهاد أبو القمصان حديثها بالاعتراف بصعوبة الطريق: "أدرك تماماً أن الرحلة طويلة وصعبة، فالمرأة التي تتعرض للأذى تريد رفعه عنها فوراً، لكننا للأسف نفتقر للإجراءات التحفظية؛ فلا يوجد نص يلزم النيابة بحبس المتهم بمجرد وصول مباحث الإنترنت إليه".

وتتابع بنبرة تشجيعية حاسمة: "رغم أنها رحلة مرهقة، إلا أنني أنصح كل بنت بضرورة خوضها؛ فكلما زاد عدد البلاغات، أُجبرت المنظومة على أن تصبح إجراءاتها أكثر حسماً وصرامة."

وعن "فخ اللوم" الذي تقع فيه الضحايا، تقدم "أبو القمصان" استراتيجية نفسية ذكية: "الحقيقة أن الناس يصدقون ما نقوله من خلال 'الطريقة' التي نقوله بها. لو كان رد فعل البنت على الابتزاز أو العنف مهزوزاً وخائفاً، سيبدأ الناس في الشك واللوم، لكن عندما تكون قوية، وتؤكد بوضوح وصراحة أن ما يحدث ليس حقيقي، سيصدقها الجميع".

وتختتم نصيحتها بكلمات قاسية لكنها واقعية لكسر دائرة الضعف: "إياكِ والتبرير أو الانهيار أو البكاء والقول: (أصل.. ويمكن.. وشفت).. لا! الرسالة الأساسية يجب أن تكون: (هذا مجرم وأنا أطارده حتى آخذ حقي)، بهذه الطريقة فقط نقلل اللوم لأن لا أحد يلوم شخص قوى الناس دايما تيجى على الطرف الضعيف"

 

- هل مهاجمة النساء رأى عام غاضب أم لجان وما هي رسالتكِ لمن يظن أن العنف الإلكتروني سينجح في إسكات صوت المرأة؟

تجيب نهاد أبو القمصان: "هي لجان طبعاً، هدفها الوحيد إظهار الرأي العام في مصر وكأنه متخلف، وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة". وتضيف بابتسامة ثقة: "السيدات في مصر الآن متحققات وناجحات، وما يصدّره العنف الرقمي هو صورة مشوهة لمجتمع 'همجي' لا يشبهنا أبداً".

وتستطرد "أبو القمصان" في تفنيد ادعاءات المهاجمين الذين يتخفون خلف ستار التقاليد: "حتى الذين يتشدقون بكلمات مثل (إحنا فلاحين أو صعايدة)، أقول لهم: نحن جميعاً أصلنا صعايدة وفلاحين، ولسنا مولودين في التجمع الذي هو مجتمع (أول امبارح).. والقيم الحقيقية في الصعيد والريف المصري قائمة على احترام الذات وتقدير المرأة".

وتكشف نهاد عن رؤيتها العميقة لما يحدث خلف الشاشات، "ما نراه هو ثقافة مستوردة ومصطنعة تهدف لتسويد حياة الناس، وهي خطة متعمدة لتدمير هوية الشعب المصري، وهذا خطر قومي أولى بالحكومة أن تتصدى له".

وتستشهد بواقعة تاريخية لتؤكد وعي المصريين الحقيقي: "لا يوجد شيء اسمه رأي عام غاضب ضد حقوق المرأة، والدليل حينما تعرضت طالبة للتحرش في جامعة القاهرة منذ سنوات، وخرج رئيس الجامعة آنذاك ليلوم (ملابس البنت)، انتفضت مصر كلها ضده وأجبرته على الاعتذار وإنشاء وحدة لمواجهة التحرش".

وتوضح: "أنا أعمل في الشارع، وبين الناس، ومكتبي يغص بالموكلين ليل نهار، وأؤكد أن تلك (الأشكال الضالة والشريرة) التي نراها على السوشيال ميديا ليست حقيقية؛ إنها لجان إلكترونية ومصطنعة لأغراض سياسية واضحة، ولن تنجح أبداً في إسكات صوت المرأة الذي بات مسموعاً ومؤثراً".

 

- في النهاية: وسط هذا السيل اليومي من الهجوم والتحريض.. كيف تحمي نهاد أبو القمصان سلامتها النفسية؟

بابتسامة هادئة تعكس تصالحاً كبيراً مع الذات، تبدأ نهاد أبو القمصان حديثها: "القراءة مهمة، وفهم الأغراض الحقيقية لما وراء الهجوم يجعلني أدرك أنني لا أملك مشكلة شخصية مع أحد.. أنا فقط وجودي يخالف كل أشكالهم النمطية".

وتشرح "أبو القمصان" سر استهدافها المكثف قائلة: "المجموعات العنصرية والمتطرفة روجت لصورة نمطية للمناصرة للمرأة أنها يجب أن تكون (عانس أو مطلقة)، والحمد لله عشت حياة تُكتب في الكتب لمدة 31 عاماً مع واحد من أحسن الرجال رحمه الله.. روجوا أن زوج المدافعة يجب أن يكون (هي تتحكم فيه)، وكنت متزوجة من دكتور في القانون ومن أهم محامي مصر بل العالم.. قالوا أولادها سيكونون (منحرفين)، وأولادي الله أكبر عليهم.. وأخيراً ادعوا أنها يجب أن تكون (علمانية)، وأنا سيدة محجبة"!

وتتابع بنبرة منتصرة: "كل الأشكال النمطية لجعل باقى السدات تكره السيدة الناجحة أو القوية لأنها بالتأكيد ستكون خاسرة لحياتها الاجتماعية في المقابل، غير موجودة!، متسائلة: "ليه أنا أكتر ست تتهاجم؟.. لهذا السبب!".

وعن فلسفتها في التعامل مع الأمر، تستخدم تشبيهاً ساخراً: "أتعامل مع الأمر كأنه (براغيت أو ناموس).. يحتاج فقط للرش لكنه لا يستحق أن يضايقني أو يؤثر على سلامتي النفسية".

وتكشف نهاد عن "دستورها الشخصي" في الفصل بين العام والخاص: "أول ما أدخل البيت أستمتع بحياتي، أشاهد التلفزيون، وأطبخ مع أولادي.. الإجازة عندي مقدسة، ولو عُرضت عليّ ملايين الجنيهات لا أعمل تحت أي ظرف من الخميس الخامسة مساءً وحتى صباح الأحد؛ هاتفي لا يستقبل مكالمات العمل نهائياً".

وتختتم الحوار بلمسة وفاء ومحبة: "زوجي (رحمه الله) كان يحب الضحك والبهجة، وأنا متمسكة بهذا الإرث.. الفصل بين المهني والاجتماعي هو سر النجاة، ومعي دعم 3 ملايين متابع يسمعون لغتي القانونية الصعبة، ويردون لي حقي في ساحات النقاش.. وهذه هي الأمور المبهجة التي تستحق التركيز عليها".




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة