لغير أبناء أسيوط يبدو المشهد غريبا جدا، لا يجدون له تفسيرا، يعتقدون أنه ظاهرة فريدة من نوعها، هم لا يعرفون الطبيعة البشرية والتركيبة الثقافية والواقع الجغرافى للمحافظة، المشهد الذى بصدد الحديث عنه هو سفاح ساحل سليم أو خط الصعيد الجديد محمد محسوب المتهم فى 44 جناية ما بين حيازة مخدرات وأسلحة وقتل وسرقة بالإكراه وحريق وإتلاف ممتلكات الغير، والصادر ضده أحكام بإجمالى 191 سنة سجن والمضبوط في منزله - بعد تصفيته و7 من معاونيه - كمية كبيرة من المواد المخدرة وعدد كبير من الأسلحة النارية شملت أر بى جى و2 جرينوف و73 بندقية آلية ورشاش متعدد و11 بندقية خرطوش و 62 فرد محلى و 8 قنابل وعدد كبير من الطلقات النارية مختلفة الأعيرة.
وبداية دعونا نعرف كيف يفكر أهالى أسيوط أو غالبيتهم، إنهم يعتقدون أن الحقوق تنتزع بقانون الغاب وأن عقاب القانون المدنى لا يكفيهم في الغالب، أن عقليتهم تبدو متجمدة صلبة، لا تستقيم معها الأمور إلا بحصول كل ذي حق على حقه، ومن هنا ساد ما يعرف بالأمن العرفى لحل المشكلات بين الأفراد والعائلات.
المشكلات تحدث في المقام الأول بسبب الأرض الزراعية، والسعى لحيازتها أو السيطرة عليها، وهى غالية جدا، حتى أن مواطنا مستعدا لأن يفقد حياته إذا أخذ جاره في الأرض الزراعية شبرا واحدا، العائلات تشتبك سويا حتى وإن سامح مالك الأرض فأقاربه يعتقدون بأن كرامتهم وهيبتهم أصبحت في مهب الريح.
والأمن العرفى يكون هنا هو السبيل لحل النزاعات، إذا يستدعى رئيس المباحث في المركز أو القسم الطرفين ويستمع لهما فإذا لم يقتنع طرفا منهما يحيلهم جميعا إلى لجنة المصالحات وهى لجنة تضم حكماء من أهل المركز لهم قبول لدى الجميع معروف عنهم الفصل بين المتخاصمين بالحق.
أحيانا تفشل لجنة المصالحات في حل المشكلة فتعود إلى رئيس المباحث وتخبره بالطرف الرافض للحل، وهنا يحاول رئيس المباحث إقناعهم وعندما يفشل يطبق القانون ويحيلهم للنيابة التي تخلى سبيلهم بعد عمل اللازم قانونا، ويخرج الطرفان لنتوقع الكارثة، حيث يجهز كل منهما عدته وعتاده ويتبادل الطرفان إطلاق النار ليسقط من بينهم قتيلا أو جريحا ونبدأ سلسال الدم في صورة خصومة ثأرية.
هنا تبدو القسوة الأمنية ضرورة حتمية لوأد الصراعات وإقرار السلام المجتمعى، والقسوة هنا لا مانع من أن تتجاوز حدود القانون لمصلحة العامة، فبعض من أبناء أسيوط في القرى والنجوع لا يخشون الموت ولديهم نزعات إجرامية إن لم توأد في مهدها سنشاهد كثيرا من نماذج خط ساحل سليم.
وسفاح ساحل سليم بدأ رحلته الإجرامية من واقعة بسيطة، انشغلت الشرطة وقتها عن معاقبته عليها فارتكب جريمة ثانية وثالثة وزادت عليه الأحكام ففضل الموت على الاستسلام، وعندما اندلعت أحداث يناير 2011 وجد بيئة مناسبة للتطور الإجرامى حيث غاب الأمن والأمان وانتشرت الأسلحة النارية وسادت البلطجة والسرقة والسطو المسلح، ولأن سفاح ساحل سليم كان خطا خطوات لا بأس بها في عالم الإجرام بدا بارعا في استغلال النقلات الأمني في 2011 فارتقى بأساليبه الإجرامية مستغلا حصوله على قدر من التعليم، واتسعت دائرة علاقاته بالمجرمين في قرى ومراكز مجاورة، وربح الكثير من تجارة الأسلحة والتف حوله بعض راغبى البلطجة والعاطلين عن العمل، فالرجل يطعمهم وينفق عليهم ويشبع رغباتهم الإجرامية ويعوض النقص الذى يعانون منه، وتصوروا أنهم سادة فوق القانون.
ونسى هؤلاء المجرمون أن دولة يقودها رجل بعقلية الرئيس عبد الفتاح السيسى، نسوا أن الانفلات لن يستمر وأن الشرطة استردت عافيتها وبشكل أكثر قوة وتطورا مقارنة بما قبل 2011، نعم يا سادة لقد استعادت الشرطة عافيتها بقوة والحمد لله، وامتلكت أدوات العصر من الرقابة والتحرى والتتبع وامتلكت فرقا قتالية تعانى مثيلاتها في أقوى الدول بل وغالبية جيوش العالم.
والحق أقوال، إن قادة أمن أسيوط في هذه الآونة يلعبون دورا بارزا وغير مسبوق في التصدي للظواهر الإجرامية، وذلك لخلفيتهم وتاريخهم الأمنى فاللواء وائل نصار مدير أمن أسيوط له تاريخ مشرف في البحث الجنائى ومختلف قطاعات الأمن، حيث شغل في المناصب الشرطية القيادية ، مدير مباحث مديرية أمن أسوان، ثم مدير المباحث الجنائية بمديرية أمن أسيوط ثم وكيل قطاع مصلحة الأمن العام بوزارة الداخلية ليعود مجددا إلى أسيوط مديرا لأمنها ما يعنى أن الرجل خدم كثيرا في الصعيد وخدم أكثر في أسيوط ومن ثم عرف طبائع شعبها وكيفية وموعد التعامل مع البؤر الإجرامية الخطرة.
قد يستغرب البعض إذا ناشدت وزارة الداخلية بتشديد القبضة الأمنية أكثر وأكثر في أسيوط،ـ ذلك أن العقلية هناك متحجرة والنزعة الإجرامية عاتية، وإذا لم يحدث ذلك فلننتظر العشرات من خط ساحل سليم في مختلف القرى والنجوع، إن طبيعة أسيوط الجبلية تجعل قسوة الحسم الأمني ضرورة حتمية حتى يعيش الناس في أمان، أنا لا أبالغ إذا رأيت في تطبيق الطوارئ بمحافظتى ومسقط رأسى أسيوط، وتلك الرغبة نابعة من أمرين أولهما أننى من أبناء المحافظة وأعرف طبيعة وتركيبة وعقلية شعبها وثانيهما أننى منغمس في الشأن الأمني وكثيرا ما أتدخل لحل النزاعات ومساعدة الشرطة في إرساء الأمن والسلام الاجتماعى.
تحية لقيادات وزارة الداخلية، وتحية لقيادات أمن أسيوط، وتحية لرجال مباحثها من القيادات الوسطى والشباب، وتحية لكل جندي في هذا الوطن يضحى بحياته من أجل استقرار حياة الشعب المصرى والله من وراء القصد.
تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة