فى مايو 1944 هبطت فتاة بريطانية تبلغ من العمر 23 عاماً تسمى "بيبا لاتور" بالمظلة فى نورماندى المحتلة ولم يكن معها سوى بندقية وبوصلة، وبدلة كان من المفترض أن تجعلها تبدو فرنسية، وحبة قاتلة تبتلعها حال القبض عليها من قبل الألمان.
كانت مهمتها إرسال رسائل مشفرة إلى لندن حول تحركات القوات النازية خلال هذه الأشهر الأخيرة اليائسة من الحرب، وهذه المهمة جعلتها جاسوسة، وهو ما يعني أنه حال القبض عليها، فإن الألمان سوف يتجاهلون اتفاقية جنيف وسوف تتعرض للتعذيب، ومن المؤكد أنها سوف تتعرض للاغتصاب والقتل.

ففى بداية الكتاب الذي يحمل عنوان "العميل السرى الأخير" لـ بيبا لاتور مع جود دوبسون، تتحدث "بيبا" في رؤية واضحة حول طبيعة عملها في إدارة العمليات الخاصة، حيث قالت "لم أكن جاسوسة على غرار جيمس بوند.. كنت عميلًا سريًا مهمته التخفي في الخلفية وإحداث فوضى".
لقد فعلت ذلك من خلال التظاهر بأنها مراهقة فرنسية، كانت تتجول بالدراجة حول ريف نورماندي وتبيع حليب الماعز للجنود الألمان الذين سئموا من مستلزماتهم الشخصية القاسية التي يقدمها لهم الجيش.
في الواقع، ما كانت تفعله بيبا بالفعل أثناء حديثها مع عملائها هو جمع معلومات استخباراتية حول تحركات القوات، باستخدام أحد أجهزة الراديو السبعة عشر المخبأة في الخنادق أو المباني المدمرة في الريف، كانت تنقل المعلومات إلى مشغليها في لندن.
وفي غضون ساعات، كان من شأن هجوم قاتل شنته قوات الحلفاء من السماء أن يقضي على الجنود الألمان الذين كانت "التلميذة الفرنسية" الجميلة تبيع لهم الحليب مؤخرًا.
فى حين كانت مهارات بيبا اللغوية مثالية، بفضل والدها الفرنسي وفترة دراستها في مدرسة باريسية، فقد صدرت لها تعليمات إضافية حول كيفية التأكد من أنها لن تكشف عن نفسها أبدًا، وشمل ذلك عدم خلع قبعاتها أبدًا داخل المنزل، أو النظر إلى اليسار عندما تعبر الطريق، أو وضع الحليب قبل الشاي.
حتى أن المشرفين عليها أصروا عندما هبطت بالمظلة في فرنسا على أن يبدو شعرها المغسول حديثًا متسخًا - فالمظهر الجيد سيجعلها مميزة عن السكان المحليين، الذين لم يكن لديهم الوقت ولا الطاقة للقلق بشأن مظهرهم.
ولكن بعد أيام من وصولها، لم تكن هناك حاجة إلى هذه الاحتياطات الإضافية. فبعد أن اعتادت النوم في العراء في غابة نورماندي خوفًا من لفت الانتباه إلى "المنازل الآمنة" التي تديرها المقاومة الفرنسية، اعتادت بيبا الاغتسال في الجداول الموحلة وتناول الفئران المشوية، وكانت النتيجة أنها سرعان ما اكتسبت مظهرًا مرهقًا ونحيلًا مثل المقيمين منذ فترة طويلة.
ومع ذلك، كانت هناك بعض المواقف المرعبة. ذات مرة، عندما كانت بيبا ترسل رسالة عبر جهاز راديو مخفي في مزرعة محلية، فتح جنديان ألمانيان الباب بحثًا عن طعام، أغلقت سماعة الهاتف اللاسلكية، متظاهرة بأنها تحمل حقيبة، وأخبرت الرجال بأنها مصابة بالحمى القرمزية وأنها بحاجة إلى مغادرة القرية، ففر الجنود مسرعين.
وفي مناسبة أخرى أكثر خطورة، قامت قوات الأمن الخاصة بتفتيشها عارية، ونسوا التحقق من رباط الحذاء الذي كانت تستخدمه لربط شعرها، ولم يكن أحد يعلم أنها كانت تخفي بداخلها قطعة رقيقة من الحرير، سجلت عليها الرموز التي كانت تستخدمها كلما اتصلت بمشغليها في لندن.
وكانت التهديدات الأخرى أكثر عشوائية ، كما تروي فى الكتاب، بأسلوب نثري واضح لا يشوبه أي انفعال، اغتصبها جنديان ألمانيان، معتقدين أنها في واقع الأمر تلميذة فرنسية لا تستحق أفضل من ذلك.
أي نوع من الفتيات يمكن أن يكون قوياً بما يكفي للتطوع لمثل هذه الوظيفة، ناهيك عن القيام بها دون الكشف عن نفسها؟ يكمن الدليل، حتمًا، في السنوات الأولى من حياة بيبا، ولدت في جنوب أفريقيا لأم بريطانية وأب طبيب فرنسي، وكانت يتيمة في سن الرابعة، ونتيجة لذلك، تنقلت بين أفراد عائلتها الممتدة في كل من فرنسا وإنجلترا، مما منحها نوعًا من الهواء العالمي الذي سمح لها بالاندماج في أي مكان.
ولكن ربما كان أعظم ما اكتسبته بيبا كجاسوسة هو أنها بعد أن فقدت أفراداً مهمين من عائلتها في وقت مبكر، اكتسبت قوة داخلية هائلة. أو بعبارة أخرى، "لم أثق إلا في عدد قليل من الناس".
إن هذا الاحتواء الذاتي هو الذي يفسر لماذا كانت بيبا لاتور تبلغ من العمر 80 عاماً قبل أن توافق على الحديث عن ماضيها في زمن الحرب. وحتى في ذلك الوقت، كانت لا تزال منزعجة بشكل واضح من "كشف" أبنائها البالغين عن هويتها، الذين عثروا على ذكر اسمها على موقع إلكتروني يتعامل مع "جهاز الخدمة السرية لتشرشل".
وتقول أيضا فى الكتاب "لولا ظهور الإنترنت، لربما ظلت رغبتي في الحفاظ على السرية قائمة.. لأنني أرى أن ما فعلته في الحرب لم يكن من شأن أي شخص آخر".
هذا الكتاب لا يعد شهادة على بطولتها الشخصية فحسب، بل يعمل أيضًا كنصب تذكاري جماعي لجميع ضابطات العمليات الخاصة الأخريات، وكثير منهن زميلاتها، اللاتي تعرضن للتعذيب والقتل على يد النازيين.
عندما توفيت بيبا العام الماضي عن عمر ناهز 102 سنة، رحل معها آخر رابط حي مع حلقة غير عادية في تاريخ المرأة.