- الدكتور علي سعيد يفتح "كنوز الذاكرة المصرية" من معركة المنصورة في القرن الثالث عشر حتى ثورة 30 يونيو
- صحف ووثائق أصلية ترافق الأعمال الفنية
- ثمانية متاحف فنية وقومية من مختلف المحافظات تجتمع لتقديم "صورة مصر"
لم أتخيل أن هناك مكانًا قادرًا على انتزاعك من الحاضر بكل ما يحمله من صخب وضجيج، ليُلقي بك فجأة في قلب التاريخ، كشاهد حي يتنفس تفاصيله ويشعر بحرارة لحظاته، وقد سمعت كثيراً عن "آلة الزمن" ولكن لم أكن أتوقع أبداً أنى أقودها وأسافر من خلالها للأحداث التاريخية القديمة، وكأنني جزء من المكان أشعر وأتنفس به.
كان بصحبتي في هذه الرحلة الدكتور والفنان على سعيد، مدير عام مراكز الفنون بقطاع الفنون التشكيلية، حيث فتحت معاً صندوق الكنوز الحقيقة الذى يحمل عنوان "صورة مصر" والذى يصور الأحداث السياسية بداية من معركة المنصورة وهزيمة الصلبيين وصولا إلى ثورة 30 يونيو.
"صورة مصر" اختارها على سعيد لتقديم صورة متكاملة عن مصر التاريخ ليكن معرضاَ فنياً ضخماً يقام خلال الفترة المقبلة، "بقصر عائشة فهمي" مجمع الفنون بحي الزمالك، هذا القصر الذى يحمل عبق التاريخ ولك أن تتخيل كنوز تعرض على حوائط جدران تراثية ذات قيمة جمالية ومعمارية يصعب تكررها، بمعنى أدق ثروة مصر تعرض أهم موقع فني بمصر، فاللوحات لا تعرض باعتبارها أعمالًا تشكيلية فقط، بل باعتبارها وثائق بصرية تسجل التاريخ بعيون الفنانين.

الدكتور على سعيد مع محررة اليوم السابع بسنت جميل
- البداية من معركة المنصورة... حيث بدأ التاريخ البصري
بدأت الرحلة من القرن الثالث عشر، داخل إحدى قاعات القصر، حيث شاهدنا لوحة "معركة المنصورة 1250" للفنان عبد العزيز درويش، والتي تجسد لحظة هزيمة الصليبيين وأسر الملك لويس التاسع.
اللوحة قدمت مشهدًا نابضا بالحركة والتفاصيل، يصعب المرور أمامه سريعاً، وبجوارها ظهرت لوحة "معركة فارسكور" للفنان الحسيني فوزي، لتستكمل سرد بطولات المصريين في تلك الحقبة، وكيف توحد الشعب في مواجهة الغزو.

لوحة المنصورة
"مبايعة الوالي".. لحظة مهيبة في التاريخ المصري
انتقلنا بعد ذلك إلى قاعة أخرى، حيث ظهرت لوحة "مبايعة الوالي" للفنان محمد ناجي، إحدى أبرز الأعمال المعروضة، وهنا تتجسد لحظة تاريخية مرتبطة بما بعد ثورة 1919، حيث يحضر الزعيم سعد زغلول في مشهد يحمل دلالات دخول الإرادة الشعبية إلى قلب السلطة السياسية.
ويقول الفنان علي سعيد، من هنا يبدأ التاريخ المصري الحديث... لكننا لا نقدمه بتسلسل تقليدي، لكن من خلال لحظات فارقة صنعت الوعي المصري.

لوحة مبايعة الوالي
- حقبة جمال عبد الناصر.. الثورة كما رآها الفنانون
مع الانتقال إلى خمسينيات القرن الماضي، بدأت ملامح عصر جمال عبد الناصر في الظهور، توقفنا أمام لوحة "معركة بورسعيد" التي توثق أجواء العدوان الثلاثي على مصر بعد قرار تأميم قناة السويس، كما ظهرت لوحة نادرة للفنانة جاذبية سري بعنوان "كوبري عباس"، وهي من الأعمال التي لم تعرض جماهيرياً من قبل، وتحمل رموزًا بصرية متعددة، من بينها السلام، والمقاومة، والشهادة، والتحرر الوطني.

لوحة كوبرى عباس لجاذبية سري
ومن كثرة الزخم والأحداث إلا أننا استكملنا الطابق الثاني بمنتهى الشغف وتابع "على سعيد" في تقديم "صورة مصر" من خلال تشكيليين تلك الفترة لنرى كيف جسدوا هذه الوقت التاريخي المهيب، شاهدنا لوحة " فجر الثورة" للفنان سيمون سامسونيان، وأعمال عن السد العالي والعمال والفلاحين، بعضها أقرب للتجريد لكنه تحمل نفس الفكرة "البناء والعمل"، ثم نعود لعبد الناصر مرة أخرى من خلال عمل الفنانة زينب السجيني الذى يحمل عنوان " ما صنعته الثورة ي 10 سنوات"، بالإضافة إلى لوحة عبد المنعم حسن التي لا تحمل عنوان و لكنها تصور فتاة تحمل صحية ويكن عرض لجريدة الأصلية التي استُخدمت مرجعا لها بجوار اللوحة نفسه.

لوحة بدون عنوان لعبد المنعم حسن
لوحة "السلام" النادرة لعبد الهادي الجزار
هناك أيضاً أعمال عن تأميم قناة السويس، فيها رموز للوحدة العربية والسلام والعلم والعمل والفلاحين والصيادين، وحتى إشارات للحضارة المصرية القديمة، ومنها لوحة "السلام" للفنان عبد الهادي الجزر التي تظهر أعلام الدول العربية والجمهورية العربية المتحدة، ويحتاج هذا الجزء لقراءة تاريخية تشرح الرموز لماذا هذا العلم؟.. ولماذا هذا اللباس؟ وما دلالة هذه الشخصيات؟

لوحة السلام لعبد الهادي الجزار
الأرشيف الصحفي.. شاهد على الفن
وسط هذا الزخم، أوضح "علي سعيد" أن الفكرة الأساسية للمعرض لا تعتمد فقط على الأعمال التشكيلية، وإنما على المزج بين الفن والأرشيف الصحفي، حيث إن الفكرة ليست فقط كيف رأى الفنانون الحدث، بل أيضاً كيف وثقته الصحافة المصرية لحظة وقوعه، ولهذا تظهر اللوحات جنبًا إلى جنب مع صفحات صحف أصلية، وصور فوتوغرافية، ووثائق أرشيفية، لتقديم قراءة مزدوجة للتاريخ.

على سعيد مع الارشيف الصحفي
- من الميثاق الوطني إلى بناء الدولة
انتقلنا بعد ذلك إلى عام 1962، عام الميثاق الوطني، حيث ضم المعرض أعمالًا للفنانين عبد الهادي الجزار، رفعت أحمد صالح إبراهيم الطهطاوي، وبجوار الأعمال ظهرت عناوين صحفية أصلية توثق اللحظة نفسها، بما يمنح الزائر تجربة تاريخية متكاملة.

لوحة الميثاق
- من نصر أكتوبر إلى 30 يونيو
استكملت الرحلة عبر أعمال توثق، معارك الكرامة واسترداد سيناء منذ 1967 وحتى نصر أكتوبر المجيد 1973، ثورة 25 يناير، ثورة 30 يونيو، حتى تصل الرحلة إلى ملامح الدولة المصرية الحديثة.
هنا كان عليّ أن أتوقف قليلًا، لا لالتقاط الأنفاس، بل لاستيعاب حجم ما رأيته من طبقات التاريخ المتجاورة أمامي... في السطور التالية نواصل حوارنا بعد الجولة مع الدكتور علي سعيد، لفهم الفلسفة الكاملة وراء معرض "صورة مصر"

لوحة تعبر عن الرخاء والنماء بعد ثورة 30 يونيو
- من خلال بحثك واطلاعك على هذه الأعمال الفنية المهمة.. ما أكبر كنز عثرت عليه؟
المعرض كشف لنا عن العديد من اللوحات الفنية العظيمة التي تعود إلى أسماء لفنانين تشكيليين منسيين، ولم تكن تتوافر عنهم صور أو معلومات أرشيفية داخل القطاع، ومن بينهم: محمد مصطفى محمد، إبراهيم الطهطاوي، سعد عبد الوهاب، إجلال حافظ، سعد كامل، وأبو الفتوح أبو شادي، ولعل هذا المعرض يكون سببًا في الوصول إلى معلومات جديدة عن هؤلاء التشكيليين، لنتعرف بصورة أعمق على أعمالهم وتجاربهم، سواء من خلال أسرهم، أو أصدقائهم، أو ممن عاصروهم واختلطوا بهم، وأدعو قراء "اليوم السابع" إذا كانت لديهم أي معلومات أو وثائق أو صور تخص هؤلاء الفنانين، إلى التواصل مع قطاع الفنون التشكيلية، أو من موقعكم وجريدتكم، حتى نستطيع استعراض سيرهم والاحتفاء بإبداعاتهم الفنية.
- كيف بدأت فكرة دمج الفن بالتاريخ داخل المعرض؟ وهل كان تنفيذها سهلا؟
بدأت الفكرة منذ أكثر من عشر سنوات، مع بدايات عملي داخل متحف الفنون الجميلة، وكانت مرتبطة بفكرة المعارض الفنية ذات الطابع التوثيقي والتاريخي، تنفيذ الفكرة لم يكن سهلا، لأن المعارض التشكيلية التقليدية غالبًا لا تحقق إقبالاً جماهيريًا كبيراً، فالجمهور عادة يأتي بدافع اسم الفنان نفسه، فإذا كان هناك "فنان نجم"، يحضر محبوه وتلاميذه ومتابعو أعماله، أما في المعارض الجماعية، مثل "صالون الشباب" أو "المعرض العام"، فيأتي كل فنان مع أسرته وأصدقائه، وهو ما يصنع حالة من الزخم الطبيعي، أما المعارض المرتبطة بفكرة أو حدث فقط، فعادة لا تحظى بالمستوى نفسه من الاهتمام الجماهيري، ومن هنا جاءت فكرة دمج التاريخ بالفن، وكان المجتمع السكندري تحديدًا شديد الارتباط بتاريخ الإسكندرية، ومنحازاً لها وجدانياً، لذلك فإن أي موضوع يرتبط بتاريخ المدينة كان يلقى اهتمامًا واسعًا، وأحياناً كان المهتمون بالتاريخ أكثر من المهتمين بالفنون التشكيلية نفسها.
- ما أبرز المعارض التي قدمت فكرة الدمج بين الفن والتاريخ؟
البداية الحقيقية كانت مع معرض "الخبيئة"، والذي شكل نقطة تحول مهمة، لأنه حقق حضورًا جماهيريًا كبيراً، خاصة أن الأعمال المعروضة فيه كانت تُعرض للمرة الأولى، إلى جانب طابعه التوثيقي والتاريخي، بعد ذلك بدأت سلسلة من المعارض امتدت إلى نحو 10 أو 12 معرضاً، كان الجانب الفني فيها مسؤوليتي الأساسية، بينما احتاج الجانب التاريخي إلى تعاون مع الدكتور إسلام عاصم، حتى تخرج التجربة بشكل يجمع بين القراءتين الفنية والتاريخية، نجاح الفكرة جاء من قدرتها على جذب جمهورين مختلفين في الوقت نفسه؛ جمهور مهتم بالفن التشكيلي، وآخر مهتم بالتاريخ والسياسة والوثائق، وهو ما صنع حالة كبيرة من الزخم، خاصة مع انتشار الصور والتغطيات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومن أبرز هذه المعارض: معرض "الإسكندرية في 300 عام"، معرض "الإسكندرية في صحافة البلدية"، معرض "مئوية ثورة 1919" الذي أُقيم عام 2019، وكان الأخير حدثًا فنياً وتاريخياً مهماً، لأنه جمع بين أعمال لفنانين مثل سيد درويش ومحمود مختار، وبين الوثائق والقصص الإنسانية المرتبطة بالثورة، مثل الحديث عن أول شهيد وأول شهيدة وغيرها من التفاصيل التاريخية.
- إلى أي مدى يمكن للصورة أن تحفظ ذاكرة الوطن أكثر من الكلمات؟
الفكرة الأساسية أن المعرض لا يروي التاريخ فقط، بل يروي "صورة مصر" كما رآها الفنانون والصحافة معاً، وسيضم المعرض أيضًا شاشات تعرض صورًا وفيديوهات قصيرة من ثورة 25 يناير وثورة 30 يونيو، إلى جانب صور فوتوغرافية متداخلة مع صفحات الجرائد، ضمن فكرة المزج بين الفن والصحافة، ومن خلال ذلك، سنرى كيف تغير شكل الصحافة بين الماضي والحاضر، وكيف تطورت اللغة البصرية وأساليب تقديم الحدث.

لوحة عن ثورة يناير
- ما أبرز المتاحف التي شاركت بأعمال ولوحات ضمن معرض "صورة مصر"؟
ضم المعرض مجموعة كبيرة من اللوحات والأعمال القادمة من عدد من المتاحف الفنية والتاريخية المهمة، وهو ما منح المعرض تنوعًا كبيرًا بين الأعمال الفنية والمواد التوثيقية، ومن أبرز المتاحف المشاركة: متحف الفن المصري الحديث، متحف سيف وأدهم وانلي، متحف النصر، متحف دنشواي، متحف الفنون الجميلة، متحف مصطفى كامل، متحف محمد ناجي، متحف الجزيرة
- ماذا عن فكرة "النوادر" والقطع الفريدة داخل المعرض؟
الجمهور ينجذب دائمًا لفكرة الأعمال النادرة، أو تلك التي لم تعرض منذ سنوات طويلة، ومن بين اللوحات النادرة الموجودة داخل المعرض: لوحة "معركة بورسعيد" للفنان محمد حسن، وهي من مقتنيات متحف الفن المصري الحديث، كذلك لوحة "معركة المنصورة"، وهي من مقتنيات متحف المنصورة القومي.

لوحة معركة بورسعيد
في نهاية هذه الرحلة الاستثنائية عبر "آلة الزمن" داخل قصر عائشة فهمي، ندرك أن معرض "صورة مصر" ليس مجرد احتفاء بالماضي، بل دعوة مفتوحة لإعادة قراءة تاريخنا بعيون مبدعينا، فالنداء الذي أطلقه قطاع الفنون التشكيلية للبحث عن مقتنيات وتفاصيل حياة الفنانين المنسيين، يمثل واجباً وطنياً وفنياً، تشارك فيه الصحافة والجمهور معاً، حتى تبقى الذاكرة البصرية المصرية حية، نابضة، ومحفوظة للأجيال القادمة.
.jpeg)
الدكتور على سعيد مع محررة اليوم السابع بسنت جميل

عدد اليوم السابع